لا يعود السيسي في بصقته، فمن طرده من معسكره، لا يعيده أبداً، إلا في استثناءات قليلة، مثل عودة توفيق عكاشة، بدون قناة «الفراعين» وبدون أيضاً «همت يا بنتي» للرئيس السادات، أو «الأستاذة حياة» للسيد عكاشة!
وعندما نقرأ عن عودة عدد كبير من الإعلاميين إلى القنوات التلفزيونية التي ألت ملكيتها للأجهزة الأمنية، بعد أن تم تسريحهم بغير احسان، فهذا كاشف عن فشل المشروع الإعلامي للسيسي، وبالأحرى فشل مخططه في صناعة أذرعه الإعلامية بالشكل الذي يريد!
في الأسبوع الماضي، تم الإعلان عن عودة عدد من الإعلاميين ومقدمي البرامج التلفزيونية من بينهم أسامة كمال، وإبراهيم عيسى، وعماد أديب، ومجدي الجلاد، وخيري رمضان، ومعتز بالله عبد الفتاح، وكان الاستغناء عن خدماتهم أمراً طبيعياً توقعته في السنة الأولى من عمر الانقلاب العسكري، ليس لأنني حصلت على معلومات بذلك، من مصادر مطلعة، أو عليمة، أو وثيقة الصلة بالسيسي، ولكنه توقع من خلال قراءة لما بين السطور لفلسفة الحاكم العسكري بطبعته الجديدة!
فالسيسي يتحدث في تسريبات له عندما كان وزيراً للدفاع عن أهمية صناعة الأذرع الإعلامية، وكيف أنها عملية شاقة ولا تكون في يوم وليلة، في وقت كانت فيه هذه الأسماء وغيرها تقوم بحرب الإبادة ضد الرئيس محمد مرسي، وما أطلقت عليه «حملة استهياف الرئيس» وهو ما سهل من عملية الخروج عليه، ليسقط الحكم في حجر وزير الدفاع، مشتاقاً يسعى إلى مشتاق!
ورغم التأييد المطلق الذي منحه له هؤلاء، فإنه كان لا يتوقف عن الشكوى من الإعلام، إلى أن قال إن عبد الناصر كان محظوظاً بإعلامه، وإذا كان في الانتخابات الأولى له، سمح لعدد من «الجوقة الإعلامية» بإجراء مقابلات معه، وأسرف في ذلك، فإنه في الانتخابات التالية اقتصرت دعايته على لقاء تليفزيوني واحد، أجرته معه ساندرا نشأت، وهي من خارج المشهد، لأنها مجرد مخرجة سينمائية، لم يسبق لها العمل في التقديم التلفزيوني، وفيه قال ربما بدون مناسبة إنه لا يستوعب أن يقوم اعلامي بالحديث ساعتين أو ثلاث ساعات كل يوم.. فمن أين سيأتي بالكلام؟!
معايير الاختيار
يومئذ تنبأت بما هو قادم، وكتبت أنه سيسرح الإعلاميين الحاليين فعلا، وإن توقعت بأن أحمد موسى هو من سيستمر معه لفترة طويلة. فاختياره لمحاوره من خارج «الطاقم» الموجود، يؤكد تصوره عن ضرورة أن يكون له إعلاميون هو من يصنعهم، على أن يكونوا بدون مرجعية سياسية، وهذا نمط اختياره في كل من يحيط بحكمه، فهو يريد شخصيات باهتة، ثم إن الامتعاض الذي أبداه من فكرة برامج «التوك شو» القائمة، يكشف أن ما يستهويه هو ثقافة المعسكر، حيث النوم مبكراً والاستيقاظ مبكراً، وحيث السكون الكاشف عن عملية الضبط والربط، وربما كان النموذج المريح له، هو عندما كانت في مصر قناتان تليفزيونيتان، ينتهي ارسالها منتصف الليل، لمعاودة البث في فترة الظهيرة!
السيسي لا يشبه أحداً من الرؤساء العسكريين السابقين، فعبد الناصر والسادات، كانت تجربتهما العسكرية قصيرة، وكانت لهما احتكاكات قبل تولي الحكم في الحياة السياسية، ومبارك وإن كان قد ظل لفترة أطول في الحياة العسكرية فإنه من جيل يرى في التلفزيون وسيلة ترفيه، ولأنه أخذ من الحياة العسكرية الاستيقاظ مبكراً، فقد صنعوا برنامجاً خصيصاً من أجله وهو «صباح الخير يا مصر» وكما نُسب لأحد قيادة ماسبيرو في بداية البرنامج «لا يهمني سوى مشاهد واحد» فإنه وإن كان مؤكداً، أن السيسي لا يتسلى بالقراءة، كما كان عبد الناصر مثلاً، فإنه ليس ثابتاً عنه أنه ممن يجدون تسليتهم في مشاهدة التلفزيون أو الراديو، ولو بالاستماع لإذاعة القرآن الكريم، التي قرأت لمتابعين لها يشكون من تغير هويتها، ودخولها مجال التأييد السياسي الفج. ولا بأس فلا شيء على حاله في المحروسة، فكل المؤسسات أصابتها الخفة، التي هي لزوم المرحلة!
وفضلاً عن رغبته في شيوع ثقافة المعسكر في الحياة المصرية، فإنه لا يثق كثيراً في «الأبواق الإعلامية» وإن تقربت اليه بالنوافل، لأنهم ليسوا رجاله، فتمامهم بالمفهوم العسكري عند دول وجهات وأجهزة، وهو وإن صار المهيمن على كل الأجهزة بحكم منصبه، فإنه لا يثق إلا في من كان ولاؤهم بالكامل لجهاز المخابرات الحربية، ولأن هذا الجهاز كان بعيداً عن الحياة العامة في عهد «أبو علاء» حسني مبارك، فلم يكن لهم رجال في الأوساط السياسية والإعلامية، وغالبية إعلاميي «الأجهزة الأمنية» هم رجال مباحث أمن الدولة، وعدد أقل مع المخابرات العامة. ومنهم من تبعيتهم لرجال أعمال لديهم طموح سياسي، والسيسي يبحث عن الولاء الخالص له.
ثم إنه شاهد كثيراً منهم وهم يمارسون الخيانة لمبارك وزمانه وقد تقربوا إلى الثورة بالنوافل، حتى بدت لميس الحديدي وعمرو أديب وغيرهما كما لو كانوا هم شهداء الثورة ومصابوها، فكيف يجد أمانه معهم؟!
لقد سعى عبد الفتاح لصناعة كوادر جديدة لعهده والتخلص من كل ما هو قديم، متعدد الولاء وصاحب سوابق في الخيانة، شريطة أن يكون المختار بلا مرجعية سياسية أو ثقافية، إن شئت فهو يريد شخصية باهتة و»عساكر مراسلة».. انظر إلى الاختيارات في الحكومة، وفي مجلس النواب، وفي كل قطاعات الدولة، تستقم لك الأمور!
امتداد لمرحلة جمال مبارك
والحقيقة إنه لم يأت بفلسفته من الفراغ، فهو امتداد لمرحلة جمال مبارك، وقد قاموا بالسطو على مشروع نجل الرئيس الراحل، الذي كان يهدف إلى صناعة بديل باهت، يستولي به على الحزب الحاكم، بعيداً عن نفوذ الحرس القديم، وكان السطو كاملاً على انتاج هذه المرحلة، وقد قال أحد رجال السيسي إنه عندما جاء للحكم وجد برنامجاً للنهوض بمصر حتى سنة 2050، فهتف الصحافي أنور الهواري، هذا برنامج لجنة السياسات!
ولتقريب الصورة، فإن فلسفة السيسي في الاختيار يمكنك الوقوف عليها بتشكيل مجالس الصحافة والاعلام مؤخراً، ففي بلد توجد فيه مؤسسات صحافية كبرى، أقدم من الكثير من الدول، يتم اختيار مهندس مطابع، رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة صحافية، ولأول مرة في التاريخ، ثم يصبح هو المسؤول عن المؤسسات الصحافية القومية جميعها، ونائباً عن المالك الصوري وهو الشعب، وفي زمن انهار فيه توزيع الصحف فإن الطباعة تمثل الحلقة الأضعف في صناعة الصحافة، التي لا يعرف منها المهندس المختار سوى أسعار الورق، وأنواع أحبار الطباعة!
وفي بلد فيه سناء البيسي، وصلاح منتصر، وإبراهيم حجازي، وفاروق جويدة، ومحمد عبد اللاه، ومرسي عطالله، ويوسف القعيد، وحمدي رزق، وكلهم معه فلم أقل فهمي هويدي مثلاً، ومنهم من له سابقة في تولي المناصب العليا في الصحافة، أو العمل النقابي، فإنه يختار أسماء باهتة في الهيئات الإعلامية مثل سامية زين العابدين، وفاطمة سيد أحمد. ومع أن من المؤيدين له أسماء اعلاميين مثل درية شرف الدين، وايناس جوهر، وسناء منصور، وحمدي الكنيسي، وسلمى الشماع، ونيهال كمال، فيترك كل هؤلاء ويختار رانيا متولي، ونشأت الديهي، وعزة مصطفى!
ومن الواضح أن مشروع صناعة أذرع إعلامية قد فشل، ولهذا كان البديل هو «إعادة تدوير» من تم الاستغناء عن خدماتهم، ولم يجد السيسي أن فكرة حياة المعسكر قابلة للتنفيذ، مع وجود قنوات المعارضة في تركيا التي ذهب اليها الناس، ولأنها الحرب، فقد كانت دعوة قوات الاحتياط للعودة لحياة الجندية من جديد!ومن عجب أن من بين القوى الرافضة للانقلاب من تضييق ذرعاً بقنوات «مكملين» و»الشرق» ويتهمونها بالفشل، مع أنها تؤرق مضاجع القوم، حد الاضطرار إلى تدوير ما اعتبروه نفايات لزمن ولى.
لو نجح توفيق عكاشة بعد عودته، فسوف تنجح قوات الاحتياط المحمولة جواً في المهمة التي تم استدعاؤها لها.أرض- جو:بعد استضافته لمهندس البترول طارق حجي للهجوم على الأزهر، قال خالد أبو بكر: لا توجد مؤسسة فوق النقد. الحقيقة كل المؤسسات في مصر فوق النقد ما عدا الأزهر، وهذا الكلام لا يقال بعد أن كانت الكنيسة سبباً في مصادرة عدد من مجلة «روزاليوسف» ووقف رئيس تحريرها.
تبين أن الضريبة الأخيرة على السيارات ستذهب لاتحاد الإذاعة والتليفزيون. والحقيقة أن على من أفشل «ماسبيرو» بسوء الاختيار واختيار السوء تحمل ضريبة ذلك بدلاً من أن يتحملها الشعب.
إذاعة مسلسل «ساكن قصادي» وحلقات بعينها من برنامج «طارق حبيب» على قناة «ماسبيرو زمان» بعد أن عرضت منذ فترة قليلة كاشف عن عمليات النهب التي حدثت لتراث التلفزيون المصري لصالح قنوات خليجية بعينها، ولن يفتح تحقيق في ذلك أبداً، لأن حاميها حراميها.
أتابع الآن بمتعة كبيرة مسلسل «الوتد» على «ماسبيرو زمان» لم أكن شاهدته في العرض الأول قبل ربع قرن. المسلسل قصة وسيناريو وحوار خيري شلبي. يا له من عمل رائع.
صحافي من مصر