بلغت خشية وحذر معاوني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستويات غير مسبوقة وصلت إلى حد أن أحد كبار الموظفين السابقين في البيت الأبيض أصدر كتاباً في الأسابيع السابقة ليوم الانتخاب الرئاسي اطلع فيه الشعب الأمريكي على جوانب شخصيةٍ سلبيةٍ في تعاملات ترامب مع المحيطين به ونحو القضايا السياسية عموماً، ولكن من دون الإفصاح عن هويته.
في هذا الكتاب وعنوانه “تحذير” الذي تُرجم إلى العربية وصَدَر في خريف عام 2020 يؤكد الكاتب في مقدمته أنه في منتصف ولاية ترامب فكّر عدد من كبار المستشارين والمسؤولين في الحكومة في تقديم استقالة جماعية بسبب قرارات الرئيس المتسرعة والمتناقضة والخطيرة، لكنهم تخلوا في آخر الأمر عن هذه الفكرة خوفاً من أن “يزيدوا الطين بلّة”. إلا أن الأمور ساءت على أي حال، مما دفع الكاتب إلى المضي في كتابة هذا الكتاب (ص 11 ـ 12).
ويضيف قائلاً: “أردنا أن تنجح الإدارة ودعمنا نقاطاً أساسية في أجندة الرئيس، إلا أن سلوكه غير المتزن في المجالس العامة والخاصة أثار خشيتنا، وخصوصاً استمراره في ممارسة الضغوط الكبيرة على معاونيه لتنفيذ بعض سياساته الخاطئة ثم إقالتهم إذا لم ينفذوها”.

بعض هؤلاء المعاونين، حسب قول الكاتب، “لم يتحملوا، وقدموا استقالاتهم بأنفسهم والبعض الآخر تم طردهم وبقي ترامب محاطاً بمجموعة متقلصة من المستشارين الذين يحرضونه أو يشجعونه على سوء سلوكه، ونحن رأينا بالفعل العواقب” (ص 16).
يؤكد الكاتب أن الآراء الواردة في الكتاب شخصية، ولكن يشاركه بشأنها العديد من المسؤولين الآخرين في فريق ترامب، وأن فكرة الكتاب نشأت وتحددت بسرعة لكي يطّلع الجمهور الأمريكي على الحقيقة قبل الانتخابات الرئاسية ولكي يقرروا بقاء ترامب في الرئاسة بعد عام 2020 أو عدمه. وهذا النص كُتبَ على أمل أن يطّلع عليه داعمو ترامب أو على الأقل المجموعة المتبقية منهم من الذين عمل معهم ليدركوا بأن تجاهلهم لما لم يرغبوا برؤيته أو تقديمهم أعذاراً لترامب بحجة أنه ينجز المهمة دفعه إلى المزيد من الأخطاء وقد يدفع مسؤولين كباراً غيره إلى تكرار ممارساته.
وقد أتخذ الكاتب القرار بعدم نشر إسمه، حسب قوله، لأن النقاش حول الكتاب لا يتعلق بشخصه بل بالجميع وبصورة البلد حالياً وفي المستقبل. ومعظم التقارير الواردة فيه آتية من خبرته الشخصية أو من تقارير من مصادر مباشرة زوده بها مسؤولون آخرون. وتمنى ألاّ تتحول قضية هذا الكتاب إلى محاولة لكشف هوية الكاتب أو مزوديه بالمعلومات، بل إلى نقاشات فاعلة وفعلية حول الصفات التي يجب أن يتحلى بها الرئيس الجديد. فالكتاب لم يُكتب لتصفية حسابات شخصية، وهدفه ليس مادياً، بل لوقف سياسات استخدام المنصب الرئاسي للتهكم والتنمر والتوبيخ وإنزال العقوبات والطرد ونشر الخوف من قول الحقيقة ومن النقد الإيجابي. وسيلقي هذا الكتاب، حسب قوله، “الضوء على حقيقة إدارة ترامب، ويبين ما إذا كان الرئيس ترامب جديراً في أن يستمر في تولي دفة قيادة الولايات المتحدة الأمريكية” (ص 25).
من أسوأ ما أشار إليه الكاتب في الفصل الثاني وهو بعنوان “شخصية رجل” ان ترامب في السياسة الخارجية يستفز خصوم أمريكا من حكام الدول غير المستقرة مما يشكل خطراً لإمكان نشوب أزمات قد تخرج عن السيطرة. فيقول متحدياً إيران: “إذا أرادت إيران الحرب فستكون نهايتها الرسمية”. ثم يتحدى زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون قائلاً: “إن زرّي النووي أكبر من زر كيم جونغ اون” (ص 85).
ترامب يملك حسب الكاتب، إحدى أكثر الشخصيات عدوانية في العصر الحديث. فيقول مثلاً عن هيلاري كلينتون “إذا كانت هيلاري غير قادرة على إرضاء زوجها في السرير، فهل باستطاعتها إرضاء أمريكا؟”.
في بعض الأحيان، كان معاونوه يقررون الاستقالة بسبب تصريحاته إزاء النساء وأجسادهن ورؤيته لهن من منطلق جنسي فحسب، ولكنهم (نساء ورجالا) يبقون في مناصبهم لمحاولة ضبط تصريحاته الكارثية في كثير من القضايا الهامة.
ويشير المؤلف انه في العقود الثلاثة الأخيرة، بدّل ترامب انتماءاته السياسية خمس مرات منتقلاً بين الحزب الجمهوري والديمقراطي وحزب الاستقلال لأنه (كما يورد الكاتب في الفصل الثالث) لا يعتنق مبادئ وجدانية بل آراء زائفة تتبدل حسب مصالحه. ومن المقارقة، حسب ذلك الفصل، ان “ترامب كرجل أعمال تبرع سابقاً لحملات هيلاري كلينتون وجو بايدن وجون كيري الرئاسية، قبل أن يتحول إلى سياسي جمهوري” (ص 105).
كما يقحم ترامب المسؤولين الدفاعيين والعسكريين في نقاشات سياسية، ويطلق تصاريح متناقضة بشأن ضرورة الحوار مع إيران وكوريا الشمالية، في أوقات، ثم ضرورة ضربهما عسكرياً، في أوقات أخرى، وكالبقاء في بعض الدول عسكرياً في بياناته ثم الانسحاب منها في بياناته الأخرى مما أثار سخط القادة الدفاعيين والعسكريين (ص 112).
كما أثار ترامب تشكيكاً في نزاهة القضاء والأوساط القضائية والعدلية، فكان يهدد المدعي العام السابق جيف سيشونز لأنه لا ينفذ بعض سياساته، ومنها مقاضاة خصمته هيلاري كلينتون وزوجها، ويسرّب المعلومات لاكتشاف “الخونة” في إدارته وبين مساعديه وناقلي الأخبار للصحافة، بما في ذلك تشكيكه بالخبراء الصحيين النزهاء.
في الفصل الرابع، يشير المؤلف إلى ان مواجهات ترامب مع قادة الأجهزة الأمنية، وطرده بعضهم من مناصبهم، أثارت جواً من التشكيك لدى تلك الأجهزة المخولة نشر الاستقرار، فصار رجال ونساء “مكتب التحقيق الفدرالي” و”وكالة الاستخبارات المركزية” و”وكالة الأمن القومي” يخشون القيام بمهماتهم على أكمل وجه خوفاً من الإقصاء بقرارات رئاسية. كما تعامل ترامب بطريقة طائشة مع المعلومات الأمنية الأمريكية السرية وأفشى أسراراً خطيرة للصحافة عن المراقبة الأمريكية للبرنامج الصاروخي الإيراني بواسطة القمر الصناعي الأمريكي (ص 136 ـ 137).
ما يهم ترامب، حسب المؤلف هو أن يكون مسؤولو المخابرات مخلصين له أكثر من كتم الأسرار وعدم الكشف المعلني عن المعلومات السرية، فهو يريد من الوكالات الأمنية إطلاعه على المعلومات ولكنه لا يحتفظ بسريتها، وهذا الأمر يشكل تهديداً للبلد، وخصوصاً عندما يقرر طرد قادة هذه الوكالات إذا لم يقدموا له المعلومات التي يريدها (ص 138).
ويشير الكاتب أن ثائرة ترامب ثارت في كانون الثاني (يناير) 2019 عندما أدلى مدراء “وكالة الاستخبارات المركزية” و”وكالة الأمن القومي” والاستخبارات الدفاعية بشهاداتهم أمام الكونغرس وقدّموا تحذيرات تتعارض مع وجهة نظر الرئيس بشأن كوريا الشمالية وتخليها عن أسلحتها النووية، حتى انه فكّر في رفع دعاوى ضد بعضهم وإرسالهم إلى السجن (ص 140). ولم يسبق أن وجّه رئيس أمريكي (حسب قول الكاتب) انتقادات لمسؤولين أمنيين ولأركان قيادات الدولة العميقة كما فعل ترامب.
وحاول ترامب في أكثر من مناسبة تجاهل الكونغرس، خصوصاً عندما لم يحصل على موافقته على صفقته الضخمة لبيع الأسلحة للسعودية والإمارات التي عقدها بسرعة، وذلك بالرغم من أن الدستور يلزم الرئيس تقديم إخطار مدته ثلاثون يوماً إلى الكونغرس قبل أن يمضي في بيع الأسلحة، مما يتيح للكونغرس وقف هذه المبيعات إذا لم يعتقد انها مناسبة (ص 152). وكان ترامب يعلم بوجود معارضة من كلا الحزبين للتسرع في عقد وابرام مثل هذه الصفقات، ولكنه تذرع واستند إلى وجود حال طوارئ، وأرسل الصفقة إلى الكونغرس في الدقيقة الأخيرة، ومضى فيها، مع انه لم تكن هناك أي حالة طارئة، ومع أنه (في رأي الكاتب) ليس من مهام البيت الأبيض أن يقرر ما يجب على الكونغرس مراقبته (ص 154).
واستخدم ويستخدم ترامب نفوذه لمحاربة ولايات أمريكية حكامها وقياداتها من الحزب الديمقراطي، ويحاول تأخير معاملاتها المالية وإعفاءاتها الضرائبية وكأنه حوّل حكومة الولايات المتحدة إلى إحدى شركاته العقارية الخاصة الساعية إلى صفقات مشبوهة (ص 156 ـ 158).
وفي الفصل الخامس بعنوان “ضعف أمام الأقوياء” يقول الكاتب إن ترامب ينأى بنفسه عن أصدقاء أمريكا بينما يغازل خصومها ويتجاهل مشورة مخضرمي وزارة الخارجية ويبدل آراءه ومواقفه بحسب تقييمه الخاص، ولا أحد يعرف ما يدور في رأسه وفي تغريداته المتناقضة التي تثير المشاكل في أمريكا والعالم في كثير من الأحيان (ص 163 ـ 166).
كما سخر ويسخر ترامب من تعامل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مع زعماء العالم وخصوصاً زعماء دول أمريكا اللاتينية والعالم الإسلامي بينما حسب قول الكاتب: “وجد الرئيس ترامب صعوبة كبيرة لانتقاد وإدانة جريمة النظام السعودي في تشرين الأول (أكتوبر) 2018 في قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي على أيدي شلة من القتلة السعوديين في تركيا قائلاً انه لا يتهم حلفاءه بالتحريض على هذه الجريمة لأن سعر برميل النفط سيرتفع كثيراً (ص 169)”. كما تذرع صهر الرئيس جاريد كوشنر بضرورة عدم إطلاق الأحكام ضد السعودية في هذا المجال “بسبب خطورة جيرانها” مما اعتبر تبريراً لقتل الصحافيين.
كما أصبح ترامب مفتوناً بزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون بعدما كان أحد خصومه الرئيسيين وذلك برغم نصائح وزارة الخارجية بعدم التعامل المباشر وبعدم اللقاء معه في وقت سابق لآوانه (ص 175).
كما سخر من حلفاء أمريكا، علناً وخلف الأبواب، وقد فعل ذلك إزاء انغيلا ميركل، وجاستن ترودو وايمانويل ماكرون وتيريزا ماي فيما حاول معاونوه ترطيب تصريحاته الساخرة.
ويتهم الكاتب الشلة المحيطة بترامب والتي ما زالت تدافع عنه سياسياً وقضائياً وإعلامياً بان دوافعها مادية وأن كثيرين من أعضائها يسعون إلى المال والاستمرار في المناصب وترامب يرشيهم ويخيفهم في الوقت عينه ليبقوا صامتين، ولكنهم سيندمون في النهاية على تخاذلهم (ص 227 ـ 229).
بيد أن الكاتب ينبه بان إزاحة الرئيس ترامب من منصبه بالقوة قد تؤدي إلى نزول كثيرين من أنصاره إلى الشوارع وإلى حرب أهلية في البلد. ولكن بقاء الديمقراطية في أمريكا ليس محتوماً إذا بقي ترامب في منصبه.
مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب: “تحذير”
شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، لبنان 2020
264 صفحة.