مطران الأورثوذكس: كفى استغباء وإبعاداً لأبنائنا ويعاملوننا كالسامريين الغرباء

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت- “القدس العربي”:

بدا أن اللقاء الأورثوذكسي الموسّع الذي انعقد في دار مطرانية بيروت برئاسة متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأورثوذكس للبحث في ملفات الطائفة ولا سيما ما يتعلق بقضية تعيين محافظ جديد لمدينة بيروت لم يؤت نتيجة إيجابية بعد، على الرغم من الزيارة التي قام بها المطران عودة لاحقاً إلى قصر بعبدا للقاء رئيس الجمهورية.

فمع انتهاء فترة انتداب القاضي زياد شبيب في منصب محافظ بيروت، بدا أن رئيس الحكومة حسان دياب مصرّ على تعيين مستشارته بترا خوري في هذا الموقع خلافاً لرأي متروبوليت بيروت وأركان الطائفة وإلا سيترك الموقع شاغراً على أن يتم تكليف أحد المحافظين وعلى الأرجح محافظ جبل لبنان القاضي محمد المكاوي لتسيير شؤون محافظة بيروت.

وبعد صمت المطران عودة ليام، خرج الأحد عن هذا الصمت ليطلق موقفاً نوعياً، مستغرباً معاملة الأورثوذكس من قبل الآخرين “كالسامريين الغرباء”. وقال: “نحن قوم لا نميّز بين دين وآخر وطائفة وأخرى ولا نسمّي أنفسنا طائفة، لأننا أبناء كنيسة المسيح التي تعلّم المحبة والتسامح والانفتاح والحوار وقبول الآخر واحترامه والحفاظ على حريته وكرامته. لم نحمل يوماً سلاحاً ولا تقوقعنا في حزب أو مجموعة، حين حمل معظم الأطراف السلاح، ولا لطّخنا أيدينا بالمحرّمات أو مارسنا الموبقات. سلاحنا الوحيد حبنا لوطننا وتفانينا في خدمته. أبناؤنا بعيدون عن الفساد والمحاصصة وتقاسم المغانم. هم يؤمنون بالمساواة بين اللبنانيين ويطمحون إلى قيام الدولة المدنية العادلة، التي يتساوى فيها الجميع تحت حكم القانون. يستلهمون ربهم، ويطبّقون تعاليمه، ويحتكمون إلى ضمائرهم، ويجاهدون من أجل الحفاظ على وطنهم وعلى كرامتهم. لم يخونوا وطنهم يوماً ولا أخاهم في الوطن، وكل مرادهم خدمة وطنهم مع سائر مواطنيهم. لكن المشكلة أن الآخرين يعاملوننا كالسامريين الغرباء”.

خرج عن صمته بعد تمسّك رئيس الحكومة بتعيين مستشارته محافظاً لبيروت

وسأل عودة: “ترى هل قصّرنا في محبة وطننا وخدمته، أم عقدنا الصفقات المشبوهة، أم أسهمنا في نهبه وإفقاره، أم زرعنا الفتنة في شعبه؟ لطالما طالبنا بالعدالة والمساواة، وباحترام الدستور وتطبيق القوانين، ونادينا باعتماد المساءلة والمحاسبة والثواب والعقاب، وباتباع آليةٍ شفافةٍ في التعيينات يصل من خلالها أصحاب الكفاءة والخبرة والنفوس النزيهة والأيدي النظيفة. لكننا كمن ينادي في الصحراء. فعوض الإفادة من طاقات أبنائنا ومعاملتهم كسواهم من أبناء هذا الوطن، تجاهلوهم على مرّ الأيام، ربما لأنهم لا يرفعون الصوت ولا يستعملون أساليب لا تشبههم. يبدو أن الصمت يعتبر ضعفاً في زمن الزعيق الفارغ، والسلوك الحضاري يعتبر تراجعاً. لا يا سادة. من حق أبنائنا القيام بدورهم الوطني في كل المجالات. السلوك الحضاري من شيمنا، لكن كنيستنا، من رأسها غبطة البطريرك يوحنا العاشر وصولاً إلى مسؤوليها وشعبها، تعبر بصوت واحد عن رفضها لهذه الممارسات بحق أبنائها وترفض الغبن والظلم والإجحاف اللاحقين بهم”.

وأضاف: “نحن ضد المحاصصة فهلا تخليتم عنها؟ نحن ضد الطائفية فهلا أعلنتم قولاً وعملاً رفضها؟ نحن ضد الزبائنية والمحسوبية وضد الفساد والصفقات واستغلال السلطة والنفوذ فهلا رفضتموها مثلنا؟ نحن مع الدولة المدنية العادلة فهلا تجرأتم وأعلنتموها؟ وإلا، وفي انتظار المدينة الفاضلة التي تقوم على العدالة والمساواة والحق والقانون، كفى استغباء لأبنائنا وإبعاداً لهم. نحن شركاء لكم في هذا الوطن، وإلى أن تتّحد شعوب هذا البلد في شعب واحد موحد ذي رؤية واحدة، لا تستثنوا أحداً من مسؤولياته، واعتمدوا معياراً واحداً في التعيينات يسري على الجميع. إذا كنا شركاء في الوطن علينا تقاسم المسؤولية والتسابق إلى بنائه وتدعيم أساساته. ومن واجب الدولة التشجيع على ذلك. في العائلة لكل فرد دوره، وفي الجسد لكل عضو وظيفته. كذلك الوطن، هو بحاجة إلى كل أبنائه، ولكل منهم ميزاته وإبداعاته. ومن واجب الدولة تعيين الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان المناسب مع الحفاظ على التوازن بين سائر المكونات”.

وتابع: “وإذا كانت حكومتكم لكل الوطن فحري بكم الإفادة من كل الطاقات بتواضع وحكمة، وإعطاء كل ذي حق حقه بلا منّة. ولتكن رؤيتكم للدولة واضحة وشفافة، تتمحور حول تصويب الأوضاع، ومكافحة الفساد، ومعالجة تهاوي الاقتصاد، وانهيار الليرة، ومشاكل النفايات والمياه والكهرباء، وإيجاد فرص عملٍ تتيح للمواطنين الخروج من الفقر والجوع واليأس. وليكن هدفكم توحيد اللبنانيين حول هذه الرؤية ودفعهم جميعا إلى مساندتكم عوض رفضهم وإبعادهم واستثارة غضبهم واستيائهم. العدالة لا تكون في التمييز بين مواطن وآخر وطائفة وأخرى، وما يحق للواحد يمنع عن الآخر، وما يطبق على طائفة لا يطبّق على أخرى”.

“في زمن الأزمات يتطلع الشعب إلى ذوي الفكر الصائب والرؤية الثاقبة وحكمة المسؤولية. يتطلعون إلى القامات المتواضعة لا إلى النرجسيين. يتطلعون إلى العمل والإنجاز لا إلى الكلام والاستعراض. يتطلعون إلى عدل الحاكم ومحبته لرعيته ويرفضون كل ظلم وتمييز وتشف وإقصاء واستفزاز واستضعاف”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية