القاهرة ـ «القدس العربي»: أثار نجاح الثورة السورية وسقوط نظام بشار الأسد جدلاً واسعاً في صفوف المعارضة المصرية، فالبعض اعتبر أنه جاء نتيجة لقمع واستبداد النظام البعثي، فيما وصف البعض ما حدث بأنه مخطط أمريكي إسرائيلي، وأن سوريا قد تواجه أزمة التقسيم والفوضى بسبب المعارضة المسلحة والتاريخ الإرهابي لمحمد الجولاني في العراق وسوريا.
لكن الجميع اتفق على أن الثورة السورية بعثت برسالة لكل الأنظمة القمعية في المنطقة، أن مستقبلها لن يختلف كثيراً عن مستقبل الأسد إذا لم تراجع سياساتها القمعية والاقصائية.
مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أكد أهمية استخلاص العبر من التجربة السورية، لافتاً إلى أن تقييد الحريات وإقصاء الشعب، إلى جانب الحكم الأمني، أدت إلى انهيار مفاجئ للنظام وسط فرحة شعبية. هذا الوضع، وفقًا للزاهد، فتح الباب أمام الطائفية والجماعات الإرهابية، كما ساهم في تعميق فرص التفتيت والتقسيم وتوسيع الاحتلال الصهيوني.
وشدد الزاهد في تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع الفيسبوك، على ضرورة إطلاق سراح سجناء الرأي، ورفع القيود المفروضة على الأحزاب والنقابات، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات نحو حرية الإعلام واستقلال القضاء. وأشار إلى أن هذه الإجراءات أساسية لبناء دولة حديثة تقوم على مبدأ المواطنة، وتضمن المساواة، واحترام القانون، واستقلال السلطات.
كما دعا الزاهد إلى العودة لدستور 2014، خصوصًا فيما يتعلق بتحديد مدد وصلاحيات الرئيس واستقلال القضاء، مشددًا على أهمية مراجعة الاتفاقيات التي تمس سيادة مصر على مواردها الطبيعية، بما يشمل معاهدة كامب ديفيد واتفاقية الخرطوم.
وفيما يخص السياسة الداخلية، أكد الزاهد على دور الدولة في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين في مجالات الغذاء، والصحة، والإسكان، والتعليم. كما طالب بسياسات اقتصادية تعتمد على تطوير الزراعة والصناعة، والحد من الديون، ودمج الصناديق الخاصة في الموازنة العامة، بجانب تطبيق إجراءات حازمة لمكافحة الفساد وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء والموارد.
واختتم الزاهد تصريحاته بالدعوة إلى احترام التنوع الثقافي والفكري، وتعزيز حقوق المرأة والشباب والأقليات، وفتح المجال أمام حرية الإبداع والبحث العلمي والحريات الأكاديمية.
وكان حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق وأمين عام المؤتمر القومي العربي، تعرض لهجوم واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب وصفه نجاح الثورة السورية بالطعنة الغائرة في قلب العروبة.
واعتبر كثيرون أن التيار القومي في مصر يدافع عن بشار الأسد المستبد بسبب انتمائه لحزب البعث القومي.
وعاد حمدين ليكتب على صفحته على الفيسبوك: سوريا منزوعة السلاح هو أحد ملامح سوريا الجديدة التي خطط لها التحالف الأمريكي التركي الصهيوني، وشرع في تنفيذها بلا هوادة ولا إبطاء بالهجوم الواسع للعدو على كل موقع ومخزن ومعمل للجيش العربي السوري، فضلاً عن تمدد قوات الاحتلال خارج خط فك الاشتباك.
وأضاف: “هدف العدو ليس مجرد إنهاء الدور الكبير الذي قامت به سوريا كمعبر ومصدر لإمداد المقاومة بالسلاح بل نزع سلاح سورية ذاتها وتفكيك جيشها ومراقبة تسلحه مستقبلاً لضمان إبقائه عاجزاً عن حماية أمن سوريا ووحدة شعبها وترابها الوطني، وهو شرط لإكراه سوريا، رغم إرادة شعبها، على دخول بيت الطاعة الأمريكي ونفق التطبيع مع العدو الصهيوني بعد طول ممانعة ومقاومة”.
وتابع: “أصوات الانفجارات المتلاحقة لغارات نزع سلاح سورية، لم تعط إخوتنا السوريين فرصة كافية لفرحهم المستحق بأحبائهم العائدين من ظلام السجون ووحشة المنافي وانفتاح باب الأمل لمشاركتهم الحرة دون إقصاء في صياغة النظام السياسي الذي يرتضون”.
وواصل: “إذا كان درس التاريخ وعبرة اللحظة السورية الراهنة يؤكدان أن فضيلة الاستقلال الوطني ومقاومة العدو الصهيوني لا تشفع لخطيئة الاستبداد والإقصاء، فإن نفس الدرس يؤكد أن فضيلة الديمقراطية لا تشفع لخطايا التبعية والتطبيع”.
وختم صباحي: “نثق بأن شعبنا العربي في سوريا الحبيبة يعي تماماً هذا الدرس الذي دفع ثمنه غالياً، وندعو الله أن يعينه ويسدد خطاه لعبور هذا الانتقال الصعب نحو سوريا الجديدة التي تليق بشعبها العظيم دولة عربية قوية عادلة موحدة مستقلة ديمقراطية، وليس كما خطط لها أعداؤها؛ دولة بلا هوية، منزوعة الإرادة والسيادة والسلاح”.
حزب الاشتراكي المصري، قال إن الدرس الرئيسي مما تشهده سوريا يتمثل في المآل الكارثي الحتمي للنُظم الاستبدادية الفاشلة والفاسدة، حتى لو كانت قد أنجزت جانباً من تحديث المجتمع، ورفعت شعارات العداء للاستعمار والصهيونية.
وأضاف: “السلطة في سوريا احتكرت مغانم السلطة ونعيمها، وصنعت من بلدانها سجناً كبيراً؛ وكمَّمت الأفواه وأحالت حياة مواطنيها إلى جحيم، مُمَهِدةً الطريق لنجاح مؤامرات الأعداء بمنتهى السهولة، لأنها عزلت نفسها عن الاستقواء بالشعب، القوة الوحيدة القادرة على إنجاز عملية تغيير ديمقراطي؛ يُحافظ على وحدة تراب الوطن ويُفشل التدخلات الخارجية، ويهزم الأطماع المحيطة بالوطن من كل جانب، الأمر الذي كان يقتضي احترام إرادة الجماهير، وعدم مصادرة حقها في الرأي والتنظيم، والعمل على تلبية حاجاتها الأساسية، والحفاظ على كرامتها واحترام إنسانيتها، ما لم يحدث، فكان نقطة الضعف الرئيسية التي تسلل منها العدو ووجه طعنته في مقتل”.
إلى ذلك، استنكر “الأزهر” انتهازية الصهاينة واستغلالهم ما تمر به سوريا للسطو على أرضها ومقدراتها، مؤكدًا أن هذا الكيان المحتل اعتاد على اغتصاب أراضي دول المنطقة، ونهب ثرواتها، وتسخير مواردها لخدمة مصالحه.
وطالب الأزهر في بيان، العالم العربي والإسلامي باتخاذ مواقف جادة وسريعة، والضغط الدولي من أجل وقف تمدد هذا السرطان وانتشاره في الجسد العربي عضواً تلو الآخر.
وقال الأزهر إنه يتابع التطورات التي تشهدها سوريا، ويتطلع إلى وعي الشعب السوري وأهمية تمسكه بوحدة بلاده ومقدَّراتها، والحفاظ على أرضها وحدودها، وأن يضع السوريون نصب أعينهم هدفاً واحداً لا ثاني له هو وحدة الكلمة، وأن يحافظوا على ترابطهم، مثلهم في ذلك كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وحذر الأزهر جموع السوريين من مخططات شديدة المكر تراد لتقسيم بلادهم، وكسر شوكتهم، وإغراقهم في مستنقع الصراعات والحروب الأهلية.
وواصل: “بعض القوى الشريرة لا تريد لسوريا أن تستقر وتزدهر”، ودعا الشعب السوري للحذر، وألا يغفل لحظة عن الوضع الحرج الذي يمر بها وبالمنطقة، لافتاً إلى أن “سوريا ذات تاريخ عريق وحضارة راسخة”.
وعلى المستوى الرسمي، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، على موقف مصر الرافض لاستيلاء إسرائيل على المنطقة العازلة مع سوريا والمواقع القيادية المجاورة لها، مشدداً على أن هذه التحركات تعد احتلالاً لأراض سورية وانتهاكاً سافراً لسيادتها، وتمثل خرقاً للقانون الدولي، مؤكداً ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته لوقف هذا الاعتداء على الدولة السورية.
جاء ذلك في اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي انتوني بلينكن. وبحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، بحث الوزيران خلال الاتصال مستجدات الأوضاع على الساحة السورية، حيث أكد الوزير عبد العاطي موقف مصر الثابت والداعم للدولة السورية وسيادتها ووحدة وسلامة أراضيها.
وتوافق الوزيران على أهمية تبني عملية سياسية شاملة في سوريا ترتكز على عدم إقصاء أي أطراف ومكونات وطنية سورية، وبما يمهد الطريق لعودة الاستقرار إلى سوريا.