من الممكن ان يتعامل البعض مع من يقول لا أشاهد برنامج باسم يوسف، ولكن أدافع عن حقه فى عرض برنامجه كجزء من حريه التعبير، بنفس التشكيك وصيغه النقد التي يتعامل بها البعض مع مقولة لست إخوانيا، ولكن أرفض العنف ضدهم. ومن الممكن ان يتم رفض او قبول هذا الاقتراب نفسه حسب الموقف من البرنامج وصاحبه، باعتبار ان كل ما يخص الإخوان بالنسبة للبعض في مصر أصبح خارج إطار ما هو وطني، وبالتالي لا يفترض مقارنة الحديث عن الإخوان بالحديث عن أي طرف اخر الا اذا وضع في نفس الدائرة. وفي جوهر تلك الكلمات التي تتردد بصور مختلفة جزء من ازمة مصر، التي تم التعبير عنها في مشهد المحكمة في مسرحية عادل امام الشهيرة ‘شاهد ما شفش حاجه’ عندما يطالبه القاضي بالتحديد والاختيار بين الأبيض والأسود رافضا اللون الرمادي كما قال. فالمطلوب ان يظل العالم أبيض وأسود لأن محدودية الألوان تعبير عن محدودية الخيارات ومحدودية القدرة على التفكير خارج الصندوق. وبالتالي إما ان تكون إخوانيا او وطنيا، أن تقف ضد بعض السياسات الحالية أو تقف مع الوطن، وإما ان ترفض العنف أو ان تكون مع الإرهاب، وإما ان تحب باسم او تكرهه، ولا يسمح بأن تكون في مساحة وسطى ما بين الأبيض والأسود، لأنها مساحة خارج الصندوق. والمثير ان تلك الثنائية الضيقة في تصنيف العالم والبشر جزء من مشكلتنا، وجزء من مطالبنا أيضاً عندما نتعامل مع من يربط العرب أو الإسلام أو دول محدده بالعنف والإرهاب.. ألا نردد دوما ان الإسلام غير ناسه، وان الجزء لا يعبر بالضرورة عن الكل.. فلماذا ندافع عن ضرورة النظر خارج الصندوق، في الوقت الذي نتمسك فيه بقدسية الصندوق والأطر المغلقة في الداخل؟ مجرد سؤال على هامش اللحظة وخارج الصندوق. وبالعودة لخيار مع أو ضد، على طريقه خطاب بوش الابن عن الإرهاب، يمكن طرح العديد من التساؤلات المرتبطة بالمشهد. فهل يفترض أن ندافع عن حقوق من أو ما نحب، ونرفض ما يخالفنا أو نختلف معه؟ وهل يفترض أن نتحدث عن الحريات عندما يتعرض ما نحب أو نتفق معه لانتقاد، وان نقبل التضحية بتلك الحقوق والحريات عندما تستهدف من لا نحب او من نختلف معهم؟ وهل يفترض أن نتحدث عن حقوق الإنسان وعن حريه الوطن عندما تخص فصيلا سياسيا أو مجموعة قريبة منا، ونغض الطرف عنها أو نقبل بالتجاوز في ما يخصها عندما يتعلق الأمر بفصيل مخالف؟ وهل يفترض ان يقود الانتقام أم القانون فكرة الثورة وبناء الدولة والتعامل مع المذنب؟ هل يفترض ان نطالب بدولة القانون في لحظة، ثم نقبل بتجاوزها في لحظة أخرى، وإن افترضنا ان الآخر – المختلف سياسيا- قد اتبع سياسات غير مقبولة وغير انسانية في مرحلة توليه للسلطة، هل يفترض ان نتبع نفس تلك السياسات عندما تتغير موازين القوى وتدور الكراسي؟ وألا يقربنا هذا مما رفضنا، ويبعدنا عن الإصلاح المنتظر والمفترض؟ وألا يزيد هذا دائرة العداء والانتقام ويعقد الأوضاع بالمزيد من التعامل الأمني، الذي لم يحل جذور المشاكل من قبل في العديد من الحالات. وان افترضناها حالة عداء مع المختلف، هل يفترض بنا أن نصنع السلام مع الأصدقاء أم مع الأعداء.. وهل يتمثل التحدي في التعامل مع المشابه الذي نقبله، أم في التعامل مع المخالف والعمل على تأسيس قواعد لما نرغب في ان يكون عليه المستقبل؟ وان كانت قضية إرهاب فهل بذلنا ما يكفي لتعريفه والاتفاق حوله وحول طرق مواجهته، أم أن التعميم كاف وانتظار كلمة القانون غير ضرورية؟ عادت تلك التساؤلات للمشهد على هامش منع الحلقة الثانية لبرنامج ‘البرنامج’ في موسمه الثالث، بعد ان ثار الكثير من الجدل حول غيابه في مرحلة ما بعد مرسي، وحول حلقته الاولى بعد عودته، ليتطور المشهد إلى منع الحلقة الثانية. وبشكل عام اختلف التعامل مع القصة ككل بشكل قريب من التساؤلات السابقة. البعض وضع الحلقة في سياق حرية الرأي والتعبير وتكسير الثوابت التي تستند إليها السلطة -اي سلطة – بما يجعله مشاركا في عملية التغيير المطلوبة في المجتمع. ومع ترحيب تلك المجموعة بالبرنامج بعد عودته، جاء وقف الحلقة الثانية ليزيد من معارضتهم ويثير خطاب الحرية مقابل القمع وضيق الصدر من برنامج ساخر. وهي النقطة التي دفعت البعض للتذكير أو الإشادة بموقف مرسي الذي لم يوقف البرنامج، رغم حجم السخرية التي استهدفته علنا. البعض الآخر تمسك بخطاب لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وما دامت المعركة الحالية هي الإرهاب وليس الحقوق والحريات والكرامة والعيش، فان اي سخرية أو تقليل لقيمة المعركة او رموزها امر غير مقبول. ولتلك المجموعة فان من يتحدث عن الحقوق والحريات كضرورة، مثله مثل من يرفض استخدام العنف، لأن تلك الأفكار القادمة من خارج صــــندوق المعركة تهمش قيمة المعركة وتحولها لجزء من كل، وتثير جدل مضر بالوطن مـــن وجهة نظرهم. هنا يمكن ان تتراجع كل المفاهيم الكبرى أو التي نتصــــورها كبرى لوطن ما بعد الثورة المفترض أن يدافع عن الحقوق والحريات والقانون، من أجل مفهوم أكبر لا يقبل الجدال ولا يقبل المشاركة، وهو المصلحة القومية. تبدو تلك المجموعة في مرحلة ما بعد مرسي اكثر تماسكا ووضوحا. وفي داخلها هناك من يقدمون أنفسهم كجزء من تلك المعركة بصور مختلفة، بداية من تحديد ما يدخل في إطار المصلحة القومية إلى الآليات اللازمة للدفاع عنها، والمطالب الواجب تهميشها من أجلها. وبمجرد تهديد تلك الحلقة المركبة من علاقات المعركة ومفاهيمها، يصبح من الطبيعي أن يسقط الشخص المقصود في دوائر مختلفة من التخوين والتشكيك والهجوم. التيار الثالث يقف ضد البرنامج أو يقبله وفقا لإطار أوسع ظهر واضحا وبقوة عقب الحلقة الأخيرة، وهو مفهوم القيم وأخلاق المجتمع. ورغم تركيز البعض على هذا المدخل بمفرده، فانه يوجد بنسب مختلفة داخل المجموعات الأخرى. وبشكل عام زاد الحديث عن تجاوزات البرنامج الأخلاقية، وما يلجأ اليه من إيحاءات غير مقبولة عقب الحلقة الاخيرة. وفي حين رأى البعض أنها جزء من تركيبة البرنامج وفرصة لكسر بعض القيود التي تستخدمها السلطة عادة للسيطرة، رأى فيها البعض الآخر اضرارا بقيم المجتمع وبعلاقات السلطة فيه. وانقسمت الآراء من التعامل مع الموقف بين من دعا الى ضرورة تغيير تلك الجرعة لدرجة ما، حتى يتم التركيز على القضية المحورية، وبين من اعتبر البرنامج تعبيرا عن جزء مما يحدث في المجتمع، مؤكدين على أن من لا يرغب فى المتابعة يمكنه تجنبه، في حين رفضه البعض كليا ودعوا إلى ضرورة الاعتذار عما سببه من أضرار وغضب مع ضرورة وقفه ومحاسبة مقدمه. والغريب في هذا الجدل المتشعب بكل الرؤى التي يعبر عنها، أن الرؤية الأخيرة ظهرت واضحة بعد الحلقة الأخيرة، ولكنها لم تطرح بنفس القوة على الحلقات السابقة، كما تداخلت مع الاراء الاخرى التي تنظر للموضوع من شقـــه السياسي. وهو ما يعكس دور السياق العام وتأثيره على تفسير الشيء وقبوله أو رفضه. فالحلقات التي تمت خلال فترة مرسي كانت تتماشى مع تيار عام ينتقد ما يحدث ويدافع عن عدم وجود حدود لحرية الرأي والتعبير، وعن انجازات الثورة التي حولت الرئيس لشخصية عادية تعد مادة للسخرية. ولكن مع غياب هذا السياق لصالح صوت المعركة، أصبح النقد والسخرية خارج إطار الصندوق، حتى ان كانت ضمنية أو اقل مما سبق. ولأن البرنامج مس مساحات خارج مرسي والإخوان، أصبح محلا للمساءلة حول أخلاقياته واتفاقه او تناقضه مع المجتمع المعرف بدوره بظروف اللحظة الزمنية والتيار الغالب فيها. بالطبع يمكن القول ان هناك اراء اخرى قد تختلف عن تلك المجموعات السابقة، والقول بان الموقف الرسمي أكد على عدم وجود ارتباط بين وقف الحلقة والوضع السياسي أو حرية الرأي والتعبير، ولكن وفقا لسياق المرحلة وخبرة الماضي القريب تظل تلك التفسيرات الرسمية واردة، ولكنها لعدد غير قليل ليست مقنعة بذاتها، ولن تكون كافية لتبرير ابتعاد الجدل حول البرنامج عن الوضع العام. ويظل للجدل الدائر بين المجموعات السابقة الإشارة إليها في ما يخص عموم ما يحدث في مصر قيمته، ليس في التعامل مع البرنامج ووقفه فقط، ولكن في الكثير من القضايا الاخرى المهمة للحاضر والمستقبل. شخصيا لست ممن يشاهدون البرنامج بشكل منتظم، وضمن من لديه تحفظاته على الأسلوب والمحتوى، ولكن من قال ان كل ما يحيط بنا يوجد لاننا نراه جميعا ايجابيا وفي صالح الوطن والمجتمع.. فالاصل هو التنوع واختلاف الاراء والتقييم، وكل ما سبق عن توسيع الصندوق. في نفس الوقت فان حالة التناقض في التعامل تضعنا مره أخرى في مواجهة القيم الكبرى ومصر المطلوبة وتطورات ما بعد الثورة. فالجدل الذي دار بعد الحلقة الأخيرة أكد على وجود مشكلة في طرح الأولويات ونقاط التركيز التي تستحوذ على وقت الجميع في مصر. فمنذ الثورة ونحن نجد أنفسنا في مواجهة قضايا كبرى يتم تجاهلها أو التعتيم عليها، وقضايا وأحداث أخرى يتم تضخيمها وتحويلها الى القضية المركزية محل الاهتمام، على حساب القضايا الأخرى. لا يقلل هذا من قيمة الجدل الحالي وإمكانية أن يكون مفيدا في ما يتعلق بالحقوق والحريات والسلطة، ولكن المطلوب النظر إلى نسبة الاهتمام التي ترحل من قضية لأخرى بشكل مفاجئ، كما حدث مع ‘البرنامج’ خلال الأيام الماضية، وكما يتوقع أن يحدث خلال أيام أخرى قادمة، بغض النظر عن المشاكل الاخرى التي يتراجع التركيز عليها في نفس الوقت. ومع تعدد التفسيرات والروايات الخاصة بما حدث وحقيقة الموقف، فان جدل الأيام التالية لإذاعة الحلقة يسلط الضوء على أننا في واقع لازال البعض فيه لا يؤمن بخيارات البشر ولا بقدرتهم على التمييز العقلانى بين ما هو صواب وما هو خطأ، والخلط بين تلك الحرية وبين ما يفرض عليه في المساحة العامة. واقع نتصور فيه ان الناس قادرة على اختيار الذهاب لفيلم من عدمه، رغم أن جزءا من مشاهده وكلماته وايحاءاته تفرض نفسها على المجتمع بطرق مختلفة وفي أوقات مختلفة طوال اليوم، ولكننا نفترض ان نفس الناس غير قادرة على اختيار مشاهدة برنامج من عدمه عندما يتعلق الأمر بالسياسة. ولهذا عندما أشارت بعض التعليقات إلى ضرورة الاحتكام للجماهير لم أعرف كيف سيحدث هذا مع المنع، وهل سيتم عمل استفتاء جماهيري على القرار؟ وما الذى سيتم بعده؟ وهل سيتم تعميمه في كل حالة يطرح فيها جدل مشابه حول برنامج ما؟ ما سبق مجرد تساؤلات على هامش العبثية التي تصر على ان تحكم المشهد في مصر منذ يناير… تختفي شعارات الثورة وتعود، تختفي أسماء وتعود أقوى مما كانت عليه، تولد آمال وتتراجع، ولكن العبث وخلط الأوراق والتلاعب بأجندات وأولويات اللحظة التي تفرض علينا تسيطر بدون غياب. وفي واقع كهذا يصبح من الممكن أن نلبس الدم والبشر والحقوق والحريات بغلاف الخيانة أو التشكيك بمفهومه الواسع، ونلبس ما نشاء من كلمات وأفعال أثواب الفضيلة او ننزعها عنها حسب اللحظة.. ويبقى الوطن مفعولا به والمواطن متلقيا حرا داخل الصندوق عليه ان يختار بين الأبيض والأسود، وفقا لتعريف محدد للألوان.