تونس ـ «القدس العربي»: أصبح الإدمان الإلكتروني للأطفال والمراهقين، مرض العصر بامتياز في السنوات الأخيرة مع تنامي الحاجة إلى استعمال الأجهزة الإلكترونية من كمبيوترات وشاشات وهواتف ذكية ولوحات وساعات إلكترونية وغيرها. ولعل ما جعل الاهتمام بهذا المرض يتزايد أيضا، هو الانتباه لخطورته وقدرته التدميرية التي تتطلب التشخيص الدقيق وإيجاد الحلول الكفيلة بإنقاذ الناشئة من براثن الوحش الفتاك الذي يعبث بمستقبلهم.
يُعرف الإصدار الحادي عشر من التصنيف العالمي للأمراض الصادر عن منظمة الصحة العالمية، الإدمان الإلكتروني، بأنه نمط من السلوكيات التي تتميز بضعف التحكم في ممارسة استعمال الأجهزة الإلكترونية أو ألعاب الفيديو، تُعطى فيه الأولوية لهذه الأجهزة والألعاب التي تتضمنها على الأنشطة الأخرى، إلى حد يجعل هذا النمط يتصدر سائر الاهتمامات والأنشطة اليومية، ويتبع ذلك مواصلة الإقبال على الأجهزة الإلكترونية والألعاب التي تتضمنها بالرغم من العلم مما يخلفه ذلك من عواقب سلبية.
ووفقا لهذا التعريف فإن أهم مخاطر الإدمان الإلكتروني هو جعل الناشئة في حالة عزلة مستمرة عن الفضاء الأسري وعن العالم الخارجي على حد سواء، وفي عالم افتراضي مغلق، لدرجة أنهم يتحدثون ويتواصلون مع بعضهم بعضاً باستخدام مواقع التواصل وهم داخل المنزل. وقد يستفحل الإدمان فيصل بصاحبه إلى أمراض نفسية وجسدية على غرار طيف التوحد والتوتر النفسي والعصبي والميل إلى العنف اللفظي والمادي والسمنة وضغط الدم وأمراض القلب وغيرها وذلك بسبب قلة الحركة وقلة التواصل مع العالم الخارجي.
كما يربط الكثير من الخبراء والمختصين في علم النفس بين الإدمان الإلكتروني والسلوك العدواني والمتمرد والمتحدي لكثير من الأطفال والمراهقين خاصة في حال تم منع هذا الطفل أو ذاك من استعمال الأجهزة الإلكترونية من هواتف وشاشات ولوحات وساعات وغيرها. فيصبح الأمر شبيها بمن يتم منعه من استهلاك مادة مخدرة فيغلب عليه السلوك العدواني لافتكاك هذه المادة من حاملها بحثا عن مخرج لشعور الألم الذي ينتابه.
كما أن السلوك العدواني تتسبب فيه ألعاب غير مراقبة ولا تراعي سن الطفل فتحرضه على ردود أفعال مشينة في تعامله مع الآخر تجعله منبوذا وغير مرحب به في مجتمعه فتزيده عزلة على عزلته عند إبحاره في هذا العالم الافتراضي. كما أن بعض الألعاب تدفع اليافع إلى سوء الخلق والقيم السيئة فيسقط في الماء كل الجهد الذي تقوم به الأسرة لتربية الأبناء وكذا المؤسسات التربوية والنوادي ودور الشباب والثقافة والأندية الرياضية.
وقد يصل الأمر إلى حد تسبب الإدمان الإلكتروني في تأخر النطق لدى الكثير من الأطفال ممن اعتقد آباؤهم أنهم يحسنون صنعا وهم يمنحونهم أجهزة إلكترونية ليهتموا بها ويكفوا عن إزعاج سكان البيت واستهداف راحتهم وسكينتهم. وكم من طفل اضطر آباؤه إلى أخذه إلى أخصائي في النطق لمساعدته على تجاوز هذه الصعوبات التي تسبب فيها الإدمان الإلكتروني وسوء تقدير الآباء وعدم درايتهم بأمراض العصر.
فقدان التركيز
كما أن الإدمان الإلكتروني يؤثر سلبا على دراسة الطفل، فمن جهة يأخذ كل الجهد والوقت الجسدي والنفسي ولا يترك الحيز الزمني اللازم للدراسة والبحث والنهل من مختلف الأنساق المعرفية، ومن جهة ثانية يؤكد علماء النفس على أنه يتسبب في فقدان التركيز الذي يحتاجه التلميذ أو الطالب لينجح ويتفوق في دراسته مهما كانت المادة والاختصاص. وبالتالي فالإدمان الإلكتروني عدو لدود للنجاح بامتياز ويحول دون تحقيق النجاح المرجو للأبناء في دراستهم وتحصيلهم العلمي والمعرفي وبإمكانه أن يجهض الجهود التي يبذلها الآباء لنجاح أبنائهم خاصة في المجتمعات التي تقدس التعليم.
وهناك أمراض أخرى عديدة يمكن أن يصاب بها المدمن على الألعاب الإلكترونية منها العجز عن التعبير عن المشاعر باعتبار تحول الطفل إلى كائن إلكتروني خال من المشاعر والأحاسيس التي تخلق بالفطرة وتتطور بالاحتكاك الاجتماعي. كما قد يخلق الإدمان الإلكتروني مشاكل في النمو بسبب سوء التغذية وقلة الحركة، ويتسبب في أمراض العيون والعظام وخصوصا العمود الفقري ويساهم في تلف أعصاب الجسم وعدم قيامها بدورها وهو ما يؤثر سلبا على الجهاز العصبي برمته.
دور العائلة
ولعل ما يساهم في استفحال الإدمان الإلكتروني وتحوله إلى مرض من أمراض العصر هو حاجة الناشئة في يومنا هذا إلى الأجهزة الإلكترونية وعدم القدرة على الاستغناء عنها في مختلف الأنشطة وخصوصا في مجال الدراسة والتحصيل العلمي. فلا يمكن بالتالي منع الناشئة من استعمال التقنيات الحديثة ومواكبة العصر والاكتفاء بطرق التدريس التقليدية وهو ما يجعلهم عرضة للمخاطر أكثر فأكثر ويفاقم من احتمالات إصابتهم بالإدمان الإلكتروني الذي يؤكد خبراء على أنه لا يختلف عن إدمان المخدرات والكحول وغيرها مما يصعب التخلص منه. سامية عموري أستاذة التعليم وخبيرة في الإعلام التربوي قالت لـ«القدس العربي» إن هذه الظاهرة أصبحت من الظواهر الشائعة في مجتمعاتنا العربية، ولعل إدمان الشباب وخاصة الفئة العمرية التي تشمل المراهقين أصبحت ملفتة للانتباه نظرا لانعكاساتها على سلوكياتهم سواء داخل المجتمع أو في المجتمع المصغر والعائلة. وتضيف محدثتنا: «ألاحظ استفحال الظاهرة وانعكاساتها السلبية على سلوك الأطفال لانها أخذت من وقتهم ومن طاقة استيعابهم للمعلومات وأصبحت تعزلهم عن العائلة والمجتمع والمحيطين بهم. فمن الضروري لفت الانتباه للمشكل الذي يتفاقم يوما بعد يوم ولا بد من إيجاد الحلول لها». وقالت إن العائلة تتحمل الجزء الأكبر لأنها الملامسة للطفل وهي المسؤولة عن عدد الساعات التي يقضيها الطفل مع الجهاز الإلكتروني. فالولي هو المسؤول الأول لأنه من المفترض أن يوعي ابنه أو ابنته على مخاطر هذا الجهاز وتأثيراته السلبية على صحته النفسية والجسدية وتفكيره أيضا. والتجارب تبرهن أن عديد المشاكل أصبحت نابعة من هذا الإدمان ناهيك أن الولوج للعوالم الأخرى والاتصال بعالم آخر في أغلب الأحيان لسنا ندري ما هو غايته فهذا الأمر خطير جدا على الناشئة والمراهقين». ونضيف بالقول: «سأخص بالذكر الفئة العمرية الناشئة في بداية السنة المبكرة للطفولة نلاحظ حتى الطفل تنشغل أحيانا والدته وتعطي الجهاز الإلكتروني لابنها الرضيع بدعوى انه سينجذب لمحتوى هذا الجهاز ولكنها في واقع الأمر تمده بسموم إلكترونية».
وقالت إن تجارب البلدان التي اخترعت هذه الأجهزة وتعرف خطورتها ووضعت قانونا يجرّم ويمنع منعا باتا استعمال الأجهزة الإلكترونية في البلدان المتقدمة في مجال الطفولة والجانب التربوي.
وتضيف العموري: «ولا بد في هذا الإطار أن يقوم الأولياء بما يجب القيام به لتحديد أوقات استعمال هذه الأجهزة الإلكترونية وما تتضمنه من ألعاب ووسائل تواصل اجتماعي ليتفرغ الناشئة أكثر إلى تحصيلهم العلمي والمعرفي وإلى اكتساب المهارات في مختلف المجالات. كما وجب خلق أنشطة بديلة خاصة في أوقات الفراغ مثل التشجيع على ممارسة الرياضة والموسيقى والرسم والمسرح وغيره من الفنون، أو التشجيع على المطالعة أو الخروج إلى الطبيعة والتفاعل مع مختلف مكوناتها وغيرها».
وتقول: «كما يجب على الأولياء مراقبة محتوى الألعاب والمواقع والمنصات التي يلج إليها أطفالهم في مختلف الأجهزة الإلكترونية، مع القيام باختيار دقيق لكل ما يتناسب مع سن الطفل ونضجه العقلي ومداركه. وعليهم أيضا منع الألعاب والمواقع التي تحرض على السلوك المشين أو العنف أو ما لا يتماشى مع طبيعة المجتمع وثقافته وعاداته وتقاليده مع إقناع الطفل بحكمة حتى يقبل على نصائح الآباء مع الابتعاد قدر الإمكان عن القمع وفرض الرأي بالقوة».
وتبدو استشارة الأخصائيين النفسيين ضرورية في هذا الإطار للمساعدة أكثر على إيجاد الحلول لمعضلة العصر هذه، وذلك بالرغم من أن ثقافة الإلتجاء إلى الأخصائي النفسي ما زالت لم تترسخ كما يجب في كثير من المجتمعات الشرقية. فهناك حالات مستعصية ومتقدمة واستفحل فيها المرض حتى استحالت معالجته ولا بد لهذه الحالات من مختص يشخص الحالة التشخيص الدقيق ويصف العلاج المناسب الذي يوفر على الأولياء التعب والجهد والمعاناة النفسية والخشية على مستقبل الأبناء.
وفي هذا الإطار تعتبر منظمة الصحة العالمية في مسودة المراجعة الحادية عشرة للتصنيف الدولي للأمراض «ICD-11» أنه «من أجل تشخيص الإدمان الإلكتروني، يجب أن يكون نمط السلوك على درجة كافية من الخطورة، ما يؤدي إلى ضعف كبير في مجالات العمل الشخصية أو الأسرية أو الاجتماعية أو التعليمية أو المهنية أو غيرها من المجالات المهمة، وعادة ما يكون واضحا لمدة 12 شهرا على الأقل». وهي معايير يبدو أنها وضعت من قبل أهل الاختصاص والخبراء، ويبدو أيضا من خلال ما ورد أن الإدمان الإلكتروني بات ظاهرة عالمية وآفة حقيقية من آفات هذا العصر وبامتياز، الأمر الذي دفع بهذه المنظمة الدولية إلى الاهتمام به وتقديم التوصيات بشأنه.
ويؤكد الخبراء أنه، وكما إدمان المخدرات والمسكرات، يقتضي التعافي بعد مرحلة هامة من التأهيل وإعادة الدمج المجتمعي للمدمن السابق وذلك بهدف تحقيق التعافي طويل الأمد وحتى لا يحصل العود لاحقا إلى الحالة الأولى. ويؤكد هؤلاء أنه قد نشهد في المستقبل بناء مراكز ومصحات لإعادة تأهيل المدمنين الإلكترونيين مثل مراكز تأهيل مدمني المخدرات التي من أهدافها أيضا دمج المتعافين في مجتمعاتهم وقد يلتحق المجتمع المدني بهذا الجهد فتتأسس جمعيات ومنظمات تعاضد جهود الدول أو القطاع الخاص الذي قد يستثمر في هذا المجال.