القاهرة ـ «القدس العربي»: تواصل الجدل في مصر بشأن إقدام الأجهزة التنفيذية على إزالة عدد من المقابر التاريخية وسط القاهرة، حيث وقعت مشادات بين عدد من المعماريين المصريين الرافضين لإزالة مقابر القاهرة التاريخية، والقائمين على تصميم محاور القاهرة وتوسيع طرق العاصمة المصرية.
وحصل ذلك خلال ندوة عقدتها مكتبة القاهرة الكبرى بعنوان «العمارة الجنائزية في مصر المعاصرة» مساء السبت، على هامش معرض الصور واللوحات «العمارة الجنائزية لمصر المعاصرة – جبّانات القاهرة التاريخية» الذي تنظمه المكتبة، ويستمر حتى الثاني والعشرين من الشهر الجاري.
وكشفت الأكاديمية جليلة القاضي، أستاذة التخطيط العمراني المتفرغة في جامعات فرنسا، وأحد مؤسسي حملة وقف إزالة مقابر القاهرة التاريخية، أن الندوة شهدت حضورا كبيرا، لدرجة أن الكثيرين لم يتمكنوا من دخول القاعة بسبب الزحام.
وأضافت: أظهرنا بجلاء أهمية الجبانات وقيمتها كتراث يجب الحفاظ عليه وليس استباحته بهذا الشكل وتحدثنا عن الكنوز التي تحتويها المنطقة وأن أي شخص يخطط لإزالتها أو تبديدها لا بد أن يكون مريضا.
وتابعت: المهندس هاني الفقي صاحب مشروع نسف مصر تحدث بكل صفاقة وفخر يقول أنا صاحب كباري مصر الجديدة وأنا من خططت لإنشاء كباري الفردوس والفنجري، وأنا الذي سأخطط لمعظم الكباري في الجبانات.
وشهدت الندوة حضور نخبة من المعماريين والمصورين المعارضين لمخططات إزالة الجبانات لما تحمله من قيم «تاريخية، روحانية، اجتماعية، وحضارية».
المعماري حسام اسماعيل قال إن على المعماريين الاهتمام بالمنطقة ككل وتسجيلها كتراث حضاري، وعدم المساس بها ولا بالمناطق السكنية المحيطة بها، ومحاولة تقديم عدد من الحلول البديلة للاستمرار في التوسع بالطرق مع الحفاظ على الجبانات.
دلالة على الهوية
كما بينت المهندسة علياء ناصر في كلمتها خلال الندوة، أن الجبانات كانت بمثابة دلالة على الهوية، وإن اختفت اختفى أثر ووجود من بداخلها، وأنه على الرغم من وجود معظم تلك الشواهد وأحواشها لمدة زمنية تجاوزت الـ 100عام، إلا أن المسجل منها «كأثر مصري» عدد محدود، الأمر الذي يبيح هدم باقي الجبانات، تحت وطأة المنفعة العامة.
وتحدث معماريون رافضون لإزالة المقابر، خلال الندوة، عن أهمية المحافظة على مناطق الجبانات التي تحمل جثامين عدد من أولياء الله الصالحين، وتحتوي على معمار فني فريد من نوعه.
وبيّن المهندس هاني الفقي المسؤول عن إقامة الكباري وتخطيط محاور القاهرة أنه لن يتم هدم أي من الآثار المسجلة، مؤكدا على ضرورة تطوير المنطقة وهدم العشوائيات، الأمر الذي أثار غضب بعض من الحضور.
ويقسّم المعماريون عمارة الموتى في مصر إلى حقبتين: الأولى تشمل الحضارة القديمة التي ارتبطت القبور فيها بالمعابد وتميّزت باستخدام الحجر في بنائها منذ عهد الأسرة الثانية، وشهدت تطوراً كبيراً تجسد باكتمال الشكل الهرمي كما يظهر في جميع المواقع الأثرية، بينما تمثّل الثانية المقابر الحديثة التي تعرف بضخامتها وتوزّعها على مجموعة من الحجرات الداخلية، إلا أنه جرى التخلي نهائياً عن الشكل الهرمي فيها.
خلال ندوة على هامش معرض صور يوثق الجبانات القديمة في العاصمة المصرية
ويضم المعرض مجموعة متنوعة من اللوحات الفنية والتصوير الفوتوغرافي لتوثيق جبانات القاهرة التاريخية. ويوثّق بعض الصور القرافتين الصغرى والكبرى، وهما امتداد عمراني متشعب من المدافن الممتدة من شرق القاهرة الحديثة إلى سفح القلعتين، حيث تقع المقابر المعروفة الآن بمقابر السيدة نفيسة، ومقابر السيدة عائشة وتفريعاتها، وهذه المقابر المعروفة في وثائق التراث العالمية باسم مدينة الموتى، مسجلة بكاملها على قائمة التراث العالمي، ويعود تاريخها إلى نهايات القرن السادس الميلادي.
خطر الإزالة
ويواجه العديد من هذه المقابر التاريخية خطر إزالتها ضمن خطط حكومية لتوسعة مرورية جديدة في القاهرة، ما دعا مجموعة من أساتذة العمارة في كليات الهندسة والفنون الجميلة في بعض الجامعات المصرية، وبعض الشخصيات العامة، إلى إطلاق حملة تستهدف وقف عمليات الإزالة.
وتتضمن خطو لإنشاء كوبري جديد في منطقة مقابر الإمام الشافعي، إزالة مجموعة من المدافن، بينها مقبرة الملكة فريدة زوجة الملك فاروق الأولى، وبعض مقابر الأسرة العلوية التي حكمت مصر حتى منتصف القرن الماضي، إضافة لمدفن عائلة محمد راتب باشا، سردار «الجهادية» الجيش المصري سابقا، في عهد إسماعيل باشا، ومدفن قاسم باشا رسمي محافظ مصر سابقًا، ومقبرة أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم والشيخ المقرئ محمد رفعت، وغيرهم من أعلام مصر. ومن بين المقابر المهددة بالإزالة مقبرة صاحب أعظم مشروع معماري عمراني في مصر الحديثة، ورائد التعليم في مصر، ومؤسس المنظومة التعليمية الرسمية الأولى، علي باشا مبارك، الذي لم يسلم من إزالة مدفنه ضمن التطوير، حيث كشف الكاتب المهتم بالتراث ميشيل حنا، عن دخول مقبرة علي مبارك ضمن خطة الإزالة.
ونشرت مجموعة إنقاذ جبانات القاهرة التاريخية على «فيسبوك» التي تضم عددا من الأثريين والمهتمين بتاريخ القاهرة، المخطط الكامل لإنشاء عدد من الطرق السريعة التي من المفترض أن تخترق الجبانات، وستؤدي إلى تغيير شكل الشوارع واختراع ميادين أو جزر من الآثار تتنافى مع تشكيل المدينة القديمة.
كما تعرض عدد من مقابر المماليك وأقدم جبانة إسلامية في مصر، والتي تحتل موقعا متميزا وسط العاصمة للإزالة.
وكانت مقابر المماليك تسمى قديما بـ«صحراء العباسية» إذ وقع اختيار المماليك عليها لتكون مضمارا لسباقات الخيل، وفي النصف الأول من القرن الثامن الهجري بدأ ملوك مصر وأمراؤها بإنشاء المساجد والخوانق بهذه المنطقة وألحقوا بها مدافن لهم.
وقرافة المماليك، الواقعة ناحية الشرق بجوار طــريق صــلاح سالم، مثلت أول محاولة لإعمــار الصحراء في العصر المملـوكي، فقد حاول أمراء وسلاطين الممالــيك البحـــرية أن يقوموا بإعمار المنطــقة عن طريق إنشاء مقابر لهم هناك، بالإضافة إلى المساجد الصغيرة، وقويت هذه المحاولات في العصر المملوكي الجركسي، خصوصا في عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق، عندما قام بإنشاء خانقاه له.