على الرغم من سخونة الأحداث التي تشهدها مصر والتي لا تتوقف عن التصاعد كلما بدا عليها الهدوء، فانها لا تخلو من السخرية التي تعود عليها المصريون، وتحولت لسمة من سمات الثورة، باعتبار أن كل ما يدخل إلى مصر يتمصر، بما في ذلك الثورة وآلياتها. وخلال الأيام السابقة، وعلى هامش جدل ممتد حول الدستور المعدل كفكرة، وما يكفله من حقوق وحريات، تفرع الجدل إلى قضايا ظاهرها السخرية وباطنها الحكم وأسلوبه، ممثلة في أحلام وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي حول حكمه لمصر، وتصريحات الدكتور محمد أبو الغار عضو لجنة الخمسين حول العشاء الذي عقد لأعضاء اللجنة من قبل القوات المسلحة، والنسخة التي قدمت لهم فيه وما تضمنته من تغيير يتعلق بمدنية الحكومة بدلا من مدنية الدولة. وبالتعمق في تلك الأحداث الأخيرة ندرك التناقض بين الإصلاح المطلوب لمصر ما بعد الثورة، الذي يفترض أن يتم التعبير عنه في الدستور، وبين آليات إدارة الدولة وتفكير الشخصيات المسيطرة على الأحداث فيها ومن يحيط بهم من نخب مقربة.
نقف في مواجهة الأحلام التي تظل حية لعقود ممتدة تخترق الحاضر بسيف الحلم وترى توقيت التغيير بساعة اوميجا الواردة في المنام، وتتجاوز عن تعديلات مهمة في الدستور المقترح على هامش حفل عشاء.
تقترب السخرية من المشهد على حذر، مقارنة بمرحلة ما بعد ثورة يناير التي تصاعدت فيها درجة السخرية لتصل أعلى مراحلها خلال فترة الرئيس المقال محمد مرسي. سخرية ليس من السهل ان تمر الآن لأنها وفقا للخطاب الرسمي والمدافعين عنه، تضعف الدولة في وقت يفترض ان تتوحد في مواجهة الإرهاب، خطاب يجعل الانتقاد جزءا من الخيانة، والرغبة في الإصلاح جزءا من الإضعاف، والحديث عن الحقوق والحريات جزءا من الإرهاب ودعمه.
يسهل توجيه الانتقاد للأصوات المخالفة بتهم متعددة، ولا يقبل البعض التساؤل المنطقي حول أسباب قبول ما تم رفضه في مرحلة ما قبل يوليو 2013 سواء خلال فترة المجلس العسكرى أو رئاسة محمد مرسي بما فيها السخرية الحادة التي ميزت حكم مرسي. يطرح سؤال جانبي هل توجد سخرية أكثر مما نواجه؟ ولعل الإجابة بدورها ساخرة ولكنها كعادة المشهد الساخر في مصر، وعلى طريقة المصريين، سخرية من الذات وعلى الذات، وبالطبع سخرية مررية.
يرفع وزير الدفاع سيفه الأحمر في منامه الشهير، الذي تم تسريبه من دون نفيه أو أثبات تزويره، ويؤكد على أنه قادم كرئيس لمصر من دون أن يعبر عن نيته في الترشح للرئاسة، ولكنها رغبة الجماهير كما تعودنا من مرحلة ‘اخترناك’ الشهيرة خلال حكم مبارك. ولأن الخطاب متشابه، فمن السهل أن نجد العديد من شخصيات مرحلة مبارك في الصورة، بما في ذلك مبارك نفسه ورأيه في وزير الدفاع وفي الدستور كما تنقل الاخبار.
يدافع البعض عن المنام بأنه حديث ودي لم يفترض نشره، متناسين أنه تبرير غير كاف. فهل يمكن أن تحتـــــج الولايات المتحدة في ما يخص كل ما نشر عن التنصت مثلا بمثل تلك المقــــولة، وهل يفترض أن تتعامل معها الدول الأخرى وكأنها لم تعرف فتغض الطرف وتتناسى.
وقبل أن تهدأ أجواء تلك التسريبات، ومع الكثير من الجدل حول الدستور ولجنة الخمسين وآليات العمل والنصوص، جاء الحديث المعلن لشخصية معروفة من أعضاء اللجنة ممثلة في أبو الغار عن إجراءات تعديل ما تم الاتفاق عليه، من دون موافقة الأعضاء، صادما ليس فقط لما احتواه من معلومات عن إدارة الدستور، ولكن في الخفة التي تم تناول الحدث بها وكأنها شيء عادي ومقبول، ليصل إلى الإعلان صراحة وليس تسريبا تلك المرة عن أن ما تم غير سليم – كما قال- ولكن كان من الضروري تمريره حتى لا يؤثر على التصويت على الدستور.
اللجنة، رغم كل ما طرح عنها من جدل، تجد نفسها في مواجهة تعديل لم تشارك فيه، وفرض عليها من مجموعة صغيرة، كما قال ابو الغار، ولكنه يمر للرغبة في تمرير اللحظة بدون مشاكل، وليؤكد على ان ترحيل المشاكل لاجيال قادمة هو المسيطر على المشهد، كما تعودنا في المحروسة لعقود.
في نفس الوقت الذي يستمر فيه الجدل حول المنام والعشاء المخصص للاحتفال بالدستور وما حدث فيه، تزداد درجة برودة المنطقة فتزيد المعاناة وندخل في موسم الحديث الدائم عن جمع تبرعات للفقراء، وبطانيات للمحتاجين.. موسم ينتهى سريعا من دون ان تحل المشكلة لأنها تدار لعقود بطريقة ترحيل المشاكل للمستقبل، وكأن من يعيش اللحظة كتب عليه الا يحلم بالأفضل، وان حلم لا يتصور أن أحلامه ستتحقق على عكس بعض الأحلام الأخرى كحكم مصر.
في تلك الأجواء يتم الحشد للدستور نفسه بصور لا تعبر عن مصر ولا ناسها، وبأغنية معلبة لا تعبر إلا على المرحلة وسلبيات ما سبقها، ولكن لا يفترض أن تحيد عن الجموع لأن الإرهاب والحرب ضده أهم.
لا يهم لجنة الخمسين إلا تمرير الدستور وبشعبية كبيرة لتأكيد نجاح تحالف 30 يونيو. ليس المهم صورة مصر المستقبل ولكن المهم أن يكتشف الإخوان والعالم أن 30 يونيو لديها شعبية. ولكن من قال ان الدول تدار بالانتقام، ومن قال ان مصير الدولة يمكن أن يكون أفضل ان احتكم على الانتصار في معركة شماتة الإخوان بدلا من الانتصار للانسان.
نقف على مشارف عام جديد لا توجد فيه معركة أهم من معركة الاستفتاء على الدستور والحرب على الإرهاب كتذكرة مرور، ولكن من يمكن أن يتجاوز حديث العشاء في تلك الاجواء، حيث يفتقد البعض أبسط متطلبات الحياة، ويسعد البعض بالاحلام ويتجاهل البعض حقوقهم في الواقع.
‘ صحافية مصرية