القاهرة ـ «القدس العربي»: عادت قضية سد «النهضة» الإثيوبي للواجهة مرة أخرى، في مصر، مع اقتراب موعد الملء الثالث لخزان السد، والمقرر في فترة الفيضان خلال شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول المقبلين، حسب ما أعلن مسؤولون إثيوبيون، قبل فترة، مؤكدين عزم بلادهم على العودة لطاولة المفاوضات، بعد توقفها منذ آخر جولة استضافتها كينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، في إبريل/ نيسان 2021.
المخاوف من الملء الثالث دفعت، إيهاب رمزي، عضو اللجنة التشريعية في مجلس النواب، إلى تقديم طلب إحاطة، أول أمس السبت، إلى المستشار حنفي جبالي رئيس المجلس، بضرورة استدعاء رئيس الوزراء ووزيري الخارجية والموارد المائية والري، لمجلس النواب، للرد على كل المخاوف لدى المصريين من خطورة سد النهضة ومعرفة السيناريوهات التي ستتعامل بها مصر للحفاظ على حقوقها التاريخية في مياه النيل.
قضية وجودية
وقال إن «ملف سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل يرتبط بقضية وجودية لمصر وشعبها، وإن عدم التوصل إلى اتفاق بشأن السد بسبب تعنت الجانب الإثيوبي يثير قلق القاهرة والخرطوم على حصصهما من الماء».
واعتبر أن «هناك قلقًا كبيرا لدى الرأي العام المصري، خاصة بعد المحاولات المكثفة من مصر لدفع الأمور للأمام من أجل التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يتيح لإثيوبيا التنمية ويحافظ على حق مصر، ولكن هذه المحاولات قوبلت بتعنت إثيوبي».
ولفت إلى أن «بدء إثيوبيا إنتاج الكهرباء من السد الذي تكلف بناؤه مليارات الدولارات فيه انتهاك جديد للاتفاق الأولي الموقع بين الدول الثلاث عام 2015، خاصة أنه يحظر على أي منها اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في استخدام مياه النهر».
مخاطر متعددة
وحذر من «المخاطر المتعددة لسد النهضة، وفي مقدمتها أن سعة هذا السد تعتبر من أكبر السدود داخل لأفريقيا» لافتا إلى «خطورة نشوب حرب بين السودان وإثيوبيا، خاصة على الأراضي الشاسعة في منطقة الفشقة التي استردها الجيش السوداني من إثيوبيا، التي تحاول العودة إلى هذه المنطقة، وهذا النزاع على هذه الأرض لا يزال قائمًا بين السودان وإثيوبيا، وإن كان ليس في العلن».
وتابع: «يمكن أن تستخدم إثيوبيا ورقة سد النهضة لاسترداد هذه المنطقة من خلال غلق تدفقات المياه عن السودان أو التلاعب في كمية المياه الخاصة في السودان، خاصة أنه لا توجد حتى الآن آلية لتشغيل هذا السد».
وتابع أن «الملء الثالث لسد النهضة ووصول المياه المخزنة إلى 18 مليار متر مكعب، ستكون فيه خطورة كبيرة على مصر والسودان، لأن أي انهيار لسد النهضة سيؤدي إلى غرق مصر والسودان».
كذلك بين عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية المصري، أن بلاده «واحدة من أكثر بلدان العالم جفافاً، وأن القارة الأفريقية أكثر البلاد التي تعاني من سوء إدارة الموارد المائية».
وأضاف، خلال جلسة نقاشية حول الموارد المائية والتنمية المستدامة، السبت، ضمن فعاليات منحة ناصر للقيادة الدولية في نسختها الثالثة، أن «سد النهضة أحد المشروعات السياسية بالدرجة الأولى، ويمثل تهديدات لدولتي المصب أبرزها وجود فالق يسمى بالأخدود العظيم» لافتًا إلى أن السودان «أكثر المناطق تأثرا من مخاطر حدوث انهيار جزئي أو كلي للسد، كما حدث من قبل في أحد المشروعات وفي أكثر من دولة حول العالم».
فقر مائي
ولفت إلى أن مصر «وصلت إلى مرحلة الفقر المائي حيث بلغ نصيب الفرد من المياه أقل من 500 متر مكعب سنويًا».
وزاد: «مشروع سد النهضة لا يخدم المواطن الإثيوبي كما يتم تصويره بل لأغراض تتعلق بالهيمنة والسيطرة على دولتي المصب».
وأيضاً، بينت جيهان عبد السلام، أستاذة الاقتصاد المساعد في جامعة القاهرة، خلال الجلسة النقاشية، أن «أكثر من 90٪ من موارد مصر المائية تأتي من الخارج» لافتة إلى أنه «يجب على الجانب الإثيوبي احترام المواثيق الدولية».
واختتم في القاهرة، أمس الأول، تدريب عدد من الأفارقة من 15 دولة، في مجال «هيدرولوجيا البيئة في المناطق الجافة وشبه الجافة» و«الإدارة المتكاملة للموارد المائية».
طلب إحاطة لاستدعاء رئيس الوزراء إلى البرلمان
وسلم وزير الري المصري، محمد عبد العاطي 46 متدرباً شهادات إتمام البرنامجين التدريبيين.
وتستهدف مصر من هذه الدورات التواصل مع الدول الأفريقية وكسب مؤيدين لموقفها في أزمة سد النهضة.
وقال عبد العاطي إن «مثل هذه الدورات تمثل فرصة للتواصل مع أبناء القارة الأفريقية، وتحقيق التكامل بين مهندسي المياه بالدول الأفريقية، إلى جانب دورها في رفع وتنمية قدرات الباحثين والمتخصصين الأفارقة على المستوى الفني، ونقل الخبرات المكتسبة خلال البرنامج للتطبيق الفعلي بالدول الأفريقية، وبما ينعكس على تحقيق التنمية بهذه الدول ».
الملء الثالث في موعده
وأكدت إثيوبيا استمرارها في عملية ملء سد النهضة، وعدم وجود أي نية لإيذاء أي دولة، في إشارة إلى دولتي المصب مصر والسودان.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، السفير دينا مفتي، في تصريحات صحافية قبل أيام، إن السياسة الخارجية لبلاده تمت صياغتها بشكل واضح لتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية، موضحا أن هذه الدول مقربة من إثيوبيا من الناحية الجيوسياسية والدين والثقافة.
وتابع: هناك بعض الأعداء الأجانب الذين ربما يكونون قد التفوا على قضية سد النهضة وصوروا لهذه الدول العربية أن السد سيؤذيها
وزاد: إثيوبيا مستمرة في عملية ملء سد النهضة، وليس لديها أي نية لإلحاق الأذى بأي دولة.
وواصل: تأخر المساعدات التي وعدت بها الدول العربية في بلاده قد يكون لأسباب مختلفة منها سياستها ومصالحها السياسية في إثيوبيا، لكن ذلك لا يعني أن العلاقات الدبلوماسية قد تراجعت، على حد قوله
في الموازاة، قال المدير العام لمشروع سد النهضة الإثيوبي المهندس كفلي هورو، في تصريحات متلفزة: لا ننكر وجود تأثير على مصر والسودان خلال عملية الملء.
وتابع: قد تكون هناك آثار جانبية على الدولتين – مصر والسودان – لكنها ليست بالضرر الحقيقي، هذه الآثار الجانبية تكون خلال فترات الملء.
وزاد: تصريحات مصر والسودان بشأن خطورة وتأثيرات السد لا تعني إثيوبيا، مواصلا ادعاءاته بأن إثيوبيا لم تتخط ما اتفق عليه عام 2015 بخصوص عمليات الملء.
ولفت إلى أن الملء الثالث سيكون في أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول المقبلين، مستبعدا احتمالية إيقاف عملية الملء.
مفاوضات متعثرة
في المقابل أكد سيليشي بيكيلي، المفاوض الإثيوبي السابق بشأن السد والسفير الحالي لدى الولايات المتحدة، استعداد بلاده لاستئناف المفاوضات مع مصر والسودان بشأن سد النهضة المثير للجدل والذي سيكون أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.
جاء ذلك خلال اجتماع مع المبعوث الأمريكي الخاص الجديد إلى القرن الأفريقي، مايك هامر.
وذكر بيان صادر عن الخارجية الإثيوبية، أن تصريحات السفير تسلط الضوء على اهتمام إثيوبيا باستئناف المفاوضات الثلاثية التي يقودها الاتحاد الأفريقي بشأن سد النهضة الإثيوبي. وأعلنت إثيوبيا في فبراير/ شباط الماضي أنها بدأت في إنتاج الكهرباء من السد.
وتخشى القاهرة أن يقلص السد الإثيوبي إمداداتها الشحيحة أصلاً من مياه نهر النيل، التي يعتمد عليها سكانها البالغ عددهم أكثر من 100 مليون نسمة، بأكثر من 90 في المئة في الشرب والزراعة.
وتتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا بشكل متقطع منذ 10 سنوات دون نتيجة، على أمل الوصول إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد، بما يحد من الأضرار المتوقع أن تصيبهما.
وقد أصدر مجلس الأمن «قراراً رئاسياً» منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، يشجع مصر والسودان وإثيوبيا على استئناف المفاوضات، برعاية الاتحاد الأفريقي للوصول إلى «اتفاق ملزم» خلال فترة زمنية معقولة.