مشاريع قوانين معطّلة وتعثّر الإصلاح: معضلات الحياة السياسية تؤرق التونسيين

روعة قاسم
حجم الخط
0

وعد عدد من المترشحين لعضوية مجلس النواب التونسي الحالي بالتسريع في المصادقة على عديد مشاريع القوانين المعطلة وخصوصا ذات الصبغة الاقتصادية التي يعيق تأخرها التنمية.

تونس ـ «القدس العربي»: يهتم عموم التونسيين بالأزمة المعيشية الحادة التي تستفحل يوما بعد يوم، بينما لا تزال فئة من النخبة تطالب بالإصلاح السياسي، وتنتقد الانحرافات الحاصلة في الحياة السياسية، وهي عديدة، لكن أهمها حسب البعض، هو عدم الرضا على الأداء البرلماني والحكومي إلى حد الآن، والتأخير في تشكيل المحكمة الدستورية العليا التي تسبب غيابها في تردي الوضع الحقوقي، بالإضافة إلى الاستشارة التربوية المزمع القيام بها من أجل إصلاح التعليم والتي تلقى ردود أفعال مختلفة.

فقد وعد عدد كبير من المترشحين لعضوية مجلس النواب التونسي الحالي خلال حملاتهم الانتخابية بالتسريع في المصادقة على عديد مشاريع القوانين المعطلة وخصوصا القوانين ذات الصبغة الاقتصادية التي يعيق تأخرها التنمية في البلاد على غرار قانون الصرف. ومضت أشهر على انتخاب المجلس النيابي ونال عدد من أصحاب الوعود عضوبة البرلمان، ولم تقع المصادقة على أي من هذه القوانين، ودخل المجلس في عطلة برلمانية وبقيت دار لقمان على حالها رغم أن هناك من وعد حتى بالتنازل عن العطلة لأن وضع البلاد لا يحتمل.
لقد تحدث بعض المترشحين بما مفاده أن هذا المجلس النيابي سيكون مختلفا عن سابقه، ليس فقط من حيث غياب السب والشتم والتشابك بالأيدي أمام شاشات العالم، بل من حيث النجاعة وسرعة سن القوانين. لكن وإلى حد الآن لم يشاهد التونسيون ما من شأنه أن يدعم تلك الوعود التي قيلت في الحملات الانتخابية خاصة وان البرلمان هو من لون واحد ولا توجد فيه كتل متضادة بإمكانها أن تعرقل بعضها البعض مثلما كان عليه الحال مع البرلمانات السابقة.
ويتساءل كثير من التونسيين عن السبب الكامن وراء عدم تشكيل المحكمة الدستورية العليا إلى حد الآن باعتبار أن هذه المحكمة هي قطب الرحى في النظام السياسي الجديد مثلما كانت في النظام السابق مع دستور سنة 2014 الذي تم إيقاف العمل به. فالتلكؤ في تشكيل هذه المحكمة كان ميزة منظومة العشرية السابقة وها هو يتكرر مع المنظومة الجديدة وكأن هناك رغبة ماضيا وحاضرا بعدم تشكيل هذه المؤسسة الدستورية التي تم حصر تركيبتها المفترضة في القضاة وتم إقصاء المحامين وأساتذة القانون منها بمقتضى الدستور الجديد.
فمن المفروض أن التجربة الصعبة التي عاشها التونسيون بعد رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي، والتي لولا ارتفاع مستوى الوعي لذهب البلد معها إلى المجهول، تجعل الفريق الحاكم حريصا على استقرار الخضراء ويُسارع إلى تشكيل المحكمة الدستورية العليا. فهذه المحكمة المنشودة هي الجهة الوحيدة المخولة في ذلك الوقت لمعاينة حالة الشغور في قصر قرطاج بسبب الوفاة، وذلك حتى يتسلم رئيس مجلس النواب مؤقتا صلاحيات رئيس الجمهورية، لكن المحكمة التي غيبها الصراع بين القوى السياسية لم تتشكل ولم تُعاين حالة الشغور، وتسلم محمد الناصر رئيس البرلمان مهام رئيس الجمهورية باتفاق القوى السياسية تجنبا للفراغ والفوضى.
ويؤكد البعض أن محكمة دستورية عليا دون تعديل دستوري يجعلها قادرة على محاسبة السلطة التنفيذية في حال إخلالها بواجباتها تجاه الوطن، لا فائدة ترجى منها، وأن نظاما رئاسيا ديمقراطيا دون هذه الآلية هو نظام رئاسوي. وبالتالي وجب، حسب هؤلاء، إجراء تعديل دستوري تتوسع بموجبه صلاحيات المحكمة الدستورية العليا ليجوز الحديث عن نظام رئاسي ديمقراطي على شاكلة النظام الأمريكي، وإلى حد ما الفرنسي.

دستورية القوانين

كما أن القوانين تسنّ في تونس، ومنذ سنوات، دون وجود رقابة عليها والتأكد من دستوريتها وخصوصا القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات، وهي مهمة المحكمة الدستورية العليا التي لم تتشكل بعد. وبالتالي فإن أي جهة تقوم بالتشريع، سواء البرلمان أو رئيس الجمهورية بمقتضى المراسيم، بإمكانه أن يستبد ويصدر ما يشاء من القوانين الظالمة المخالفة للدستور من دون أن يجد رقيبا أو حسيبا يردعه.
وتوجد بالفعل قوانين تتعارض مع الدستور تمت صياغتها على عجل من قبل السلطة التشريعية، وفي غيابها، أي قبل انتخابها، تمت صياغة مراسيم رئاسية يرى كثير من أساتذة القانون والحقوقيين أنها بحاجة إلى مراجعة لتعارضها مع الدستور. ولا يقتصر الأمر على المنظومة الحالية، فحتى في ظل حكم المنظومة السابقة تم سن قوانين تتعارض مع الدستور بالرغم من أنه قد وُجدت هيئة وقتية لمراقبة دستورية القوانين سيطر عليها طيف سياسي بعينه، لكن الأمور عموما كانت أفضل مما هي عليه الآن فيما يتعلق بهذا المجال، أي مراقبة دستورية القوانين.
ومن المسائل الهامة التي تُطرح اليوم في تونس مسألة الإصلاح التربوي الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة وجمع من أجله الوزارات المعنية للانطلاق في استشارة حول هذا الإصلاح شبيهة بالاستشارة الإلكترونية التي حصلت قبل كتابة الدستور الجديد للبلاد. إذ يساند البعض هذا التمشي باعتبار الحالة المتردية التي وصل إليها التعليم في تونس، البلد الذي راهن على التعليم منذ فجر الاستقلال مراهنة جدية وخصص له ثلث ميزانيته، وباعتبار أن اشراك الأولياء والتلاميذ أمر محمود، حسب هؤلاء، سيمكن من التعرف على وجهات النظر المتعددة لأكثر المعنيين بهذا الإصلاح.
ولئن اتفق البعض الآخر على ضرورة القيام بإصلاح تربوي شامل يطال مختلف مراحل التعليم، أي على الفكرة من حيث المبدأ، إلا أنهم يعترضون على الطريقة التي سيتم من خلالها هذا الإصلاح وهي استشارة القاصي والداني في شأن يحتاج إلى أهل الاختصاص دون سواهم. ومن الأسئلة التي يطرحها هؤلاء، هل يستطيع رجل الشارع العادي أن يقيم البرامج التعليمية مثلا؟ وماذا يجب أن يُحذف منها وماذا يجب أن يُضاف إليها وكيف يمكن إيصالها إلى التلميذ ليتلقاها بشكل جيد؟ أليس رجال التربية والتعليم والمختصون في البيداغوجيا وعلم نفس الأطفال والمطلعون على التجارب المقارنة وغيرهم هم الأولى باستشارتهم؟
ولعل ما يجعل البعض لا يتحمسون كثيرا لمثل هكذا استشارات أنه خلال الاستشارة السابقة المتعلقة بالدستور وشكل النظام السياسي لم يقع الأخذ بكل ما جاء فيها عند الكتابة الفعلية للدستور، وبدا للبعض أنها كانت استشارة شكلية ولمجرد الاستئناس لا غير. وبالتالي ستبين نسبة المشاركة في هذه الاستشارة الجديدة مدى ثقة التونسيين في هذا التمشي من عدمه خاصة وأن الوضعين الاقتصادي والاجتماعي سيكون لهما تأثير كبير في ظل عدم شعور المواطن التونسي بأي تغيير على مستوى المعيشة منذ 25 تموز/يوليو 2021 إلى اليوم.

جهود إصلاحية سابقة

وفي هذا الإطار يرى الكاتب والسياسي والباحث الأكاديمي في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن أي إصلاح سواء أكان تربويا أو غيره بحاجة إلى أهل الاختصاص لاستشارتهم، ولا يمكن أن يُدلي فيه أي كان بدلوه. والإصلاح التربوي، الذي كان مطلب الجميع في تونس باعتبار أن مدرسة دولة الاستقلال التي نجحت في زمن ما قد تجاوزتها الأحداث والمتغيرات وأصبحت بحاجة إلى إصلاح شامل، يجب أن يتم، حسب محدثنا، بالاستئناس بآراء أهل الاختصاص دون سواهم نظرا لحساسية هذا الموضوع وعلاقاته بمستقبل البلاد مع الأجيال القادمة. ويتساءل الحاجي بالقول: «هل يمكن مثلا لطبيب أو محام أو حرفي أو مهندس أو فلاح أو عامل بناء أو غيره أن يحدد ماذا يجب أن يدرس الطفل التونسي في المدرسة وماذا يجب أن يُحذف من البرامج التعليمية؟» ويضيف «إذا كان الأمر كذلك فلنُشرك المعلمين وأساتذة التعليم الثانوي والعالي أيضا في استشارات فلاحية أو طبية على سبيل المثال، ويصبح أي كان بإمكانه في هذا البلد الحديث في أي شيء وكل شيء، ورجال التعليم معنيون أيضا بالمجالين الصحي والفلاحي إذا اعتبرنا أن كل الناس معنيون بالإصلاح التربوي ووجب تشريكهم».
ويؤكد محدثنا على أن هناك استشارات تربوية تهدف إلى إصلاح التعليم حصلت من قبل بعض الجهات الجمعياتية والحقوقية في وقت سابق، وبالشراكة بين الجهات الرسمية في الدولة والمجتمع المدني، وهي جاهزة ويمكن الاستئناس بها عوض إضاعة الوقت والجهد والمال في استشارات جديدة ومع غير المختصين في المجال التربوي. إن الميزة الإيجابية الوحيدة للاستشارة الإلكترونية المفتوحة للجميع، حسب الكاتب والباحث التونسي، هي شعور بعض المواطنين بأنهم شركاء في صياغة قرار مصيري يتعلق بمستقبل الأجيال القادمة حتى وإن لم يقع الأخذ بآرائهم وتوجهاتهم ولم يتم حتى مجرد الاستئناس بها لاحقا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية