مصر: ميدان «التحرير» الذي تسعى السلطة لطمس معالمه

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: أصبح التقاط صورة تذكارية في ميدان التحرير الذي شهد اعتصام الثوار المصريين لمدة 18 يوماً، لإجبار الرئيس المصري محمد حسني مبارك على الرحيل، نوعاً من المغامرة غير المحسوبة، في ظل الإجراءات الأمنية المشددة المفروضة على الميدان منذ عام 2014.
فالميدان الذي لم يمثل فقط أيقونة الثورة، لكنه شهد الكثير من الأحداث خلال القرن الماضي، بات المصريون محرومين من التواجد فيه.
فهو “الكعكة الحجرية”، كما أطلق عليه الشاعر المصري أمل دنقل، في قصيدته عن مظاهرات الطلاب عام 1972 لمطالبة الرئيس محمد أنور السادات بخوض الحرب ضد إسرائيل وتحرير شبه جزيرة سيناء. وهو الميدان نفسه الذي شهد مظاهرات المصريين في يناير/ كانون الثاني عام 1977 رفضاً للقرارات الاقتصادية للسادات فيما عرفت بـ”انتفاضة الخبز”، وهو نفس المكان الذي اعتصم فيها ثوار يناير/ كانون الثاني 2011، والتظاهرات المطالبة برحيل جماعة “الإخوان المسلمين” في يونيو/ حزيران 2013.

الصورة الآن

لكن، الصورة في أهم ميدان في مصر الآن يمكن رسمها على الشكل التالي: شركة أمنية مخصصة لحماية القطع الأثرية في الميدان، وأفراد أمن بزي مدني يحيطون صينية الميدان، وسيارات شرطة تتمركز فيه.
وعلى مدار السنوات الماضية، سعت السلطة في مصر لمنع أي أشكال للاحتجاج في ميدان التحرير، وبدأ المنع عام 2015، عندما نظم حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” في 24 يناير/ كانون 2015، مسيرة تضم ما يزيد على 50 من أعضائه، لميدان التحرير وأثناء مرورهم من ميدان طلعت حرب، بدأت قوات الأمن في إطلاق النيران على المتظاهرين لتفريقهم، لتسقط شيماء الصباغ المعروفة بـ”شهيدة الورد”، غارقة في دمائها بين أيدي أصدقائها الذين حملوها في محاولة لإسعافها، ولكن القنابل المسيلة للدموع لحقتهم لتسقط قتيلة أمام كافية ريش وسط القاهرة. وتحت مسمى التطوير، حاولت السلطات كثيراً تغيير معالم الميدان، وأعقبت عملية التطوير الأخيرة، المظاهرات التي دعا إليها المقاول والفنان المصري محمد علي، للتظاهر ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/ أيلول 2020.

خطة تطوير

لم تمر أيام بعد الدعوة، حتى خرج المسؤولون في مصر ليعلنوا عن خطة لتطوير الميدان، تمثلت في نقل 4 كباش أثرية من محافظة الأقصر جنوب مصر إلى ميدان التحرير وسط القاهرة، وتركيب المسلة الفرعونية.
إعلان السلطات واجه انتقادات من جانب أثريين، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، اعتراضاً على نقل الآثار من موقعها الأصلي، وخوفاً على التماثيل من تأثير العوامل البيئية والانبعاثات الكربونية، إضافة إلى تركيب مسلة الملك رمسيس الثاني وسط الميدان والكباش.
كما اعترضت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) وبعثت رئيسة المركز العربي للتراث العالمي التابع للمنظمة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رسالة رسمية إلى وزارة الآثار المصرية تقول فيها إن نقل التماثيل الفرعونية بتلك الطريقة يتعارض مع المبادئ التوجيهية التشغيلية لاتفاقية التراث العالمي.
لكن الحكومة نفذت المشروع، وأكدت على الحفاظ على القطع الأثرية، وتأمينها من التلف بواسطة شركة تأمين، ووقعت بروتوكولاً مع شركة فالكون الأمنية للقيام بأعمال تأمين وحراسة ميدان التحرير.

تغييرات

 ويعد التطوير الأخير هو الخامس للميدان في السنوات الماضية، فعلى مدار سنوات أجرت السلطة تغييرات في شكل الميدان، فمسحت رسوم الغرافيتي المعبرة عن الفعل الثوري، التي كانت تزين جدران بنايات الشوارع المؤدية إلى الميدان، خاصة شارع محمد محمود الذي شهد مواجهات بين الثوار والشرطة وعرف بـ”شارع العيون”، نسبة إلى الإصابات التي طالت العديد من المتظاهرين وأفقدتهم بصرهم بخرطوش عناصر الأمن.
وغيرت الحديقة التي تتوسط قلب الميدان أكثر من مرة، ثم وضعت حجر الأساس لبناء نصب تذكاري في ميدان التحرير نهاية العام 2013 بحسب تصريحات مسؤولين حكوميين حينها، لكن لم يكتمل بناء النصب التذكاري للشهداء، وبدلاً منه أقيمت في يناير/ كانون الثاني 2015 سارية علم بطول 45 متراً، لتتم إزالتها لاحقاً وتبدأ أعمال تطوير جديدة.
وفي الشهر ذاته، افتتح كراج التحرير بحضور رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم محلب، بتكلفة تخطت 685 مليون جنيه وعلى مساحة 20 ألف متر مربع، بواقع 4 طوابق تحت أرض الميدان.
وفي أغسطس/ آب 2015، هدمت محافظة القاهرة مبنى الحزب الوطني المنحل المطل على ميدان التحرير، والذي تعرض للاحتراق خلال ثورة يناير، حيث كان الحزب بمثابة الذراع للنظام السابق. كما تضمن مشروع تطوير ميدان التحرير، إعادة طلاء كل واجهات العمارات المطلة عليه بلون موحد، بما فيها مجمع التحرير الشهير، مع وضع نظم إضاءة ليلية متطورة لإضفاء المزيد من الأبعاد الجمالية عليه.
وفي السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2021، أعلنت الحكومة المصرية عن فوز تحالف دولي من المطورين والمستثمرين، بغرض تطوير وإعادة توظيف مجمع التحرير التاريخي في ميدان التحرير.

«كايرو هاوس»

وحسب أحد المواقع، سيتم تغيير اسم مجمع التحرير إلى “كايرو هاوس” ليتحول إلى فندق فاخر ومجمع متعدد الاستخدامات.
ويستهدف مخطط التطوير والبالغ قيمته أكثر من 200 مليون دولار أمريكي لإعادة تطوير المجمع خلق مزيج رائد وتنمية استخدامات المبنى، لإعادة تصور وسط القاهرة والاستثمار المستقبلي في الاقتصاد المصري.
وحسب التصميم المعماري، يتضمن أكثر من 450 غرفة فندقية فاخرة وشقة فندقية، والعديد من أماكن تناول الطعام والترفيه ذات المستوى العالمي.
كما سيضم مساحة كبيرة للاجتماعات والفعاليات تبلغ85  ألف قدم مربع بما في ذلك أكبر مكان على السطح في القاهرة.
ويتصور المطورون أيضاً تصميم جناح لوتس هيكلي، ومكان داخلي وخارجي للمناسبات وحفلات الزفاف ليوفر مساحة اجتماعات إضافية كبيرة تقدر بـ 15 ألف قدم مربع.
ويمثل المشروع بالكامل أكثر من 200 مليون دولار أمريكي للاستثمار في إعادة توظيف أحد أكثر المباني الحكومية رمزية في وسط القاهرة في مصر والشرق الأوسط.
ووفق جهاز التنسيق الحضاري المصري، فإنه يجري تطوير عدة ميادين أخرى في القاهرة على غرار الجيزة والقليوبية والإسماعيلية وكفر الشيخ والشرقية والدقهلية وأسيوط والأقصر وأسوان وشمال سيناء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية