مصر: سنة أولى دراما… وسنة أولى إعلام… هنا مستشفى المجانين!

حجم الخط
7

لا يعرف قيمة أمه إلا من يتعامل مع زوجة أبيه، ولا يعرف قيمة العهد البائد، إلا من يشاهد دراما وإعلام «الشركة المتحدة»، التي تحتكر المشهد الإعلامي والصحافي، ولا تترك إلا الفتات لأصحاب «القسمة والنصيب»!
فهذه الزاوية، التي شرفت بالكتابة فيها منذ عام 2003، شهدت مع كل رمضان نقدي للدراما، التي كانت تقدم في كل عام، وأيضاً نقدي لبعض البرامج التلفزيونية التي ارتبطت بالشهر الفضيل، وأخص بالذكر برنامج منى الحسيني في التلفزيون المصري «حوار صريح جداً جداً»، وهو برنامج مواجهات، يقابله في العهد التليد برنامج «شيخ الحارة» لبسمة وهبة، فأدرك على الفور، أننا عدنا أدراجنا إلى زمن البدائية في الإعلام والدراما، وكأن مصر تعيد اكتشاف التمثيل والصحافة، وكأن قبل هذه المرحلة كان العدم، فمصر الآن في مرحلة التدريب في المجالين!
وإذا كانت «الشركة المتحدة»، قد أنتجت في رمضان هذا العام (25) مسلسلاً، تكفي لإصابة المشاهد بالتلبك المعوي، فان الدعاية انصبت على عملين، الأول «سره الباتع» لخالد يوسف، والثاني «جعفر العمدة» لـ «محمد رمضان»، ويلاحظ هنا أن عملاً فيهما اشتهر بمخرجه، أما الثاني فلا تهتم الدعاية بالمخرج، الذي هو نفسه المؤلف محمد سامي، فقد انصبت على فنان المرحلة، الذي تصنعه على العيون، وتفرضه نجماً بقوة الدبابة ليكون البديل الاستراتيجي للفنان أحمد زكي، ورغم محاولات الفرض فإن ما حققه من حضور، ليس بسبب الأدوار التي قام بها والتي أوكلت اليه، فمرجعها إلى البروباغندا!
عمل ثالث أثار ضجة قصيرة، هو مسلسل «الإمام الشافعي»، ولم يكن بسبب الدعاية، ولكن لحجم المغالطات التاريخية التي وردت فيه، وعجز كاتبه أن يذكر مصادر حكايته، فهرب من هذا كله إلى القول إن بعض الأحداث والشخصيات من خيال المؤلف، والحال كذلك فلماذا كان الانشغال بكتابة قصة الشافعي، والتلفزيون المصري أنتج في السابق مسلسلاً عنه، ولماذا لم يكن عن فقيه المرحلة الشيخ خالد الجندي، ما دام كله عند العرب صابون؟!

«الخضة من خالد يوسف»

بدأت الدعاية مبكراً لمسلسل «سره الباتع»، ودارت حول المخرج لا العمل، فكل من استدعين للتمثيل فيه، بدأ حديثهن وانتهى عن المخرج خالد يوسف، وعلى نحو يوحي بأن العمل الدرامي الأول بالنسبة لهم، وبالنسبة لنا، وبالنسبة لمصر، مع أن الأول هنا تعود لخالد يوسف، الذي دخل به كأول مسلسل تلفزيوني له «عربون محبة من السلطة»، وانتهى به المطاف إلى الإعلان أنه لن يكرر هذه التجربة!
فمبكراً قالت ريم مصطفى إنها كانت «مخضوضة» من العمل مع خالد يوسف، قبل أن تكتشف أن العمل معه يعطي طاقة غير حقيقية، وقالت هالة صدقي في مقابلة مع لميس الحديدي، إنه على الرغم من أن خالد يوسف طلبها كضيفة شرف، إلا أنها لا تستطيع أن ترفض طلباً لمخرج في حجمه، لأنه عميق في التفاصيل، وقالت رانيا التومي: خالد يوسف رشحني وخطيبي كان رافضاً للموضوع، وقالت عفاف مصطفى المكياج في «سره الباتع» مرفوض، وخالد يوسف أجبرها على أن تغسل وجهها أمام فريق العمل!
هكذا الدعاية للمخرج، ولا شيء عن العمل وأحداثه وقيمته الفنية، وهي حالة يريد أن يتمثل فيها خالد يوسف، استاذه يوسف شاهين، وأنه قيمة في ذاته، ولو كان العمل «ريان يا فجل»، وإن كان شاهين في النهاية ينتج أعماله بعيداً عن المال العام، في حين مسلسل خالد يوسف هو مال «الشركة المتحدة»، ولأن الشركة لا تربح من وراء الدراما، أو من أي عمل آخر تمارسه، فإن المال المهدر لمجاملة مخرج رداً على خطأ جهة أمنية في حقه، هو مال الشعب المصري، إلا إذا كانت الشركة المتحدة لديها مصارف مالية أخرى، يهمنا أن نعرفها، وسنتولى النشر، ليس فقط لأن حق الرد من الحقوق التي كفلها القانون، ولكن – بالإضافة الى ذلك – فإن المعلومة ضالة الصحافي (ولكم كرهت أن أحمل على كتابة صحافي بدلاً من صحافي، كراهيتي لأن تكتب بكين، ييجين)!

صناعة ماء اللفت

تتكامل الأبواق الإعلامية للشركة المتحدة لتصنع من الفسيخ شربات، لكنها في النهاية تكتشف أن ما صنعته «ليس شربات»، ولكن «ماء لفت»، فهي تحتكر الإنتاج الدرامي، فلا منافسة لإنتاجها يمكن بها اثبات فشلها، وهي تعرضها في قنواتها الخاصة، فلا سوق خارجية لهذه البدائية الدرامية، ثم إن صحفها ومحطاتها التلفزيونية تستضيف أبطال كل عمل للدعاية له، والمقابلة التلفزيونية تنقل عبر المواقع الإلكترونية، ومن ثم منصات التواصل التابعة لها، ليقين القوم أنه لا أحد يشاهد محطات القوم التلفزيونية، وهذا الصخب هو فقط على المنصات، ولا تجده في أي مجلس كما كان يحدث في دراما زمان، حيث «القفلة» أو النهاية المثيرة لكل حلقة، لدرجة أنني كنت أعرف من يسأل عن نهاية حلقة بكار، اذا فاتته، مع أنه مسلسل للأطفال!
وعلى ذكر «القفلة» فقد قرأت لمن يسأل عن السبب في تواضع نهايات المسلسلات الجديدة، ولا يدرك أن النهاية، التي كان يسهر الخلق جراها ويختصم، تحتاج لكتاب حقيقيين، لكن مع تواضع المجموعة المختارة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها!
ما علينا، فقد تمددت هالة صدقي بالحرارة، قبل أن تنكمش بالبرودة، وهي تقول في مقابلة إن الطلبة يجرون وراء أبنائها في المدرسة ويهتفون: «أولاد صفصف أهم»، لدرجة أن جاء لهم «هزة عصبية»، وإذا كنا لا نعرف من الهزات، إلا الهزات الأرضية المصاحبة للزلزال، فإن المعنى أن أبناءها يتعرضون للترويع، الأمر الذي يستدعي أن تتحرك وزارة التعليم لتقف على حقيقة الموقف، واتخاذ الإجراء اللازم تجاه الطلاب والقائمين على العملية التعليمية في المدرسة، لكن في مثل هذه الحالات يحدث التواطؤ بين الكافة، باعتبار أن ما قالته هو للدعاية للعمل، والمخرج، ولنفسها، وللشركة المتحدة لإثبات أنها نجحت في المهمة!
أتذكر في هذه المناسبة أن كاتباً كبيراً كتب عن أن ابنته عادت من المدرسة باكية، لأن معلمة مادة الدين أخبرتهم أن المسيحيين سيدخلون النار، فبكت لأن صديقتها مريم لن تكون معها في الجنة، ونشر أن وزارة التعليم بدأت التحقيق في الواقعة، ثم تم نسيان الأمر، وقدر لي أن ألتقي بالوزير بعد فترة وسألته عن نتيجة التحقيق وسر سكوت الوزارة، فقال لأننا اكتشفنا عدم صحة الواقعة، فلا مدرسة هناك، ولا معلمة، ولا ابنة للكاتب في المدارس!

جعفر العمدة الأكثر رداءة

ما علينا، فالدعاية الأكثر رداءة هي الخاصة بمسلسل محمد رمضان، عندما يتم تقديم من يحتفلون ببراءة جعفر العمدة، في محافظتي المنوفية والإسكندرية، وعبر إعلام الشركة المتحدة تنشر صور توزيع المشروبات بهذه المناسبة، ويجرى حديث مع أحد المحتفلين لإثبات اندماج الناس مع المسلسل وبطله، فيقول إنه سيذبح عجلاً تحت قدمي جعفر العمدة بسبب براءته، وسوف يسافر للقاهرة ليواجه هو (المحتفل) خصومه، وتنشر لافتات تهنئة بهذه البراءة في الخلفية.
وهي محاولة تقديم المجتمع على أنه فاقد للرشد، لا يميز بين التمثيل والواقع، وبين محمد رمضان ودوره، وكأن مصر تعرفت للتو على فن التمثيل، وكأنها فقرات مذاعة من مستشفى المجانين، والجنين في بطن أمه يعرف أنها دعاية مفتعلة مدفوعة الأجر، يقوم بها سذج وسد الأمر إليهم فاعتمدوا السذاجة شعاراً للمرحلة.
فاذا تركت هذا إلى برنامج «المواجهات»، الذي تقدمه بسمة وهبة في «القاهرة والناس»، ستندم على كل كلمة كتبتها ضد برنامج «منى الحسيني» قديماً، فما يحدث فيه «هبل في الجبل»، فيقول الضيف محمد علي خير، الذي يقدم برنامجه في قناة مملوكة للشركة المتحدة إنه يفكر في اعتزال الإعلام، فترد المذيعة في إعلام المتحدة أيضاً، إنها ترفض هذا، وستتصل بالمسؤولين بقناة المحور من أجل أن يتمسكوا به، (فما قوة تأثيرها وهو مذيع وهي مذيعة؟) وأنه إذا أصر على الاعتزال فسوف تعتزل معه.
عشنا لنرى كل هذه التفاهة.. احنا آسفين يا منى!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية