القاهرة –”القدس العربي”: عاد ملف المعتقلين السياسيين، إلى صدارة المشهد في مصر، بعد تهريب رسالتين من معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، وطرح مبادرة من قبل بعض المهتمين بالقضية خلال الأيام الماضية.
الرسالة الأخيرة، بعث بها شباب الإخوان المعتقلون في السجون المصرية، بعد أسبوعين من رسالتهم الأولى، التي طالبوا فيها قيادات جماعة “الإخوان المسلمين” بالتخلي عن مناصبهم، وترك المجال لقيادات جديدة تستطيع التفاوض مع نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإنهاء أزمة المعتقلين.
وعبر شباب الإخوان في بداية رسالتهم، عن صدمتهم من ردود فعل قيادات الجماعة، التي أنكر بعضهم حقيقتها، وبعضهم الآخر، رد مستنكرا عليهم شكواهم من أوضاعهم في السجن، في إشارة لتصريحات إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين المقيم في لندن التي قال فيها، إن الجماعة لم تجبر أحدا على الانضمام إليها، كما أنها لم تدخل أحدا السجن.
وقال شباب الإخوان في افتتاح رسالتهم: “صُدِمنَا من كمية التخوين والتكذيب من القيادات، ولكن صدمة من هم من بيننا من شباب الإخوان من حديث القيادات عن ترك الجماعة والانشقاق كانت أكبر. إذا كان عنصر الشباب لا يهمكم ولا يعنيكم إلى هذه الدرجة التي تدعوكم للحديث عن الانشقاق وترك الجماعة لمن يريد الخروج من السجن لمجرد مخالفته لكم الرأي، وكأنكم تتعايشون مع فكرة السجون، وتُصِرّون على فكرة امتلاك الجماعة، تُدخِلُون فيها من شئتم وتُخرِجُون من كرهتم، فلمن ستورثون دعوتكم وفكرتكم أنتم معشر الشيوخ والكبار؟ وحينما يفنى عمركم من سيرث تلك الدعوة؟”.
وخاطب المعتقلون منتقدي مبادرتهم متسائلين: “لكن ماذا تريدون؟ أترغبون في استمرار المشهد المتأزم في مصر بين الدولة وشبابها؟ أم أنكم راضون عن مشهد تُعاقب فيه الدولة شبابها بالسجن على عمل لا يمنع تكراره السجن أبدًا؟ ماذا يجني الوطن من سجن الشباب سوى زيادة كرههم لوطنهم واتساع الفجوة بين الشباب والوطن؟ اتقوا الله في وطنكم وقدموا المصلحة العامة على مصالحكم الشخصية وآرائكم”.
وثمن المعتقلون في رسالتهم، أي تحرك، داخل السجن أو خارجه، لإنهاء أزمة المعتقلين، ووجهوا التحية لأصحاب مبادرة الإفراج عن المعتقلين، التي عرفت بمبادرة الـ 5 آلاف دولار، الني نصت على اعتزال العمل العام ودفع مبلغ 5 آلاف دولار مقابل الإفراج.
وأوضح الشباب أن رسائلهم تمثل “أغلبية عظمى” من جموع المعتقلين، علما بأن الرسالة الأولى كانت قد تحدثت عن مشاركة 350 معتقلا في إعدادها والإقرار بها صياغة ومضمونا، وتحدثت مصادر لـ “الجزيرة” عن أن أصحاب الرسالة هم من شباب المعتقلين المنتمين للتيار الإسلامي، الذي يشمل الإخوان المسلمين والسلفيين والجماعة الإسلامية فضلا عن شباب مستقل، لكن السلطات وجهت لهم التهمة التي شاعت في السنوات الأخيرة وهي “الانتماء إلى جماعة إرهابية”.
ووجه الشباب المعتقلون رسالتهم الثانية، إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب، ورموز الأحزاب والحركات السياسية المصرية، ومنهم مكرم محمد أحمد أمين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والشيخ محمد حسان، والمستشار بهاء الدين أبو شقة رئيس حزب الوفد، والدكتور مجدي يعقوب، والإعلامية منى الشاذلي، وعبود الزمر، والشيخ أسامة الأزهري والكاتبة الصحافية نفين مسعد، والكاتب الصحافي عبد الناصر سلامة، والإعلامي عمرو الليثي، والدكتور محمد سليم العوا المرشح الرئاسي السابق.
وقالوا فيها، إنهم يوكلون هذه الشخصيات في حل الأزمة، ويرتضون بما سيصلون إليه من مقترحات لإنهاء أزمة المعتقلين، بعد الرد السلبي الذي تلقوه على رسالتهم الأولى من قيادات الإخوان.
وتطرق المعتقلون في رسالتهم إلى الوضع داخل السجون المصرية حيث قالوا إنها “باتت مصنعًا للسلوك غير المعتدل، ومقبرة للسلوك المعتدل، ومصدرًا ومنبعا للأفكار الأكثر ضررًا من تلك التي سُجِنَ الشباب لأجلها” كما تحدثوا عن انعدام الأمل وضياع الأحلام، مؤكدين أن “جسامة العقاب قد تجاوزت جسامة الجرم المرتكب”.
حركة الإخوان المسلمين، أكدت صحة الرسالة الثانية، بعد أن أنكرت الأولى التي طالب فيها شباب الجماعة، قياداتهم بالتخلي عن مناصبهم لصالح قيادات جديدة يمكنها التفاوض على ملف المعتقلين، واعتبروها لعبة من نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لشق صف الجماعة.
طلعت فهمي، المتحدث باسم جماعة “الإخوان المسلمين” قال، إن نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي “ليست لديه أي نية للإفراج عن المعتقلين”. وأضاف في تصريحات تلفزيونية: “كمعتقل سابق لأكثر من 10 مرات أعلم أن معاناة المعتقلين أكبر من أن تصفها الكلمات والعبارات”.
ورفض التفاوض مع نظام السيسي قائلاً: “التراجع أمام العسكر لا يليق بصمود المعتقلين ودماء الشهداء، والإخوان لا يليق بهم الخضوع أمام العسكر في وقت ينظر لهم الجميع”.
وأكد أن قضية المعتقلين “تحتاج إرادة وطنية موحدة مصطفة لتخليص مصر والمعتقلين من يد العسكر، وأن معاناة المعتقلين تمثل قضية مصر كلها وليس الإخوان وحدهم وتحتاج تضافر جهود الجميع، وأن ثورة المصريين كانت من أجل الحرية والكرامة ولم تكن لأجل فصيل أو جماعة”.
وزاد: “الإخوان المسلمون لم يدخروا جهدا في قضية المعتقلين في سجون العسكر، ومصر حاليا في وضع مأزوم يحتاج تضافر جهود الجميع لإنقاذه، والمعركة مع العسكر ضد مصر كلها وليس الإخوان وحدهم”.
ورد على الانتقادات التي توجه لقيادات الجماعة، خاصة فيما يتعلق بملف المعتقلين، موضحاً “هناك مخططات لتشويه جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها عصب الإسلام السني، ولأنهم مدرسة فكرية منتشرة في أغلب دول العالم، وأن العسكر يسعى للتخلص من كل من ينادي بالحرية والكرامة وليس الإخوان وحدهم”.
وزاد: “الإخوان المسلمون صف واحد أمام مخططات العسكر وحملات التشويه، وجماعة الإخوان المسلمين لن تدار من خلال الفضاء الإلكتروني والإخوان يرحبون بكل نصيحة ولن يتراجعوا عن معركة حرية مصر أمام العسكر”.
وكان ملف المعتقلين في مصر، أثار خلافات واسعة داخل تحالف التيار الإسلامي.
المهندس عاصم عبد الماجد عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية، طالب بوجود قيادة موازية للقيادة التقليدية، التي وصفها بأنها تعيش عبر “صنم الثقة” للتعامل مع ملف المعتقلين، أو من سماهم “المقهورين”.
وتساءل عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”: “ما السبيل لإخراج المعتقلين، أنت في حاجة لمن يتولى هذا الملف أولا، أنت بحاجة لقيادة أخرى بديلة أو موازية تتجاهل صنم الثقة وتتحمل سفاهات عبدة الأصنام الذين لا يطيقون أن تنجح القيادة الموازية مخافة أن يؤدي نجاحها إلى تحطم الأصنام”.
وأضاف أن “هذه القيادة تكره أن ننصح وننادي الشباب كي يعملوا بغض النظر عن موافقة قيادات (الثقة) أو رفضها”.
وتابع: “سيوجهون لي سؤالا: فلماذا لا تعمل أنت؟” مضيفا: “ما أقوله الآن هو بحد ذاته عمل. عمل لا يستطيعه كثيرون. نعم يا سيدي، الدعوة لتكوين مجموعات عمل تمسك كل مجموعة منها ملفا من الملفات المهملة بل الميتة المقتولة عمدا، ومنها ملف المعتقلين المقهورين سواء بيد عدوهم أو بإهمال قادتهم. هذا والله عمل”.
وزاد: “هل استجاب لدعوتك هذه أحد، نعم. بحمد الله، لكن عندما تكتمل الاستجابة وأطمئن أن فريق العمل لديه الكفاءة للإمساك باقتدار بأحد الملفات المهملة، عندها سأطلب منهم الإعلان عن أنفسهم”.
وفي تساؤلاته يستطرد عبد الماجد قائلا: “هل انتهى دورك بذلك. ما أسهل عملك إذن لا لم ينته، سأنتقل بعد ملف المعتقلين إلى ملف ثان ثم ثالث ثم رابع وهكذا”.
وناشد عضو مجلس شورى الجماعة، “الشباب ليتقدموا للإمساك بهذه الملفات، حتى أصل بإذن الله لملف كتابة تاريخ الثورة المصرية من مولدها إلى دفنها، ثم ملف محاسبة من وأدها كائنا من كان، حتى لو كنت أنا بعض من يتهم بتضييعها”حسب قوله.
كما أشار إلى عزمه كتابة ملف تطوير الحركة الإسلامية، لئلا تعيد تكرار أخطائها، متسائلا لمن يقول: “أنت إذن تسعى لشق جماعة الإخوان المسلمين؟ بل أسعى لإحياء الحركة الإسلامية قاطبة”. في السياق، نشر عبود الزمر عضو مجلس حكماء حزب “البناء والتنمية” الذراع السياسي للجماعة الإسلامية، نشر سلسلة تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي “توتير” عن أوضاع التيار الإسلامي وما يجمع التيارات الإسلامية الكبرى والاختلافات المنهجية فيما بينها.
وقال الزمر وهو مقدم مخابرات حربية سابق: “جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية، جماعتان غير قابلتين للتفكيك أو الذوبان، ولكن الأولى لا تقبل النصيحة وعصية على التطوير، أما الثانية فترحب بالنصيحة وتطور من الأداء”.
وأعرب الزمر، الذي يعد من أبرز رموز الحركة الإسلامية في مصر، عن أمله في أن تراجع جماعة الإخوان كافة النصائح وتعمل بالنافع منها موجها خطابه لجماعة الإخوان بالقول اقبلوا النصيحة وطوروا الأداء.
وتابع: “ما يقدمه الناصحون لجماعة الإخوان المسلمين يأتي من باب حرصهم عليها، باعتبارها الجماعة الأكبر والأقدم، وفي مراجعتها لنفسها وتطويرها لأدواتها ونظرتها للواقع، خير كثيرً لها وللوطن وللعمل الإسلامي كله، هكذا ينبغي أن تؤخذ النصائح على هذا المحمل”.
كذلك، قال، طارق الزمر الرئيس السابق لحزب “البناء والتنمية” إن “المعارضة المصرية ما زالت تخطىء في حق مصر كدولة، وليس نظاما”.
وكتب في سلسلة تغريدات على حسابه في “تويتر”: “لا زلنا نخطئ في حق مصر ولا نوفيها قدرها شعباً ودولة”.
وقال: “النظام يسيء إليها عن عمد ومع سبق الإصرار والترصد حين يصادر حرية شعبها، ويستنزف كرامته ويبدد مواردها الاستراتيجية وينهك قواها ويقف بها بين أقرانها موقف القزم الذليل وبين جيرانها موقف المتسول وبين خصومها موقف التابع المهين”.
وأضاف أن “المعارضة تسيء إليها حين تستنزف مواردها في صراعات هامشية وتتخذ كل المواقف، إلا المواقف التلاحمية الجامعة التي تستعيد بها مواقع التأثير والنزال فتتحول للمقصورة كمتفرج على أكبر عملية خيانة في حق مصر وشعبها”.
وأكد أن “مصر هي مصر ستظل شامخة في مكانها تنتظر جيلاً على قدر مكانتها يستعيد شرفها وعزتها ويخوض بها غمار التحولات الكبرى التي لا تخطئها العين والتي تتأهب لها منطقتنا”.
وأضاف الزمر، الذي أبدى في السابق ملاحظات على تجربة الإخوان في الحكم عبر حسابه على موقع “تويتر”: “من أسباب إخفاق التيار الإسلامي: عدم تحصيل أسباب النجاح، وإغفال سنن الله الكونية”.
كما عزا ذلك أيضًا إلى كثرة الخلافات البينية، وعدم قراءة الواقع جيداً، والاعتزاز بالرأي، وترك مشورة أهل العلم والاختصاص، وفقدان شجاعة الاعتراف بالخطأ، وانعدام الاستفادة من التجارب السابقة.