الأسير وليد دقة. والصورة من وسائل التواصل الاجتماعي
الناصرة- “القدس العربي”: يواجه الأسير الفلسطيني وليد دقّة تهديداً مباشراً على حياته جراء تدهّور حالته الصحية، بعد بقائه نحو أربعة عقود خلف القضبان، وإصابته قبل شهور بالسرطان، وحرمانه من العلاج الصحي الملائم.
وليد هو الأبرز، والأكثر جرأةً وموضوعيةً في وصفه حال وواقع السجون الإسرائيلية عبر كتاباته الكثيرة ومقالاته المتنوعة، ومنها مسرحية «الزمن الموازي»، ورسائله المهربة.
تستعيد مؤسسة الدراسات الفلسطينية مسيرة دقّة، الذي لم يبق سوى عدة شهور لانتهاء مدة محكوميته، هو الأسير المخضرم، والمثقف، وابن مدينة باقة الغربية داخل أراضي 48، في تحقيق موسّع تستذكر ما قاله ضمن مسرحيته “الزمن الموازي”، وقال فيها إنه «ليس هناك أشد وأقسى من أن يعيش الإنسان إحساساً بالقهر والعذاب دون أن يكون قادراً على وصفه وتحديد سببه ومصدره، إنه الشعور بالعجز وفقدان الكرامة الإنسانية عندما يجتمع اللايقين بالقهر، فيبدو لك بأنه ليس العالم وحده قد تخلى عنك، وإنما لغتك قد خانتْك من أن تصف عذابك وأن تعرفه، أو حتى أن تقول آخ.. آخ مفهومة ومدركة من قبل الآخر الحر».
وتوضح مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن وليد دقة لم يكن يعاني أمراضاً خطِرة، حين خطّ تلك الكلمات في معالجته ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تعذيب ممنهج ومدروس، ولم يكن مصاباً بالسرطان حين وصف السجن بالمكان السيئ، وبأنه أحقر اختراع صنعتْه الإنسانية لمعاقبة الإنسان. وتضيف: «لكن وليد كان يعاني ألماً جماعياً، سبق أن عانتْه أجيالٌ فلسطينية عدة، فتميّزَ من غيره في إعادة تعريف التعذيب ورصد أساليبه المتطورة وتسليط الضوء على تفاصيله في كتابه “صهر الوعي”».
وطبقاً لتحقيق “المؤسسة” برز الأسير وليد دقة على مدار سنوات أسْرِه الطويلة كمناضل سياسي وكاتب متميز ومثقف ومفكر وقائد محنّك ومؤثر، ويُعتبر أحد أبرز مفكري ومثقفي الحركة الأسيرة، وواحداً من أبرز الأسرى الذين أبدعوا في كتاباتهم عن الحالة الفلسطينية. مستذكرة ما قاله في أحد لقاءاته عن “الانقسام”: «لا أبالغ إن قلت إنه، ورغم أن مَن يغلق عليّ باب الزنزانة هو سجّان إسرائيلي، لكن الذي يصنع له مزيداً من الأقفال هو الانقسام الفلسطيني. تأمل المسألة جيداً، فهذه ليست بلاغة لغوية، وإنما هي حقيقة يجب أن نصرخ بها في وجه مَن ضلوا الطريق نحو الحرية». مرجحة أن وليد هو الأبرز على الإطلاق، والأكثر جرأةً وموضوعيةً، في وصفه حال وواقع السجون والمعتقلات الإسرائيلية عبر كتاباته الكثيرة ومقالاته المتنوعة، ومنها مقالة/ مسرحية «الزمن الموازي»، ورسائله المهربة من خلف القضبان، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والروايات، منها «يوميات المقاومة في جنين»، «صهر الوعي»، وروايتان لليافعين، وهما: «حكاية سر الزيت»، و«حكاية سر السيف»، أما حكاية «سر الطيف» فهي مخطوطة مسرحية.
وتنبّه أن الأسير المفكر وليد دقة، ورغم سنوات السجن الطويلة والمرض الخبيث الذي أنهك جسده، فإن عقله ظل حراً، وبقي ملتصقاً بقضايا شعبه ورفاقه الأسرى، وما زال يكتب سرّ حكاية الآلاف من الأسرى الفلسطينيين الذين عانوا المرض والإهمال الطبي، والجرائم الطبية المتعمدة، وتعرضوا للقتل البطيء.
وتتابع المؤسسة في تحقيقها: «لئن عانى الأسرى الفلسطينيون، من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، جرّاء الاعتقال وظروف الاحتجاز وسوء المعاملة؛ فلقد عانت هذه الشريحة من الأسرى الفلسطينيين، من فلسطين المحتلة في سنة 1948، جرّاء سوء المعاملة والتمييز العنصري المضاعف؛ وبذا فقد دفعوا ثمناً باهظاً لهويتهم، جرّاء هذا الازدواج القسري للجنسية، وفي المقابل، أبدوا تشبثاً بالهوية والتصاقاً دائماً بالقضية الفلسطينية، وإصراراً على الحياة بكرامة، وناضلوا باستمرار لانتزاع حقوقهم المدنية والسياسية، ولعل يوم الأرض أحد الشواهد العديدة».
في 2018، أصدرت المحكمة المركزية الإسرائيلية قراراً يضيف سنتين إلى حُكم الأسير وليد دقة، بادّعاء ضلوعه في إدخال هواتف نقالة للأسرى، ما يعني تمديد الإفراج عنه إلى سنة 2025.
ويشير التحقيق إلى أن السلطات الإسرائيلية، وبالإضافة لاعتقال منفذي عمليات من فلسطينيي الداخل، اعتقلت الآلاف منهم بحجة الإخلال بالأمن العام، وعدم الالتزام بالقوانين الإسرائيلية، وهكذا نشأ مصطلح «أسرى الداخل»، وأصبحنا نرى معنا في السجون الإسرائيلية شباناً ورجالاً ونساء من الفلسطينيين الذين وُلدوا بعد النكبة، وينتسبون إلى حيفا ويافا واللد والناصرة وعكا والطيرة وعارة وعرعرة وباقة الغربية، وأم الفحم.. وغيرها من الأسماء المنقوشة عميقاً، ومنذ وقت مبكر في الذاكرة الجمعية الفلسطينية. ويضيف التحقيق: «هكذا حفظنا أسماء الشهداء منهم، ورددت الألسن، بفخر وعزة، أسماء آخرين كثر، شكلوا نماذج مشرقة للحركة الوطنية الأسيرة في كافة المراحل والأزمنة. وبرز من بينهم القائد والمفكر وليد دقة».
وُلد وليد نمر أسعد دقة في 18 تموز/ يوليو 1961، لأسرة فلسطينية تتكون من ستة أشقاء وثلاث شقيقات، وتسكن في مدينة باقة الغربية. تعلّمَ وليد في مدارس البلدة، وانتقل إلى العمل في إحدى محطات تسويق المحروقات. وفي 25 آذار/ مارس 1986، اعتقلته سلطات الاحتلال بتهمة الانتماء إلى «الجبهـة الشعبـيـة لتحـرير فلسـطين»، وانتسابه إلى خلية فدائية عملتْ بهدف تحرير أسرى فلسطينيين، بالإضافة إلى حيازة أسلحة ومتفجرات بطريقة غير قانونية (بحسب التصنيف الإسرائيلي)، واتهامه بالقيام بأعمال فدائية داخل الخط الأخضر. حُكم عليه بالسجن المؤبد (مدى الحياة) في البداية، ولاحقاً، سنة 2012، تم تحديده بالسجن 37 عاماً، أمضاها كاملة. ولكن في سنة 2018، أصدرت المحكمة المركزية الإسرائيلية في بئر السبع قراراً يقضي بإضافة سنتين إضافيتين إلى حُكم الأسير وليد دقة، بادّعاء ضلوعه في إدخال هواتف نقالة للأسرى، وهو ما يعني تمديد الإفراج عنه إلى سنة 2025.
تعرّضَ وليد خلال فترة سجنه لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، ولأشكال كثيرة من القهر والحرمان والتمييز العنصري، وتنقّلَ خلال سنوات سجنه الطويلة بين جدران سجون متعددة. إلا أنه، ورغم كل ذلك، شكّل ندّاً للسجّان، وبقي مناضلاً عنيداً وصلباً، وأسيراً كان على الدوام نموذجاً لمن عايشوه في السجون، ولرفاقه في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ولكل الفلسطينيين والأحرار في العالم أجمع.
هكذا هم، يقتلون الفلسطينيين الطلقاء بالرصاص والأسرى العزّل بالأمراض وسياسة الإهمال الطبي المتعمد.
كما يوضح التحقيق أن وليد دقة واصلَ تعليمه وزيادة معارفه العلمية، فأنهى دراسته الجامعية في السجن، وحصل على درجة الماجستير في الديمقراطية السياسية، من خلال الانتساب عن بُعد إلى الجامعة العبرية المفتوحة، كأحد إنجازات إضراب 1992، وقبل أن توقفه إدارة السجون، ولكن الوعي والتأثير الفكري، كما يقول وليد، تصنعه أطر أوسع من الجامعة، أو المدرسة والأسرة. كذلك يوضح أنه لم يتوقف نشاطه على القراءة والكتابة، ولم يكتفِ بدور المثقف وتثقيف الآخرين ونقل التجربة إلى المحيط، وإنما تعدى الأمر ذلك، وساهمَ معرفياً في فهم تجربة السجن ومقاومتها، ويشارك إخوانه ورفاقه في تفاصيل الحياة اليومية ونسج علاقات وطنية صادقة مع الجميع، وشارك في كافة أشكال المواجهة مع السجّان، بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام، ذوداً عن كرامة الأسرى، ودفاعاً عن حقوقهم، وتمسّكاً بإنجازات الحركة الأسيرة ومكتسباتها.
وينبّه إلى أنه نظراً إلى دوره اللافت وحضوره المؤثر وثقافته المتميزة والكاريزما العالية التي يتمتع بها، فإنه ظلّ في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، إذ أقدمت إدارة السجون على عزله مرات عديدة في زنزانة انفرادية، في محاولة يائسة لكسر إرادته والتأثير السلبي فيه، والحدّ من تأثيره الإيجابي في الأسرى الآخرين.
ويتابع: «قاوم وليد كل أشكال القهر والحرمان، وأفشلَ مخططات الاحتلال التي أرادت النيل من عزيمته والحد من تأثيره، لا بل استطاع تسجيل انتصارات عديدة على مدار سنوات أسره الطويلة، وهو ما دفع الاحتلال إلى محاربته بالمرض، فهكذا هم، يقتلون الفلسطينيين الطلقاء بالرصاص والأسرى العزّل بالأمراض وسياسة الإهمال الطبي المتعمد، وهنا لا أستبعد تعمّد الاحتلال إصابة الأسرى بالسرطانات والأمراض الخطِرة، والشواهد عديدة».
كما يستذكر تحقيق مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن الأسير وليد دقة ظهر في الآونة الأخيرة منهكاً ومتعباً، ولم يعد قادراً على الكلام مع زوجته بسهولة، أو مخاطبة ابنته “ميلاد” من دون عناء، أو حتى كتابة بضع كلمات لترجمة ما يجول في خاطره وفي ذاكرته، وقد بات بحاجة إلى مساعدة ملحّة كي يتجاوز محنة المرض، فلم تعد قوة الإرادة التي يتمتع بها أبو ميلاد وحدها كافية لمواجهة مرض السرطان. وقد أعلن في سنة 2015 إصابته بسرطان الدم (اللوكيميا)، وفي 18 كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، تم تشخيص إصابته بمرض التليف النقوي، وهو سرطان نادر يصيب نخاع العظم، ويحتاج إلى زراعة نخاع في ظروف مناسبة.
كانت سناء على يقين بأنها ستنتظر خطيبها طويلاً، قبل أن يصبح زوجاً لها، ثم والداً لابنتها ميلاد التي أنجبتها في 3 شباط/ فبراير 2020، بعد أن نجحَ وليد في تهريب نطفة.
وفي 12 نيسان/ أبريل الجاري، وإثر فحوصات جديدة، بعد تدهور وضعه الصحي، خضع لعملية جراحية لاستئصال جزء من الرئة اليمنى، وفقاً لبيان صدر عن عائلته وحملة إطلاق سراحه. وبات الأسير وليد دقة يتنفس بصعوبة، وفي وضع صحي صعب ومقلق للغاية جرّاء التدهور الخطِر الذي طرأ على صحته في الآونة الأخيرة.
وتختتم مؤسسة الدراسات بالقول: «وما دمنا نتحدث عن وليد دقة، فلا بد من أن نشيد بصبر أمّه الحاجة فريدة وصمودها، ونضال زوجته سناء سلامة وثباتها، تلك المناضلة التي تَعرّفَ إليها في سنة 1996، عندما زارتْه في سجنه لتكتب عن الأسرى ومعاناتهم، كونها كانت تكتب في صحيفة «الصبار» التي تصدر في مدينة يافا، وعقدا قرانهما في 10 آب/ أغسطس 1999، وقد تقدّما بطلب، وأصرّا على عقد القران في السجن، وفعلاً تحقق ذلك، وشكّلَ سابقة هي الأولى والوحيدة في تاريخ الحركة الأسيرة».
كانت سناء على يقين بأنها ستنتظر خطيبها طويلاً، قبل أن يصبح زوجاً لها، ثم والداً لابنتها ميلاد التي أنجبتها في 3 شباط/ فبراير 2020، بعد أن نجحَ وليد في تهريب نطفة، وتجسيد الفكرة التي آمن بها منذ تسعينيات القرن الماضي ودافع عنها وناضل طويلاً من أجل تحقيقها.
ولقد اختير اسم ميلاد تحقيقاً لرسالة مؤثرة كتبَها الأسير وليد دقة داخل سجنه في سنة 2011، في الذكرى الخامسة والعشرين لاعتقاله، عبّرَ فيها عن حلمه بأن يكون أباً، وهذا نصها:
«أكتبُ لطفل لم يولد بعد، أكتب لفكرة أو حلم بات يرهب السجّان دون قصد أو علم، وقبل أن يتحقق. أكتبُ لأي طفل كان أو طفلة.. أكتبُ لابني الذي لم يأتِ إلى الحياة بعد.. أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسميه/ نسميها، وهكذا أريد للمستقبل أن يعرفنا.
عزيزي ميلاد؛
اليوم، أنهي عامي الخامس والعشرين في السجن، تسعة آلاف ومئة وواحد وثلاثون يوماً وربع (9131)، إنه الرقم الذي لا ينتهي عند حد، إنه عمري الاعتقالي الذي لم ينتهِ بعد، وها أنا قد بلغت الخمسين، وعمري قد انتصف بين السجن والحياة، والأيام قد قبضت على عنق الأيام، كل يوم أمضيته في السجن يقلب “شقيقه” الذي أمضيته في الحياة، ككيس يحاول إفراغ ما تبقى به من ذاكرة، فالسجن كالنار يتغذى على حطام الذاكرة، وذاكرتي، يا مهجة القلب، غدت هشيماً وجَفَّ عودُها، أهرّبها مدونةً على ورق حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان. أما أنت، فأنت أجمل تهريب لذاكرتي. أنت رسالتي للمستقبل بعد أن امتصّت الشهورُ رحيق أخوتها الشهور، والسنين تناصفت مع أخواتها السنين. أتحسبني يا عزيزي قد جننت؟ أكتب لمخلوق لم يولد بعد؟ أيهما الجنون، دولة نووية تحارب طفلاً لم يولد بعد فتحسبه خطراً أمنياً، ويغدو حاضراً في تقاريرها الاستخبارية ومرافعاتها القضائية، أم أن أحلم بطفل؟
دقة: السجن كالنار يتغذّى على حطام الذاكرة، وذاكرتي، يا مهجة القلب، غدتْ هشيماً وجَفَّ عودُها، أهرّبها مدونةً على ورق حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان.
أيهما الجنون، أن أكتب رسالة لحلم أم أن يصبح الحلم ملفاً في المخابرات؟
أنت يا عزيزي تملك الآن ملفاً أمنياً في أرشيف الشاباك الإسرائيلي، فما رأيك؟
هل أكفُّ عن حلمي؟
سأظل أحلم رغم مرارة الواقع.
وسأبحث عن معنى للحياة رغم ما فقدته منها.
هم ينبشون قبور الأجداد بحثاً عن أصالة موهومة.
ونحن نبحث عن مستقبل أفضل للأحفاد، لا شكّ آت.
سلام ميلاد.. سلام عزيزي».