تونس – “القدس العربي”: تعتبر مدينة مصراتة ثالث أكبر وأهم المدن الليبية بعد العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي وذلك من حيث عدد السكان وأيضا من حيث الثقل التاريخي والسياسي. لكنها فقدت اليوم الكثير من بريقها وتبدو في حاجة إلى لملمة جراحها من خلال مصالحة شاملة بين جميع أبنائها باعتبارها شهدت فصولا مأساوية من العنف والعنف المضاد أثناء عملية الإطاحة بالقذافي وبعدها.
تقع مصراتة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، أي في شمال ليبيا وتحديدا غرب خليج سرت وشرق العاصمة طرابلس التي تبعد عنها قرابة مئتي كيلومتر. يقطنها مع زليتن وبني وليد اللذين يقعان في محيطها ويحسبان عليها تاريخيا وجغرافيا وسياسيا أكثر من نصف مليون ساكن من أصول قبلية مختلفة.
ولهذه المدينة مكانة خاصة في قلوب التونسيين، فمنها يتحدر جد الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي يروى أن عائلته جاءت من هناك حيث كان الليبيون يذهبون إلى العمل في تونس قبل اكتشاف البترول. واستقر بعض أبناء العائلة في مدينة جرجيس جنوب تونس فيما استقر الباقون في حومة (حي) الطرابلسية في مدينة المنستير العتيقة حيث ولد الحبيب بورقيبة، وفيها دفن وهو الذي درس وعاش في العاصمة تونس.
منبع الحضارة البونية
أسس الفينيقيون مصراتة مع نهاية الألف الأولى قبل الميلاد تحت مسمى ثوباكتس وكانت مرفأ تجاريا على غرار بقية المرافئ التي أسسوها في الحوض الغربي الجنوبي للمتوسط واستقروا فيها لاحقا. وألحقت ثوباكتس وعلى غرار المدن الفينيقية بقرطاج التي صارت مركز الثقل ومركز الدولة الجديدة ومنبع الحضارة البونية أو البونيقية (انصهار حضارة الفينيقيين وكنعانيي بلاد الشام مع أمازيغ الشمال الافريقي).
لقد كانت المدن الفينيقية في ساحل بلاد الشام تتعرض لهجمات الآشوريين في بلاد الرافدين وكذا الفرس، ما اضطرها إلى التفكير في نقل ثرواتها الطائلة المتأتية من التجارة البحرية إلى مستوطناتها في شمال افريقيا خاصة وأن الإغريق بدأوا في التفكير بالتوجه غربا في ربوع البحر الأبيض المتوسط. فكان لزاما اختيار مدينة لتكون هي المركز تتبعها باقي المدن والمرافئ الفينيقية وتدين لها بالولاء، فوقع الإختيار على قرطاج التي كانت الأكثر نموا وازدهارا وألحقت مصراتة بها وسرعان ما استقلت الدولة القرطاجية الجديدة بذاتها وأحكمت السيطرة على مدنها وأصبحت حامية للفينيقيين في شرق المتوسط تذود عنهم هجمات الفرس.
وعندما سقطت قرطاج بعد قرون من المجد خضعت مصراتة إلى الرومان الذين أصبحوا أسياد المتوسط بامتياز وأعادوا تنظيم المنطقة مستفيدين من الموروث القرطاجي البونيقي في شتى المجالات. وبعد طرد الرومان من قبل الوندال نجح البيزنطيون في القسطنطينية في إلحاق إرث الإمبراطورية الرومانية في شمال افريقيا بهم بعد أن طردوا الوندال وعمروا في مصراتة إلى حين قدوم العرب الفاتحين حاملين راية الإسلام من الفسطاط في مصر في القرن السابع الميلادي.
وخضعت المدينة لاحقا لحكمي بني أمية وبني العباس ثم الفاطميين بعواصمهم الثلاث أي المهدية القيروان والقاهرة. ومرت القبائل الهلالية والسليمية بمصراتة في طريقها لتخريب القيروان وسلب ونهب شمال افريقيا بعد أن أرسلها الخليفة الفاطمي الذي استقر في القاهرة لتأديب الصنهاجيين في القيروان الذي خرجوا عن حكمه واستقلوا بدولتهم.
موقع المدينة الاستراتيجي
ومع بروز الإمبراطورية العثمانية توجهت الإنكشارية غربا، نحو السواحل الجنوبية للمتوسط في عهد السلطان سليم الأول وتواصل الأمر مع نجله سليمان القانوني وحفيده سليم الثاني. وبات الساحل الليبي عثمانيا وألحقت مصراتة بإيالة طرابلس وبقيت قرونا على هذا الحال إلى حين قدوم الإستعمار الإيطالي الذي أطبق على شمال ليبيا.
احتلت القوات الإيطالية الغازية مصراتة بالنظر لموقعها الساحلي الإستراتيجي المطل على البحر وعلى خليج سرت وبالنظر لأهميتها بالنسبة للباب العالي والأسرة القرمنلية ولموقعها الإستراتيجي وتمركز فيها قياديون من المقاومة وكانت مسرحا لمعارك عديدة أهمها معركة شهداء الرميلة ومعركة رأس الطوبة وارتكب فيها الاحتلال مجزرة شنيعة.
عمليات التنقيب
وجرت في المدينة عمليات للتنقيب عن الآثار تم اثرها اكتشاف مبان وجدران قديمة تعود للعهود الفينيقية والبونية القرطاجية والرومانية ولعل أهم هذه المعالم ما يعرف بأسوار ثوباكتس القديمة. كما تم اكتشاف معالم أثرية أخرى مثل الحمامات الرومانية، ويذكر المؤرخون انها تعود إلى محطة الميناء القديم “كيفالاي برومنتوريوم القديمة”. كما تم اكتشاف أيضا بعض العملات القديمة والمصنوعات الفخارية، إضافة إلى مقبرة أثرية تحتوي على أثاث جنائزي يعود للعهدين الروماني والبونيقي (القرطاجي) في منطقة السكت التي تعتبر من أقدم المناطق الاستيطانية السكنية في العالم.
واهتم عدد كبير من المنقبين عن الآثار بتاريخ مصراتة، وفي تسعينيات القرن الماضي تم الكشف عن اثار قصور رومانية تقع في منطقة شط الحمام إضافة إلى لوحات فسيفسائية وأوان فخارية وأعمدة رخامية تعود إلى القرن الثاني الميلادي وتقع تحديدا في منطقة قصر أحمد.
وأكثر المعالم الغامضة في مصراتة هو نفق طويل تم اكتشافه في سنة 2004 طوله يزيد عـن 37 مترا وعـرضه 150 سم وارتفاع سقفه ما بين 150 و 120سم. ويذكر المؤرخون انه يعود لأحد المقابر الرومانية القديمة.
معالم هامة
تضم مدينة مصراتة العديد من المعالم الأثرية الهامة كما تتميز بوجود حزام من الكثبان الرملية التي تزيد عليها رونقة وجمالا خاصا، فلهذه الميدنة سحر خاص إذ يحدها البحر من واجهتين لذلك سميت بذات الشاطئين لتوغل اليابسة داخل البحر في منطقتي الزروق وقصر أحمد. ولقد ورد ذكرها في القرن الرابع قبل الميلاد في الوثائق المسماة أطول المسافات في البحر الكبيرّ تحت اسم “كيفالاي برومنتوريوم” وذكرت فيها منطقة قصر أحمد وقد وصفها الجغرافي سترابو في القرن الأول الميلادي بأنها رأس شامخة مغطاة بالغابات وتشكل خليجا كبيرا.
قصر أحمد
ومن ضمن المناطق المهمة في مدينة مصراتة، منطقة قصر أحمد التي استخدمها الغزاة الإيطاليون في معاركهم التي دارت حول القصر. ومن المعالم الأثرية الهامة أيضا ما يعرف باسم “منارة الزروق” التي أسسها الشيخ العلامة أحمد زروق منذ أكثر من 400 سنة قادما من أقصى المغرب العربي. وتذكر العديد من المصادر أنّ الزروق قام بحركة تصحيحية لمسيرة التصوف التي كانت حصيلة سنوات من التعلم والسفر بين الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، وقد اختار مدينة مصراتة ليستقر فيها وتأسست باسمه ما يعرف بزاوية سيدي أحمد زروق البرنسي، وكان لهذا أثر كبير على الحياة العلمية والاجتماعية والتربوية على صعيد العالم الإسلامي.
وتحتوي الزاوية على مكتبة الشيخ أحمد زروق التي تعدّ من أقدم المكتبات في المنطقة، وتحظى باهتمام دولي حيث يرتادها الباحثون من دول عدة وهي تضم عددا من المخطوطات النادرة مثل: “صور المراتب وتكميل المراغب وفتح المواهب وكنز المطالب وجواهر الإكليل في نظم مختصر خليلوعدة المريد الصادق والوظيفة الزرّوقيوشرح الدقائق والحقائق للتلمساني شرح الوغليسية” وهي من الكتب الصوفية والدينية والعلمية النادرة في المنطقة.
ميدان النصر
ومن أبرز معالم مصراتة أيضا ميدان النصر والجامع العالي سارية العلم والنصب التذكاري وقوز التيك الذي أنشئ فوقه برج أصبح متنزها للعائلات وبات رمزا لمدينة مصراتة ويستخدم شعاره في كافة المؤسسات الإدارية والتعليمية. انشىء البرج فوق كثيب رملي ثابت يسمى قوز التيك الذي شهد أحداثا أليمة، إذ كان الايطاليون يصدرون فيه احكام الإعدام بحق المجاهدين والمناضلين الليبيين ضد الاستعمار. وتتكون قاعدة البرج من ثلاث طبقات تغطي القوز وفي الطبقة الثانية اقيم متحف الجهاد في المدينة. والجامع العالي أيضا يعد أحد أهم المعالم الدينية. ويقع المسجد في وسط المدينة ويعتبر أكبر مساجدها.
هذا التاريخ الحافل لمصراتة دفع بعض الرحالة إلى الكتابة عن معالمها الأثرية، وصدر مؤخرا كتاب “الغائب الحاضر مصراتة بعيون أنجلو مصراتية” بالتعاون مع جامعة مصراتة، ويوثق هذا الكتاب رحلة الرحال العلمي جيرالد بليك لمدينة مصراتة سنة 1966. ويضم عددا كبيرا من الصور النادرة التي يعود تاريخها إلى عام 1966 التقطها الرحال البريطاني بعدسته وهي صور لبعض المعالم الأثرية، وتعتبر الوثائق هامة للباحثين والمهتمين بتاريخ مصراتة مثل مساجدها وأسواقها القديمة.
ولا يزال أبناء مصراتة متمسكين بعاداتهم القديمة مثل صناعة الكليم والسجاد وقد تميزت بعض ضواحي مصراتة بهذه الصناعات التقليدية خاصة منطقة الغيران والزروق وزاوية المحجوب ويتم عرض هذه المنتوجات في السوق المسمى بـ “سوق اللفة”. كذلك تشتهر هذه الأحياء بصناعة المواد الخشبية التقليدية والأواني الفخارية باختلاف ألوانها. وتقام سنويا في مصراتة مهرجانات للأكلات الشعبية والمحلية التي تهدف أيضا للتعريف بأبرز الصناعات التقليدية في المدينة.
وتشتهر مصراتة بـ “البازين” وهي من أهم الأكلات الشعبية الرئيسية التي تطبخ في المناسبات المختلفة وتتكون في الأساس من دقيق الشعير. ويرتبط اعداده بطقوس خاصة تتوارثها الأسر جيلا بعد جيل، لذلك وصفه البعض بانه يختزل
قصة الوطن والمواطنين وان رائحته تحمل معها بعض الدفء العائلي والاجتماعي الذي افتقدته البلاد في أعقاب الحرب الدائرة دون توقف.
تراث عالمي مهدد
ارتبط اسم المدينة بثورة 17 شباط/فبراير، حيث تحولت إلى ساحة للقتال بين معارضي ومؤيدي النظام السابق. هذا الأمر أحدث دمارا هائلا في معالمها التاريخية وقد تم وضعها على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر. في هذا السياق تقول الباحثة والكاتبة الليبية سلمى شعيب لـ “القدس العربي” ان مصراتة كانت ضحية ثمان سنوات من الحرب وإلى الآن لا تزال آثار طلقات الرصاص ظاهرة للعيان على بعض معالمها الأثرية التي تحولت إلى إحدى ساحات الاشتباكات بين الجماعات المسلحة. وتتابع محدثتنا بالقول: “كل هذه الأحداث دفعت أبناء المدينة إلى إطلاق صيحة فزع وكذلك المهتمين بالآثار”.
وتوضح محدثتنا: “ان مسألة حماية آثار مصراتة من الاهمال والانهيار أخذت حيزا هاما من اهتمام الباحثين والنشطاء، وقد اقيمت خلال الأعوام الماضية عديد المؤتمرات التي تسعى للتعريف بآثار مصراتة وكيفية حمايتها، ولكن لا يزال العبث بآثارها متواصلا إلى الآن بسبب عدم الدراية بكيفية ترميمها بأفضل السبل العلمية الحديثة. واليوم آثار مصراتة في خطر مثلها مثل باقي الآثار في ليبيا التي دفعت ضريبة الحرب”.
ويبقى الحفاظ على المواقع الأثرية والموروث الحضاري في ليبيا السؤال الأهم الذي يؤرق مضاجع المهتمين بحماية تراث عالمي يشكل جزءا هاما من تاريخ المنطقة برمتها.