معادلة نصرالله حول «كاريش» هل تُدخِل لبنان رغماً عنه في حرب تموز جديدة؟

سعد الياس
حجم الخط
5

باستثناء التيار الوطني الحر لم يصدر عن القوى السياسية موقف داعم للخطاب بل لوحظ أن مكوّنات مسيحية وسنية ودرزية تعارض أي توجّه نحو الحرب وأي تصعيد.

بيروت ـ «القدس العربي»:   طغت إطلالة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الأخيرة، التي دقّ فيها النفير بدعوته اللبنانيين للاستعداد للحرب، على المشهد اللبناني وعلى التناحر الدائر بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي. وترافقت نبرة نصرالله العالية مع تبلّغ لبنان قراراً باحتمال تنشيط مهمة الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين بعد انتهاء جولة الرئيس الأمريكي جو بايدن في المنطقة.

وفي وقت لم يُسمَع لكبار المسؤولين الرسميين في لبنان أي تعليق على كلام نصرالله يعيد الاعتبار للسطات الشرعية بعد نزع قرار الحرب والسلم من يدها مرة جديدة، بدا أن أصداء خطاب أمين عام حزب الله وصلت إلى مسامع المشاركين في القمة الأمريكية الخليجية في جدة. وقد رسم هذا الخطاب بحسب أوساط حزب الله معادلة جديدة تحفظ حقوق لبنان في مياهه البحرية وتصل إلى ما بعد ما بعد «كاريش» على حد تعبير نصرالله، وبالتالي فإن «ما بعد هذه المعادلة غير ما قبلها، وإما نستخرج نفطنا وغازنا وإما لا نفط ولا غاز لأحد».
وتعتبر الأوساط «أن العدو الإسرائيلي لا يفهم إلا بمنطق القوة وكما قال السيد وصلنا إلى آخر الخط ولن نسمح بانهيار الوطن ولو اشتعلت الحرب لأنها أشرف مما نحن فيه» مستغربة «عدم الاستفادة من نقطة القوة لدى المقاومة القادرة على تحسين فرصة لبنان في التفاوض وتحصيل الحقوق» ومؤكدة «أننا رغم ذلك لا ننتظر إجماعاً داخلياً ولن نقف مكتوفي الأيدي ونحن نرى تضييعاً لثرواتنا المدفونة في قعر المياه بخداع أمريكي إسرائيلي».
وباستثناء التيار الوطني الحر الذي رأى أن خطاب نصرالله قد يساعد في التوصل إلى حل لملف ترسيم الحدود، لم يصدر عن أي من القوى السياسية اللبنانية موقف داعم للخطاب بل على العكس لوحظ أن مكوّنات مسيحية وسنية ودرزية تعارض أي توجّه نحو الحرب وأي تصعيد ينذر بمزيد من الكوارث في بلد منهار اقتصادياً ومالياً لا كهرباء فيه ولا قدرة على الدخول إلى المستشفيات. وربما يحرص صهر العهد النائب جبران باسيل على تقديم كل أوراق اعتماده لحزب الله للحصول على وعد بانتخابه رئيساً للجمهورية على عتبة الاستحقاق الرئاسي تماماً كالوعد الذي حصل عليه عمّه ميشال عون وأدخل البلاد في فراغ لمدة سنتين ونصف إلى حين سير بعض الأطراف بهذا الانتخاب علّ عون يغيّر في نهجه وتوجهاته السياسية بعد وصوله إلى سُدة الرئاسة، لكنه خيّب الآمال وارتمى أكثر فأكثر في أحضان الدويلة.
وفي السياق ذاته، قال باسيل في تناغم مع نصرالله «ورقة المقاومة هي عنصر قوة للبنان إذا عرفنا كيفية استخدامها بهدف ترسيم الحدود واستخراج الموارد وتحصيل الحقوق» معتبراً «أن حقوقنا ليست عبارة عن الحدود فقط، وإنما هي فعلياً الموارد التي تكمن في أسفلها، إذ لا قيمة للثروة النفطية والغازية في حال بقائها مدفونة تحت البحر». وفي تغطية لتهديدات أمين عام حزب الله قال «المعادلة واضحة بالأمن على البر، وبالتالي يجب أن تكون مثلها واضحة أيضاً بالغاز في البحر، وهكذا تحفظ الكرامة الوطنية وتكون السيادة».
في المقابل، ترى قوى سيادية «أن نصرالله بلغت به المكابرة والاحتقار للدولة حدوداً غير مقبولة وخصوصاً لموقع رئيس الجمهورية الذي يتولى بنفسه الإشراف على المفاوضات والمعاهدات» واستغربت «كيف لا يقيم أمين عام حزب الله وزناً لا للدولة ولا للبنانيين من مختلف الطوائف الراغبين بالخروج من الجهنّم الاقتصادي والمعيشي والرافضين لتوجهات الحزب ولأي خيار بالذهاب إلى الحرب، والذين عبّروا صراحة عن رفضهم لهذه التوجهات التي أوصلت البلاد إلى الانهيار في الانتخابات النيابية التي لم يمر عليها شهران. وقد جاءت الأرقام لتظهر أن الأكثرية الساحقة من المقترعين لدى المسيحيين والدروز والسنة انتخبوا ضد مرشحي الحزب وحلفائه وما يمثلونه من مشروع».
وتسأل مصادر في هذه القوى السيادية «أي مغامرة سيزجّنا بها نصرالله خدمة لإيران؟ وهل سينفع أن يقول لاحقاً لو كنت أعلم؟». وتشدّد هذه المصادر على أن «من حقنا عدم الاقتناع بالأسباب التي أوردها أمين عام حزب الله لترجيح خيار الحرب، وإذا كانت لديه مبرراته فنحن لنا مبرراتنا لعدم القبول بمغامرة جديدة». وتختم «إن الحرب التي يرى نصرالله أنها أشرف من الجوع تخدم المشروع الإيراني في المنطقة ولكنها لا تخدم لبنان ولا اللبنانيين الذين باتوا توّاقين إلى الاستقرار ووقف نزيف الهجرة نحو الخارج واستعادة الدولة المخطوفة وتقرير مصيرهم بأنفسهم لأننا نعيش في وطن نظامه ديمقراطي حر وليس في جمهورية يقودها مرشد أعلى».
يبقى ان لبنان أُدخِل رغماً عنه في حالة «حرب تموز» جديدة، وهو عالق من جهة بين سندان الوسيط هوكشتاين الذي يبعث إشارات تفاؤل ويعتقد بوجود فرصة للتوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل وإلى حل يساعد اللبنانيين الذين يعانون من انهيار اقتصادي وأزمات، وعالق من جهة أخرى بين مطرقة السيّد نصرالله الذي يسابق بدء إسرائيل باستخراج النفط والغاز من حقل «كاريش» ويهيىء اللبنانيين نفسياً لحرب بدل الوقوف فعلاً خلف الدولة اللبنانية التي سبق أن سألت بلسان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبدالله بو حبيب عن «جدوى إرسال 3 مسيّرات في اتجاه كاريش خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الدبلوماسي ما يعرّض البلد لمخاطر هو في غنى عنها، وخصوصاً أن المفاوضات الجارية بمساع من الوسيط الأمريكي قد بلغت مراحل متقدمة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية