مصر والسودان تأملان في تمرير مشروع القرار التونسي بخصوص سدّ النهضة

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تمتد جلسات مجلس الأمن الدولي التي انطلقت الخميس لمناقشة ملف سد النهضة لمدة أسبوع. وفي الوقت الذي تأمل فيه مصر والسودان بتمرير مشروع القرار التونسي الخاص بعودة المفاوضات لمدة 6 أشهر، جاءت الجلسة الأولى لتعكس مواقف أعضاء المجلس، الذين لن يمرروا القرار ولن يصوتوا لمصلحته، حتى أن إثيوبيا اعتبرت أمس الجمعة أن قرار مجلس الأمن بدعم الوساطة الأفريقية لحل الخلاف مع مصر والسودان يعد «انتصارا دبلوماسيا كبيرا للبلاد».
ويدعو مشروع القرار التونسي لالتزام الدول الثلاث بعملية التفاوض وإبرام اتفاق ملزم حول آلية تشغيل السد وإدارته خلال 6 أشهر، وتجنب أي إجراء أحادي، كما يحفظ حق إثيوبيا في توليد الكهرباء.
وأعلنت الدول الـ 15 الأعضاء بالمجلس ضرورة إعادة المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بشكل مكثف، لتوقيع اتفاق قانوني ملزم يلبي احتياجات الدول الثلاث ويؤدي إلى تخفيف التصعيد الذي يؤثر مباشرة على المنطقة والقارة الأفريقية.
وصرح رئيس بعثة الجامعة العربية في الأمم المتحدة، السفير ماجد عبد الفتاح، أن المداولات لا تزال جارية في مجلس الأمن حول مخرجات الجلسة التي انعقدت ليل الخميس حول أزمة سد النهضة الإثيوبي.
ونشرت الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصري صورة لوزير الخارجية سامح شكري حاملا في يديه صورة من كلمته في مجلس الأمن وعليها غلاف أثار جدلا واسعا.
وحمل الغلاف كلمات بيت من النشيد الرسمي للقوات المسلحة المصرية: «وتنساب يا نيل حرا طليقا… لتحكي ضفافك مدى النضال».
واعتبر البعض أن هذه رسالة غير مباشرة من الجيش المصري إلى إثيوبيا تلوح بعمل عسكري في حال فشل المفاوضات الخاصة بسد النهضة في مجلس الأمن.

تهديد وجودي

وقال شكري، في كلمته خلال جلسة مجلس الأمن، إن بلاده تواجه تهديداً وجودياً بسبب سد النهضة.
وأضاف: جئنا هنا منذ عام لنحذر من مغبة السيطرة وفرض الأمر الواقع.
وتابع: وزير خارجية إثيوبيا قال بعجرفة وصلف إن النيل سيتحول لبحيرة إثيوبية، وتحملنا الاستفزازات ومارسنا وما زلنا نمارس ضبط النفس.
وزاد: إعلان الملء الثاني إخطارنا به سلوك يجسد سوء النية والرغبة في فرض الأمر الواقع.
واتهم إثيوبيا بالرغبة في أسر نهر النيل، ومحاولة استغلال النهر لتوسيع نفوذها السياسي، وتصرفاتها تدفع مصر لمطالبة مجلس الأمن بالتدخل العاجل والفعال.
وأكد أن مصر سعت للوصول لاتفاق يساعد الدول الثلاث، وأن التعنت الإثيوبي تسبب في الإخفاق في التوصل لذلك الاتفاق.
وتابع: إثيوبيا توهمت أن النيل الأزرق يمكن أن يكون ملكا لها، وتتصرف بفرضية أن انخراطها في المفاوضات يأتي من باب المجاملة، والجميع يعلم أن الخلاف سياسي وسببه رغبة إثيوبية في السيطرة على النيل وكأنها تمتلك حقوقا ملكية حصرية.
ولفت إلى أن إثيوبيا رفضت كل المقترحات التي قدمتها مصر لضمان قدرتها على توليد الطاقة الكهرومائية بأعلى مستوى وكفاءة؛ في ظل حماية دولتي المصب، وإلى رفض إثيوبيا للحلول التوافقية التي قدمها الشركاء الدوليون، وتنصلت من توفير الحد الأدنى لأمان مصر والسودان المائي.
وزاد: سبق وقدمنا خطة لتمويل هذا السد الإثيوبي بغية تحويله إلى رمز للصداقة.
وطالب بالتزام دولة المنبع بقواعد القانون الدولي، بعد أن قوضت المفاوضات بالتعنت.
وأكد أن مسار المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي قد وصل لطريق مسدود، وأن بلاده ليست لديها ضمانات حقيقية لأمان السد وسلامته الإنشائية.
وأضاف: الضرر الذي قد ينتج عن السد قد يستشري كالطاعون في حياة ملايين المصريين، وإذا تضررت مصالح مصر وتهدد وجودها فإنها ليس أمامها إلا حماية حقها المشروع في الحياة، وأملنا أن يدرك المجلس مدى خطورة الموقف والقيام بدوره في حفظ الأمن والسلم الدوليين.
وطالب شكري المجلس بتبني مشروع القرار الذي تقدمت به تونس باعتباره قرارا متوازنا يدعم إطلاق مفاوضات جادة وبناءة.

اتفاق قانوني

وفي كلمتها في المجلس لخصت مريم الصادق المهدي وزيرة الخارجية السودانية موقف ومخاوف السودان المشروعة حول آثار السد السلبية على السودان، إذا تم ملؤه وتشغيله دون توافق بين الدول الثلاث، وأكدت تطلع السودان للدفع بمفاوضات سد النهضة للتوصل لاتفاق قانوني ملزم.
وقالت «نؤكد بداية أن السودان كان ولا يزال يقر ويعترف بحقوق الجارة إثيوبيا في الاستغلال الحالي والمستقبلي لمياه النيل، وإننا دعمنا قيام سد النهضة منذ البداية وندرك جيدا أن فوائده لن تقتصر على الجارة إثيوبيا فقط، ولكن بشرط أن يتم ملؤه وتشغيله بموجب اتفاق قانوني بين الدول الثلاث وفقا للقانون الدولي ومبادئ الاستغلال المنصف والمعقول لموارد المياه العابرة دون إلحاق ضرر ذي شأن بدول المصب، ويحفظ أسس حقوق الإنسان كما يعزز أعراف حسن الجوار بين الدول».

إثيوبيا اعتبرت قرار مجلس الأمن بدعم الوساطة الافريقية «انتصارا دبلوماسيا»

وأكدت المهدي أن إثيوبيا أرسلت إلى السودان خطابا «يؤكد إصرارهم على الملء الثاني للسد، للعام الثاني على التوالي، رغم إعلامهم بالأضرار التي وقعت وستقع على السودان جراء هذا التصرف المنفرد».
وقالت المهدي: «نأمل من المجلس الموقر الاضطلاع بمسؤولياته في حفظ الأمن والسلم الإقليمي، بشكلٍ وقائي، وذلك بتعزيز مسار التفاوض تحت مظلة الاتحاد الأفريقي عن طريق دعوة الأطراف إلى استئناف التفاوض تحت مظلة الاتحاد الأفريقي مع اضطلاع المراقبين والوسطاء الدوليين بأدوار تيسير ووساطة تساعد الأطراف على التوصل لاتفاق، وذلك وفق إطار زمني محدد، ودعوة إثيوبيا إلى عدم اتخاذ خطوات أُحادية «.
وفي ختام كلمتها قالت المهدي إن «صمت المجلس سيرسل رسالة خاطئة بأن الملء الأحادي المضر بمصلحة السودان وشعبه أمر مقبول وستكون له مآلات وخيمة».

«هدر للوقت»

أما وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي، فقد قال إن «مناقشة ملف سد النهضة في مجلس الأمن يمثل إهدارا للوقت». وأضاف أن «مجلس الأمن هيئة سياسية تعنى بالأمن ومن غير المفيد طرح مسألة فنية عليه».
وأوضح أن «سد النهضة ليس الأول من نوعه وخزانه أصغر بمرتين ونصف من خزان سد أسوان في مصر» مضيفا أن السد «في المكان الصحيح وهدفه تحسين حياة سكان المنطقة».
وقال إن مصر والسودان «لديهما العديد من السدود دون مراعاة حقوق الأطراف الأخرى» مشيرا إلى أن «هدف الدولتين من هذا الرفض هو حرمان أديس أبابا من «حقها في استخدام المياه».
وأضاف أن «إثيوبيا لا تستجيب للضغوط السياسية وسوف تواصل ممارسة ضبط النفس» معتبرا أن «القضية لا يجب مناقشتها في مجلس الأمن» ومشيرا الى أن أديس أبابا «ملتزمة بالعملية التفاوضية تحت قيادة الاتحاد الأفريقي»
وطلب من المجلس «إعادة ملف السد إلى الاتحاد الأفريقي، وأن تكون هذه آخر مرة تناقش فيها القضية».
وأمس الجمعة، قال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، في مؤتمر صحافي، إن مجلس الأمن أنهى مسألة تدويل الملف الشائك، وأعاده إلى الاتحاد الأفريقي «الذي كان يفترض أن لا يخرج منه» وفق تعبيره.
وأكد مفتي أن قرار مجلس الأمن بدعم الوساطة الأفريقية لحل الخلاف مع مصر والسودان يعد «انتصارا دبلوماسيا كبيرا للبلاد». كما وجه شكره لجميع الدول الأعضاء في المجلس الدولي لتفهمهم تلك القضية.
وقال: «سد النهضة أفريقي ويجب أن تتم مناقشته داخل البيت الأفريقي» مضيفاً «ما كان على مصر والسودان نقل ملف السد إلى مجلس الأمن. أرى أن جميع أعضاء المجلس دعموا جهود قيادة الاتحاد الأفريقي ورعايته للمفاوضات بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».
وشدد على أن «عملية ملء السد ستكون على 7 مراحل، وستتم وفق الجدول الموضوع لها». واعتبر أن «إعلان المبادئ الموقع بين البلدان الثلاث قبل سنوات نص على استمرار البناء والملء الأولي، مع إبلاغ إثيوبيا القاهرة والخرطوم «.

«الدفاع عن السيادة»

كذلك أكد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، «استمرار بلاده في التمسك بالدفاع عما اعتبرها سيادة البلاد ودبلوماسيتها في شتى المجالات، بما في ذلك حقوق بلاده في سد النهضة».
وأضاف في تغريدة على «تويتر»: «نستمر في ترك بصماتنا الخضراء» منوها بإصرار حكومته على «الحفاظ على حقوق بلاده المشروعة بشتى المجالات».
وأعلن عضو في وفد إثيوبيا التفاوضي بخصوص ملف سد النهضة، قديون أسفاو، أن إطلاق أديس أبابا المرحلة الثانية من ملء السد يأتي وفقا لإعلان المبادئ المبرم مع مصر والسودان عام 2015.
وقال إن المرحلة الثانية من ملء سد النهضة ليست حدثا مميزا بل إن الملء يجري حسب الجدول المتفق عليه من قبل خبراء الدول الثلاث.
وتابع أن الشعب الإثيوبي يتوقع أن تنفذ عملية الملء بصورة متتابعة، بحيث تتماشى مع عملية البناء، مشددا على أن عمليتي الملء والبناء غير منفصلتين.
وأوضح أنه عندما يزيد ارتفاع السد فإن احتياطي المياه المخزنة سيزيد أيضا، وأن «عملية ملء السد ستجري بالتزامن مع عملية البناء وهو ما تم ذكره بصورة واضحة في إعلان المبادئ».
وقال إن «مصر والسودان يعرفان حقيقة أن أنشطة بناء وملء السد غير منفصلتين، غير أنهما على الرغم من إدراكهما هذا الأمر يحاولان إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية».

التمسك بالاتحاد الافريقي

وحسب خبير المياه المصري، نادر نور الدين، فإن إثيوبيا تريد أن تحجز أمام السد 18.5 مليار من المياه لتحميه من الأعمال العسكرية، إلا أنه في حال انهيار السد سيتعرض السودان لغرق وتدمير المباني، مؤكدا أن سد النهضة ليس للتنمية، لكنه «محبس» لحجز المياه عن مصر والسودان.
وأوضح أن تعنت إثيوبيا في رعاية الاتحاد الإفريقي لأزمة سد النهضة لأنه في صالح المصالح الإثيوبية، مؤكدا أن الاتحاد الأفريقي عندما يتدخل في أزمة لإثيوبيا مع أي دولة أخرى لن يصل لحل فيه.
والإثنين، أخطرت إثيوبيا دولتي مصب نهر النيل مصر والسودان، ببدء عملية ملء ثانٍ للسد بالمياه، من دون التوصل إلى اتفاق ثلاثي، وهو ما رفضته القاهرة والخرطوم، باعتباره إجراءً أحادي الجانب.
وتصر أديس أبابا على تنفيذ ملء ثانٍ للسد بالمياه، في يوليو الجاري وأغسطس/ آب المقبل، حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق بشأنه، وتقول إنها لا تستهدف الإضرار بالخرطوم والقاهرة، وإن الهدف من السد هو توليد الكهرباء لأغراض التنمية، بينما تتمسك مصر والسودان بالتوصل أولا إلى اتفاق ثلاثي حول ملء وتشغيل السد لضمان استمرار تدفق حصتهما السنوية من مياه نهر النيل.
يذكر أنه منذ عام 2011 تتفاوض دول المصب للوصول إلى اتّفاق حول ملء وتشغيل السد الذي تعده أديس أبابا ليكون أكبر مصدر لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا بقدرة تصل إلى 6500 ميغاوات، دون التوصل إلى توافق.
وفي مارس/ آذار 2015 وقع قادة الدول الثلاث في الخرطوم اتفاق إعلان مبادئ، إلا أن الخلافات استمرت، واستعرت مع بدء إثيوبيا هذا الشهر عملية الملء الثانية لخزان السد. ففي حين ترى إثيوبيا أن السد ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية في البلاد، تعتبره مصر تهديداً لها ولحصتها المائية، لا سيما أن نهر النيل يؤمن نحو 97٪ من مياه الري والشرب في البلاد، فيما تعتبره الخرطوم خطرا على سدودها أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية