عادة ما يتم وصف الإجراءات والسياسات الشكلية بأنها نبيذ قديم في زجاجات جديدة. فهي مجرد محاولة لتغيير المظهر من دون المساس بالجوهر، محاولة لشراء وقت في الحاضر والمستقبل بنفس الأوضاع القديمة، من دون القيام بتغييرات حقيقية، فيتم تقديم نفس السياسات في أشكال جديدة، فالزجاجة جديدة ولكن المحتوى قديم. وهي أوضاع تتكرر في العديد من النظم التي تحاول الهروب من متطلبات الديمقراطية الحقيقية فتحافظ على أسسها القديمة من دون تغيير حقيقي.
وبالنظر لما يحدث في مصر نجد ان تلك المقولة نفسها لا تصف ما تشهده مصر من تطورات.. فمن ناحية هناك محاولة لتقديم الوجوه القائمة بوصفها وجوها وسياسات قديمة وليس العكس، حيث يصبح القديم رغم عيوبه هو المطلوب تنفيذه. ويتمحور الحديث حول اختيار المرشح الأقرب للرئيس الأسبق جمال عبد الناصر وسياساته، بدلا من الحديث عن التجديد ومتطلباته. هنا يصبح المطلوب هو نبيذ وزجاجات قديمة فعليا وليس كمحاولة تجميلية، بما يعني أننا نسخر بشكل مباشر من المقولة ونقول لها أننا نريد نبيذا قديما في زجاجات قديمة، ولكن المقولة من شأنها ان تضحك منا لأن النبيذ القديم بزجاجاته القديمة هي أجزاء الماضي التي أوصلتنا لمعاناة الحاضر ولم تصلح الماضي نفسه فكيف تصلح المستقبل؟
من ناحية ثانية فتلك السياسات المقدمة بوصفها متطلب اللحظة للحفاظ على السيادة والاستقلال، ولحماية الدولة القومية ووحدتها، ولمحاربة الإرهاب ومخاطره، وتحقيق متطلبات المواطن في حياة كريمة هي شعارات تجاوزها الزمن بمراحل، كما أنها لم تحقق ما نادت به في وقتها بالشكل المطلق الذي يتم تسويقها به. فلم يتحقق الاستقلال الوطني للنهاية ولم تحافظ الدولة على وحدة أراضيها ولم تتحقق للمواطن العدالة الاجتماعية، رغم ما دشنته المرحلة وقتها من فرص مهمة للمواطن العادي. تصبح تلك المقولات التي تقدم كذرائع لدعم مرشح ما، أو تسويق مرشح مقارنة بمرشح آخر مجرد نبيذ من زمن مختلف. ولكن في حين ان النبيذ يمكن ان تزداد قيمته مع الوقت، فإن السياسات التي لا تمت للواقع لا تزيد قيمتها عن الوقت الذي تقال فيه والوقت الذي يضيع معها. ان كانت تلك المقولات نبيذا قديما ولد في لحظة زمنية معينة، فلا توجد دلائل على أنه يصلح للحظة الزمنية الحالية. وان كانت الخطابة جزءا أساسيا من تركيبة مرحلة سابقة، فإنها غير كافية لمواجهة مخاطر المرحلة الحالية، ولا الاستفادة من الفرص التي تقدمها أيضا. ويصبح خطاب الماضي في محاولة إعادته للواجهة وتطبيقه على الحاضر مجرد نبيذ فاسد.
ومن ناحية ثالثة، فإن طبيعة الخطاب المستخدم حاليا من قبل المرشح صاحب الفرص الأكبر، الذي اختبرناه في زجاجات أعيد استخدامها مرات ومرات في ما سبق، ليس إلا نبيذا قديما لم تصلح الزجاجات القابلة للاستخدام في الحفاظ على صلاحيته كما يفترض من يروجه. فعلى الرغم من عدم وجود تاريخ نهاية لصلاحية هذا الخطاب، فإن تكراره يجعله حاضرا بكل ما يحمله من معانى وما يترتب عليه من سياسات. وهو خطاب مكرر من مرحلة ناصر، كما هو مكرر من مرحلة محمد حسني مبارك نفسه، حيث نجد أنفسنا في مواجهة خطاب على طريقة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، والمعركة تلك المرة هي الإرهاب بالمفهوم الذي يحدده النظام، والذي تتراجع في مواجهته كل الحقوق والحريات والقيم والاخلاقيات. في نفس الوقت الذي تتراجع العدالة الاجتماعية وتتأثر الأوضاع المعيشية بشكل سلبي، لأن الزيادة السكانية تأكل الأخضر واليابس كما قيل لنا دوما خاصة أيام مبارك، فالحاكم يحب تذكير الشعب دوما بأنه يعاني من أجل الانفاق عليه وكأن الانفاق يتم من حسابات شخصية وليس من أموال الوطن والمواطن نفسه. ويصبح المواطن عبئا على النظام في وجوده وموته وميلاده.. ويصبح من الطبيعي أن نتذكر عادل أمام في مسرحية الزعيم الشهيرة، حيث يدعو للزعماء ويتمنى اختفاء الشعوب لأنها عامل إزعاج ليس إلا، وهي مقاربة أخرى نعود إليها في مقال اخر حيث تتجاوز سخرية الواقع الخيال.
ومن ناحية رابعة، فإن الفساد القائم في الفكرة والخطاب المعبر عنها تتجاوز تلك الأسس المباشرة إلى أساليب الدعاية نفسها، وبعد أن كانت دعاية ناصر ممثلة في ‘عاش’، ودعاية مبارك ممثلة في ‘اخترناك’، أصبحنا في دعاية ‘مصر تموت في هواك ولا تحيا بدونك’ مع الكثير من العبارات التي لا يمكن تكرارها.. قلصت مصر كثيرا في خطاب شديد الضيق والتشويه والاستفزاز، وقلصت مكانتها وصورتها داخليا قبل ان تكون خارجيا. وستترك اللحظة الكثير من الجروح في قلوب لم تشهد منها غير المعاناة والظلم، وسيتذكر طلاب في بداية عمرهم أن سجونهم كانت بسبب مسطرة أو شعار أو كلمة، بل ربما السير في الشارع في وقت لا يناسب السلطة.. ستتذكر أمهات والدمع يفيض من عيونهن لحظات المعاناة بسبب الحاجة أو الفقد، وستتذكر مصر تلك اللحظات يوما ما كما يليق بها وبما يحيط بها من أسماء. وكما اعتبر عمار الشريعي أثناء الثورة أن اخترناك تجاوزت معناها، وطالب مبارك بالتنحي، فإن الكثير مما يقال ويكرر الآن لن يتذكره أحد لأنه لا يرقى لما أنتجه عمار الشريعي وغيره، فالدعاية والمجاملة وحتى النفاق نفسه تم تجاوز معناها وأصبحت كلمات أكثر تشوها وفسادا.
أما في التفاصيل فالأوضاع لا تتغير إلا في النسب النابعي بدورها من فساد النبيذ المستخدم والمطروح علينا في المرحلة القادمة بوصفه الترياق الناجع للقضاء على المواطن والوطن، من أجل الحفاظ على النبيذ الفاسد نفسه، فالحفاظ على النظام مقدم على تحسين أوضاع البشر، والحفاظ على المعركة مقدمة على إعلاء شأن الكرامة والعدالة والحرية.
نشهد درجة أعلى من التصعيد ضد كل من يعترض، نشهد أحاديث أكثر علنية حول الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء رغم ظلم سجنهم، نشهد أحاديث أكثر عن ضرورة ان يدفع المواطن ثمن المعاناة وكأنه لم يدفع ما يكفي طوال حياته. ونشهد واقع معاناة ممتد يجعل السؤال حول ما لدى المواطن من كماليات يمكن له ان يضحي بها من أجل الوطن، موضع تساؤل ناهيك عن الفجوة القائمة والمتزايدة بين من يملك ومن لا يملك، وحيث من يملك يؤثر ومن لا يملك يتأثر ويدفع الثمن مضاعفا بشكل مباشر وغير مباشر من خلال خدمات أقل جودة وفرص أقل قيمة وحياة أكثر معاناة وألما.
تقدم لمصر وصفة مكثفة من النبيذ الفاسد، وككل الأشياء الفاسدة قد تسيطر على السوق لمرحلة، قد تطرد العملة الجيدة كما ينتج بسبب العملات الرديئة الأسهل استخداما والأكثر توفرا. وقد تعاني الأوطان كثيرا من الظلام والظلم، ولكن المشهد الأخير لابد ان يشهد انتصار الوطن نفسه. ولابد أن ينتهي الفساد يوما، وأن يدرك الناس ان النبيذ وزجاجاته القديمة والجديدة لا تصلح الأحوال لان خطاب الأمس الذي فشل فى إصلاح الأمس لا يمكن له أن يصلح الغد المختلف عنه كليا.’
كاتبة مصرية