في محاولة لربط الأحداث الدرامية التي عرضها مسلسل «الاختيار» في الموسم الرمضاني العام الماضي بما يُستجد على مستوى المواجهات الدائرة بين القوات المُسلحة المصرية والعناصر الإرهابية في تنظيم «داعش» جرت عملية الكتابة لمسلسل «الكتيبة 101» ليكون استكمالاً لما تم طرحة على مدار عامين متتاليين، ووفق الخُطة الإنتاجية والإبداعية ظهرت الرؤية الأخرى للصراع الدائر بين القوتين المُتصارعتين على خلفية إنسانية أكثر منها قتالية، وربما أدى ذلك إلى وجود تباينات حقيقية بين المُسلسلين المذكورين.. «الاختيار» سابقاً و»الكتيبة 101» حاليا.
لقد حافظ الكاتب إياد صالح على الخطوط العريضة للمحتوى الدرامي حتى لا تتوه الفكرة الرئيسية، لكنه اعتنى في الوقت نفسه بالجانب الإنساني والتحليلي للشخصيات والأبطال من الجانبين في دلالة واضحة للبحث عن عمق المشكلة وجذورها، والرغبة في الوصول إلى إفادة موضوعية وواقعية عن أسباب التطرف والعنف لدى العناصر المُتشددة في خصومتها مع المُجتمع المدني والدولة القائمة. كذلك اتسعت زاوية الرؤية في حلقات «الكتيبة 101» لتكشف عن مبدأ الحماية والاستقرار الذي تنطلق منه القوة الرسمية المُتمثلة في الجيش والشرطة للدفاع عن مُقدرات الشعب، وأمن المواطنين وهذا هو التطور الملحوظ في آلية وأسلوب الكتابة بوعي جديد ومُختلف كما لو كانت الأحداث المُتناولة هي محض تلخيص لقضية اجتماعية لها بعض الأبعاد السياسية. وقد نجح المخرج محمد سلامة في بلورة ما استهدفه المؤلف بالفعل، في ضوء المُتغير الجديد للمُعالجة، حيث تقلصت مشاهد العنف والتفجير والقتل والمواجهات الدامية إلى الحد الأدنى، كما أن الإيقاع العام للمُسلسل اتسم أيضاً بالهدوء النسبي، فأكد على عدم الرغبة في التصعيد الدامي، تعبيراً عن الطمأنينة وابتعاد الخطر بشكل كبير والاقتراب من مستوى الأمان الكامل في المناطق التي كانت تُمثل بؤراً واسعة للقتال والعنف.
كما أن الحالة الفنية والتصويرية للأحداث تأثرت بشكل كبير بميزانية الإنتاج الاقتصادية هذا العام، إذ تم الاستغناء عن المُعدات الحربية الثقيلة كالدبابات والطيارات في مشاهد كثيرة واقتصر الأمر في تصوير المعارك الضرورية والحتمية على استخدام الأسلحة التقليدية الخفيفة وعربات النقل الصغيرة ذات الدفع الرباعي، وقليل من الذخيرة لزوم الإقناع والمصداقية إلى حد ما. من هنا ظهرت الفوارق الشكلية بين العملين الكبيرين «الكتيبة 101» و»الاختيار» فتحولت أنظار المُشاهدين من مُتابعة القتلى والجرحى من الطرفين إلى التركيز في ما هو أبعد من ذلك، حيث الانتباه إلى المضمون الحقيقي لإشكالية العنف وأسبابها وعواقبها، فضلاً عن تتبع مصائر الشخصيات ما بين قتيل ومُصاب والالتفات إلى مساوئ التناحر وأثرها على الأهل والأقارب وهو ما يُعد رصداً واقعياً لما تعانيه أسر الشهداء والمُصابين جراء الكوارث التي يواجهونها بصبر واحتساب ورضا بقضاء الله وقدرة. وعلى مستوى الأداء التمثيلي اختفت أعراض الانفعال الزائد تقريباً من جانب الأبطال والشخصيات الثانوية، فبدت تصرفاتهم منطقية ومُتسقة مع الحالة الدرامية العامة، إضافة إلى تضمين قصة الحُب بين عمرو يوسف وطبيبة المُستشفى العام التي يتلقى فيها العلاج، هذا المُنحنى لم يتم اختلاقه من جانب المؤلف ولم يُفعله المخرج صدفة داخل الأحداث، لكن جاء التضمين الرومانسي الإنساني مُسوغاً لتنامي المشاعر الإيجابية الطبيعية للضابط، كونه بني آدم من لحم ودم وليس مجرد آلة للحرب والقتال، ولعل علاقته القوية بأمه ومحاولة استرضائها بشكل دائم تم تأسيسها أيضاً لتُفيد المعنى ذاته. ولو لاحظنا تفاصيل دور آسر ياسين كضابط منوط به التخطيط والمُتابعة والتدارس، سنجدها تصب في الاتجاه نفسه، فالأداء هادئ ورصين وردود الأفعال مُتزنة وفي محلها تماماً، وهي إمكانية تُحسب للممثل لقدرته على التحكم الدقيق في ما يتصل بانفعالات الشخصية داخل الإطار المرسوم لها بالضبط، وهو ما نجح فيه آسر بشكل واضح.
وفي درجة الإتقان والتقمص نفسها، استطاع فتحي عبد الوهاب استيعاب الشخصية التي يؤديها بمُنتهى الحساسية فهو الطبيب، أو «الحكيم» وفق تسميته الدرامية، حيث ينتمي للتيار المُتطرف التكفيري ويتعامل مع الطرف المُضاد بعدوانية شديدة وذكاء حاد، ويضمر له الشر، رغم الهدوء الظاهر في ملامحه وشخصيته وهي الثنائية الصعبة في الدور المُركب والمحوري.
المُسلسل إجمالاً يختلف اختلافاً بيناً في وقائعه وأحداثه عن سابقيه من الأجزاء الأخرى التي دُشنت لها الدعاية لتُصبح نموذجاً للدراما التسجيلية التي توثق للعمليات الإرهابية، من وجهة نظر جهة الإنتاج، غير أن ما يُميز مُسلسل «الكتيبة 101» هو المجال الأوسع للرؤية غير الأحادية وشمولية الصورة الدرامية في كل أبعادها.
كاتب مصري