بحكم طبيعة الشعر نفسها المنسوجة بألسنة نار المغايرة والتساؤل والكشف، وبحكم طبيعتهم كذلك، لا يستطيع الشعراء المبدعون إلا أن يكونوا أبناء لغة المستقبل، وأن يجترحوا ثماراً للأمل على أغصان اليأس، ويشحذوا ما امتلكوا من لغة متجدّدة، وثقافة إنسانية عميقة، وتحدٍّ وعنادٍ وإصرارٍ على توليد الحياة من قلب الموت. كما لا يستطيعون وهو الأهمّ إلا أن يشهروا أسلحة ضوء العلم التي تكشف أسرار الواقع وانزياحاته الافتراضية المذهلة، من أجل مساعدة الإنسان على هزيمة أوهامه التي تضافرت في خلقها ذاتُه وذوات الآخرين، وهزيمةِ خوفه؛ حتى لو وقفوا عاجزين على أطلال الماضي، وعطّلتهم قوى ممانعة الحلم، ومحدوديّة قدرة الجسد، وهموم الأمراض.
الشاعر المصري محمود قرني في مجموعته الجديدة «مسامرات في الحياة الثانية»، بحكم طبيعة الشعر والشعراء المبدعين، وتجربته الشعرية الثرية، ومساعدة جرأته في التركيب، يُدخل في قصائده الممسوحة بزيت الملحميّة عناصرَ جديدة يستخلصها من ثقافة العلم، وتتفاعل بنجاح مع جذورها، لصنع قصيدةٍ شجريةٍ متداخلةِ الأوراق برؤى المستقبل. هكذا يفعل في قصيدته الطويلة الرابعة في هذه المجموعة: «عن زرافةٍ جميلةٍ يُمْكِنُك أنْ تطلبَها للزواج»، التي تجري بطاقة متضادات أحلام المضطهَدين بالحرية، وعقلية المستعمر الذي خلق واقعاً يكرّر نفسه بمن يستأجر، ويظنّ أنه لن ينتهي بما امتلك لتغذيته من علم، حيث: «قطعني الرجل قائلاً:/ لك الحلمُ ولنا الحقيقة/ أنتم تعرفون التاريخ/ لكنّ غيركم من اكتشف قانون الحركة في الزمن/ النضالُ في تلك الساحات يبدو كزئيرٍ في كوبٍ فارغ/ لذلك فإن القشرة المتمدنة من هذا العالم ليست هنا/ والحضارة ليست ميراثاً جينياً/ هذا ما يقوله علماء ما بعد التاريخ/ أما علماء ما بعد الإنسان/ فيذهبون بعيداً/ حيث يمكن للتكنولوجيا أن تنجب زرافة جميلةً/ سوف تروق لرجل ما فيطلبها للزواج».
في مسامراته التي تخترق حدود الزمن إلى أيام الأجداد بأشرعة قصيدة نثرٍ لا تخشى لُحى الحَسَبَة التي استحالت «خناجر في خاصرة الثورة»، ولا لعنة الفراعنة، بفتحها «كتاب الموتى» على حياةٍ مغايرةٍ لوعود كهنة الأوهام؛ يقود قرني قارئه بلطف لا يخلو من نخز المخيلة، بمهاميز الأزهار؛ في دهاليز التفكر بالموت والحياة والأمل، فاتحاً له أبواب عشر قصائد نثرٍ طويلة يصعب إدماجها للحديث عنها بالمجمل من دون تفاصيل تخص كل قصيدة بذاتها. وهو ما دأب عليه قرني في منح القصيدة شخصيةً، تجري غزالةً تتخطّى مجازها إلى عيون الأنثى التي تشبهها للغزل.
في المجمل يعيش القارئ أسلوب قرني الثريّ في تركيب قصيدته المتداخل بعمق مع التاريخ والثقافة الإنسانية، مع تفاعل الموافقة والمخالفة، ووضع هوامش تغني عالم القصيدة، وتفتح آفاق تفاعلات جديدة للقارئ داخلها وخارجها. كما يعيش أسلوب قرني في تركيب جملته الشعرية بتشابك بسيط، يستدعي عالم الكتابة الآلية، مع الغرابة والإدهاش؛ ويعيش كذلك أسلوب الحكاية في قصيدة النثر بطبيعةٍ ملحميةٍ، يتشابك فيها التاريخ مع الحاضر، بآمال المستقبل، من غير حياد، ضد الظلم، وبانحياز إلى حقوق الإنسان من غير مواربة، مع الحفاظ على فنية القصيدة، والنبض بأسلوب خاص به في سخرية قصيدة النثر.
وفي تفاصيل شخصيات القصائد، بتكوينها كبنية: يفتح قرني لقارئه أبواب عشر قصائد نثر يخفّف طولَها تقسيم بعضها إلى أرقام تصل إلى 11 رقماً في قصيدة «تفاؤل» التي تنهج أسلوب إدهاش قصيدة اللقطة، في أجزائها ضمن وحدتها العامة. وتقسيم بعضها إلى أجزاء بعناوين كما في قصيدة الزرافة، المقسمة إلى جزأين: القاهرة 1882، والقاهرة 2011. وكما في قصيدة «مسامرات في الحياة الثانية» التي يمثل عنوانُها المجموعة، بتقسيمها إلى ثلاث مسامرات. ويُتبع قرني ذلك بهوامش تضيف إثراء للقصائد وتفاعلاً مع مضامينها.
في التفاصيل يفتتح قرني تكوينه المعشّر بثراء الحداثة والثقافة والعلم ومعاناة تجارب مواجهة احتمالات الموت، بقصيدة تعريفٍ لقصيدة النثر، يتضمن إشكالاتها لدى الشعراء والنقاد المعارضين لها كونها: «قصيدة خرساء» وفق أحمد عبد المعطي حجازي و«جنس كتابي خنثى» وفق عزّ الدين المناصرة (في الهامش)، والقراء. ويُتبع ذلك بـ:
ـــ «زَغْرُودَة مِنْ أجْل الحِكِمْدَار»: يبلور فيها شخصيةَ أمّه، كمثال عن النساء تحت تسلّط الذكورية، وشخصية الشاعر فيه من خلال علاقة الأمومة المقدّسة، ولا يأتِ عبثاً كشفُ طبيعة المجتمع الذكوري من خلال حديثه عن استبدال صحيح البخاري، مع الإدهاش في أنه يهاتف أمه التي ماتت كما لو أنها حيّة: «أقول لها: إنني معتلٌّ يا أمي/ تقول لي:/ عندما منحني الله اسمكَ ورسمكَ/ لم ينتقص من أعضائك شيئاً/ حماقاتُك أفسدتْ ما أصلحتْه السماء/ أقول لها:/ لعلّها الصفقة الخاسرة/ التي عقدتها مع شيطان/ يسكن جلباب بائع الكتب القديمة/ عندما استبدلت بـ «صحيح البخاري»/ عشرةَ أعدادٍ من مجلّة تضج بتصاوير النساء».
ـــ قصيدة كوفيد 19 أو»عَطْسَةُ القِيامة»: بأسلوب سخرية قصيدة النثر، عن الشاعر وحيداً أمام تهديد عين الموت، وطقوس الدين، بتلقين نُطق الشهادتين حيث: «عائلتي بعيدةٌ جداً/ وأنا لا أستطيع العودة إلى بلادي/ لكنّي لا أهتمّ/ وأقول: ما الفرق بين الموت هنا والموت هناك؟!/ كل ما في الأمر أنني ربما لا أجد هنا من يلقّنني الشهادتين/ لكنني أيضاً لا أهتمّ/ وأقول: لا حاجة لي بهما/ فقد نطقتُهما مرات ومرات».
ـــ «عن زرافةٍ جميلةٍ يُمْكِنُك أنْ تطلبَها للزواج! بجزئيها: القاهرة 1882، حول سحق ثورة عرابي من قبل الإنكليز، وسرقة حسبة مصر لفقرائها، تحت نار الحرب والمجاعة. والقاهرة 2011 إبان الثورة المصرية، كمرآة حاضرة عن الماضي.
ـــ تَفاؤُل: بـ 11 قصيدة نثر تومض بإدهاش اللقطة، تحت عنوان محوري عام، في ظل معاناة الشاعر لمرض كبده:
«تحت المطر
الذي لا يملكه أحد
أسير منتشياً ورافعاً رأسي
أمرحُ مع رجالٍ حمقى
تحت الرذاذ
نصدح بأغان عن العدالة
ردّدتْها قبلنا الأسماك
في شباك الصيادين
واثقين أن المياه
سوف تغمر أخاديدَ الصحراء
وغداً ستنبت فيها السنبلات
ليأكل الغني
وكذلك يأكل الفقير».
ـــ أمْجَد ناصر/ عَشرةُ أبوابٍ للسعادة: بثلاثة أجزاء، يرسم بها قرني ملامح من طبيعة وحياة زميله في جريدة «القدس العربي»، الشاعر الأردني الراحل أمجد ناصر، الذي وافاه الموت بعد صراع مع مرض عضال، ودخلَ تاريخ الشعر بجدارة، ولكنْ ليس من دون معاناة الخذلان حيث: «كم هو جائر يا رفيقي/ أن تتساقط أسنانُك على عتبة المشفى/ فتقذفها بيديك في وجه غيوم لندن/ لكن لا بأس…/ فلم يعد لديك أعداء تحتاج إلى قضمهم/ القصيدةُ التي غرسْتَها في الحديقة/ أزهرتْ/ لكنّ العواصم لا تستقيم لخطواتك/ الماركسيّون القدامى في عمّان/ يبادلونك الأسى/ لكنهم لا يؤمنون بحكمتك».
ـــ «زارا» في صُورَةٍ أخَوية مع الموت: باستخلاص شعريّ لفلسفة زرادشت في الموت، وفق «نيتشه»، بكتابه الذي أنار العقل الإنساني «هكذا تكلّم زرادشت»، باقترابٍ من معالجة الموت بحكمة الاحتمالات، حيث: «هذا عقابنا الأبديّ القاسي/ ومهما كان العقاب/ فإنه لا يمحو ألمَ الضحيّة/ أما أنا فأدرك أن الكَرْمة/ التي قطعتُ فروعها بقسوة/ تقول لي: أيّها السيد/ أفنيتَ عمرَك في بلوغ الكمال/ فتذكّر دائماً/ أن «كلّ شيءٍ طلَبَ الكمال/ فقدْ طلَبَ الموت».
ـــ «مُسامَراتٌ في الحياةِ الثانية»، بمقارباتِ تصوّر الشاعر لموته مع «كتاب الموتى» الفرعوني، والجبل الغربي كمكان لدفن الموتى بالنسبة للفراعنة. وبثلاث مسامرات تجري في أولاها تحت عنوان «موت بطل الروايات الناقصة»، معارضةُ الشاعر لفلسفة «كتاب الموتى» في الحياة الثانية، وتجْلِيَة فلسفته للموت. وفي الثانية، تحت عنوان «جمهورية البلهارسيا»، تجْليَةُ تفكير المرضى على باب المصير بالموت والقيامة والحياة. وفي الثالثة، تحت عنوان «غواية الغرباء»، إقامةُ حواريةٍ بين الشاعر وجسده الذي فارقه بعد خذلانه له: «ربما لذلك غادرتُ جسدي منذ سنين/ لأن هناك من أوهمه/ بأنه الشرطيّ المكلّف بتأديبي/ من يومها وأنا أكره السُّلْطة/ وتنتابني الحمّى/ كلّما مرّ شرطيّ أمام بيتي/ ليس لأنني رجلُ شِقاق/ ولدته أمّه وسط قنابل الدخان/ لكنْ لأنني أحبّ العشب/ الذي ينمو بين المتناقضات».
ـــ سُتْرَةُ الشاعر: عن برتولد بريخت وموته الحافل بالأسى في منفاه الذي كتب فيه مطلع قصيدته «خواطر عن المنفى»: «لا تدقّ مسمارا في حائطٍ، إلق بسترتك على الكرسي، لماذا تحمل همّ أيام أربعةٍ؟ غدا ستعود إلى وطنك»، ولكنْ: «بَعدَ سنواتٍ عِدَّة/ وجدوا سُترةَ الشاعرِ ساكِنَةً لازالت/ على حافةِ الكُرسي/ حيث كانتْ زائراتُ حدیقته/ یجْتَمِعْنَ صبیحةَ أیامِ الآحاد/ لِیَملأنَ سُترَته بالورود/ ویقْذِفْنَ بها من زيورخ/ إلى مقابرِ بِرلینَ الشرقية/ وھنَّ یُرَدِّدْنَ/: هذه لرُوح إنسانٍ مرّ مِن هنا/ اسمه برتولد بريخت.»
ـــ «ترجمان الأشواق»: ختامُ المجموعة بقصيدةٍ عن حكاية الحبّ، تستلهمُ ديوان شعر محي الدين ابن عربي بذات العنوان، وختامُ هذه القراءة التي تردّد لقطة القرني حول الأمل: «رِجالُ السِّجن/ یخلعون أظافرَ مُعْتَقَلِيهم/ بِخَلَّاعةِ المسامير/ لكنّ ذلك لن یَردَعَ ابتسامةً/ على فَمِ طفلٍ صغير.»
محمود قرني:
«مسامرات في الحياة الثانية»
دار الأدهم للنشر والتوزيع: القاهرة 2022
132 صفحة.