مصطفى الأشرف… وحيدا ضد «معركة الجزائر»

حجم الخط
0

عند عرض فيلم «معركة الجزائر» في بوينس آيرس عام 1968 وقد وصل إليها متوجا ﺑ «الأسد الذهبي» من البندقية ومرشحا للأوسكار، تجمع في القاعة عمال مُغتربون من دول لاتينية، من بوليفيا، الأورغواي، تشيلي والباراغوي، التأم جمهور يُظن ـ من الوهلة الأولى ـ أنه من أنصار حركات التحرر ومن مُناهضي الإمبريالية، نتوقع منه أن يُبدي ردود فعل مُشابهة لردود الجزائريين، حين مشاهدتهم للفيلم ذاته، أن يخرجوا من القاعة تملؤهم مشاعر اعتزاز بتضحيات الثوار، حماسة من أجل الثورة، وغضبا من الاستعمار، أن تفيض مُقلهم بالدموع، تأثرا بما تضمنه من مشاهد قاسية، من تعذيب المستعمرين للأهالي، لكن لم يحصل أي شيء من ذلك، فقد قابله المتفرجون في العاصمة الأرجنتينية بالقهقهة والسخرية، من مخرج العمل جيلو بوتيكورفو، لاسيما في جزئه الأول، الذي أسرف في تصوير لقطات محشوة ﺑ«السذاجة» فقد أظهر ثوارا جزائريين يعثرون بسهولة على أسلحة جاهزة للاستخدام، في سوق أو في شارع جانبي، وأيضا في حاوية نفايات، ويوفر لهم ضحايا في انتظارهم، بدا الأمر غير مُطابق للواقع بتاتا، هكذا طفت خيبة أمل من مشاهدة «معركة الجزائر» ذلك ما يرويه مصطفى الأشرف (1907-1917) قبل أن يشرع في نقد ذلك العمل السينمائي، الذي رافقته طوال أكثر من نصف قرن هالة من التقديس، في الجزائر وخارجها، لم يحظ ـ في الغالب ـ سوى المديح، وامتناع نقاد أو متفرجين عاديين عن الإفصاح عن مآخذهم على العمل، حيث أن الأشرف يعيب عليه عدم مُسايرة الواقع فنيا، انفصاله في بعض الأحيان عن الحقيقة الكاملة، وسقوطه في التباهي بالقومية والإحساس المفرط بالانتماء لقضية سياسية.
يذكر مصطفى الأشرف في كتابه «نصوص تعليمية» أن العيب الذي شاب «معركة الجزائر» هو العيب نفسه الذي نتلمسه في غالبية الأفلام التي أنتجت في الجزائر، أثناء السنوات الأولى من الاستقلال، هو تغييب «الأصالة الفنية» من منظور أن المبالغة في إظهار البطولات يُثير سخرية المتفرج، تلك المبالغة تتحول في بعض الأحيان إلى نرجسية، تفسد العمل ولا ترفع من قيمته، ذلك ما لاحظه حين عُرض الفيلم في دولة من دول أمريكا اللاتينية، شغل فيها منصب سفير للجزائر آنذاك، ثم يتحدث عن إحباط من سيناريو الفيلم، خصوصا تلك الصورة غير المكتملة التي قدمها عن الشهيد العربي بن مهيدي (1923-1957) على الرغم من كونه واحدا من رموز معركة الجزائر، بل من رموز حرب التحرير برمتها، فقد أظهره المُخرج في صورة خجولة وهامشية أحيانا، لا تليق بقيمته وفضله، مع أنه ـ برأي الأشرف دائما ـ كان بالإمكان توسيع حضور بن مهيدي، بأن تخصص له مشاهد أكثر وحوارات أوسع، كي يقدم إضافة درامية أكثر تشويقا في الفيلم لا أن ينحصر في شخصية ثانوية، يُضاف إلى ذلك أنه لم يستسغ أن الفيلم بُتر من السياق التحرري العام الذي عرفته الجزائر آنذاك، وقلّص نظرته في نقطة جغرافية ضيقة، ما ضيق من إطار تحرك بن مهيدي وتأثيره.

في سنين المراهقة، انتقل إلى الجزائر العاصمة، ويتذكر سينما «المرجان» التي داوم على مشاهدة أفلامها كل يوم أحد. يلتقي فيها بماسحي الأحذية الفقراء، الذين يصرفون قوتهم في متابعة أفلام (توم ميكس) الأمريكية.

مع ذلك يظل ذلك الفيلم «وثيقة تاريخية» في فهم المقاومة الجزائرية، هكذا علق مصطفى الأشرف، مُصنفا «معركة الجزائر» في إطار تاريخي محض لا أكثر، بعدما عجز على كسب راهنه الفني. ليس من المُعتاد أن نقرأ نقدا مثل هذا لفيلم بات من الكلاسيكيات، لكن مصطفى الأشرف جاهر برأيه، ولا بد أنه لن يعجب الكثيرين، كما أسهب في الكتاب ذاته في طرح وجهات نظر ثقافية، وفي سرد حكايته مع السينما، وهو الذي عُرف طويلا كرجل سياسة، سفيرا ووزيرا، نالت منه السياسة وضيعت على الجزائر واحدا من ألمع العقول في النقد الثقافي والسوسيولوجي، فالأشرف الذي وُلد في قرية بالكاد نعثر عليها في الخريطة، انفتح على السينما منذ طفولته، مستفيدا من تنقلاته إلى مدينة مُجاورة، كانت معبرا للسياح وللمسافرين إلى الجنوب، يتوقفون فيها للراحة وللتسلية، يُشاهدون عرض سيرك أو فيلم، ويُرافقهم في خلفية القاعة مصطفى، الذي سيصير واحدا من القادة التاريخيين لحرب التحرير الذين اختطف الاستعمار طائرتهم عام 1956.
في سنين المراهقة، انتقل إلى الجزائر العاصمة، ويتذكر سينما «المرجان» التي داوم على مشاهدة أفلامها كل يوم أحد. يلتقي فيها بماسحي الأحذية الفقراء، الذين يصرفون قوتهم في متابعة أفلام (توم ميكس) الأمريكية. في الثلاثينيات من القرن الماضي، وفي زحمة الأفلام الأجنبية التي تعود عليها، صادف فيلما، يصفه بالفيلم الأهم الذي ترك أثرا حياته، لأنه صور في الجزائر ومثّل فيه جزائريون، بعنوان «الياقوتة الخضراء» وهو فيلم لم يعد يذكره مؤرخو الفن السابع. في سينما «المرجان» تعددت مشاهدات مصطفى الأشرف، بات مدمنا على الأفلام، يتذكر حماسته حين عرض «لص بغداد» للمرة الأولى وكذلك فيلم «أتلانتس». لقد بدأ مصطفى الأشرف حياته مثقفا وأنهاها مثقفا، وبين المرحلتين فواصل سياسية، ألزمتها مرحلة تاريخية، فعلاقته بواقعه شكلتها السينما، وبعد حرب التحرير عاد إلى نزعته في النقد والتعليق على الأعمال الفنية، حيث يدرج في كتابه «نصوص تعليمية» وجهة نظره المعجبة بفيلم «ألف ليلة وليلة» لبازوليني. يطرح الأشرف مرجعيات واسعة في كتابه، ويعود باستمرار إلى قراءاته للتراث العربي، يستشهد بمقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني، يتذكر بدايات يوسف شاهين، ويعود إلى قراءاته لكتاب مصريين: توفيق الحكيم، محمود تيمور والمازني، ومطالعاته لمجلتين من تلك الحقبة، «الرسالة» و«الثقافة» واستماعه لأغاني مصطفى الكرد والشيخ إمام. كان يجب أن ينعزل مصطفى الأشرف في خلوة فرضها تقاعد مسبق، عقب خلافه مع الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي فتح الباب أمام الإسلاميين نهاية الثمانينيات، كي يتيح للقراء كتابه «نصوص تعليمية» وندرك الوجه الخفي عن مناضل وسياسي مثقف، كان يمكن أن يُجنب الجزائر كثيرا من القرارات الخاطئة في الثمانينيات من القرن المنصرم لولا ما تعرض له من تضييق واستبعاد.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية