صورة من المعرض لعمل فني لأندريه الباز
مدريد: كان الجمهور الإسباني،صبيحة هذا اليوم،على موعد مع حدث افتتاح معرض ثلاثية المغرب المقام بـ”متحف الملكة صوفيا”،أحد أكبر المتاحف بإسبانيا،والذي سيستمر إلى غاية 31 من شهر أيلول/سبتمبر من العام الجاري.
و يأتي تنظيم معرض “ثلاثية المغرب(1950-1920)”في إطار برنامج التعاون الثقافي ما بين إسبانيا والمغرب في مجال المتاحف،والذي يجمع “المؤسسة الوطنية للمتاحف” بالمغرب ووزارة الثقافة والرياضة في حكومة الإسبانية، بتعاون مع”المتحف العربي للفن الحديث” بدولة قطر.
وفي إجابته على سؤال يتعلق بفكرة تنظيم معرض تشكيلي للفن المغربي بـ”متحف الملكة صوفيا” ،أجاب عبد الله كروم،قيم معرض“ثلاثية المغرب ”،قائلا: “كنت في حوار مستمر مع مدير المتحف الإسباني منذ سنة 2007 ولكن بدأنا العمل ،عندما دعاني سنة 2016 لاقتراح معرض،والمشروع لم يكن بهذا الحجم في البداية..لكن بعد زيارتي الى فضاء المتحف ونظرا لامكانية توفر المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة على عدد كبير من الأعمال التاريخية للفنانين المغاربة اقترحت ان يكون المعرض تاريخيا وشاملا للفن التشكيلي وكذلك السينما وأرشيف عن الفنون الأخرى”.
وأضاف الباحث الفني “لقد جاء تنظيم معرض“ثلاثية المغرب ”نتيجة عدة سنوات من البحوث والعمل مع فنانين ومتخصصين في كل المجالات الثقافية والعلوم الإنسانية والتاريخ حول المغرب الحديث”.
وأردف الخبير الدولي في تنظيم المعارض الفنية،مؤكدا:”لقد قررت كتابة وبناء هذا المعرض بهدف معرفي حول تاريخ الفن في المغرب، و لخلق فرصة للتعريف بشكل جدي بهذا التاريخ والدور الذي يلعبه الفنانون في المجتمع”.
وعن تنظيم “ثلاثية المغرب ”في المتحف الإسباني،لم يفت مدير”المتحف العربي للفن الحديث” بقطر الإشارة إلى أن” مجال المتاحف في عصرنا أصبح متصلا بجميع المجالات و الجغرافيات حيث يمكن ان نقول ان فكرة الوطنية والانتماء الى دولة محددة صار نسبي وأن الأنظمة المغلقة والحصرية ليس لها مستقبل على المدى الطويل”.
ويتابع ابن منطقة الريف(شمال المغرب،1970)قائلا:”أن ما يتضمنه معرض“ثلاثية المغرب” وما يعكسه من صلة ما بين الفن والتاريخ والسياسة شبيه بالعديد من البلدان، خاصة دول شمال افريقيا والشرق الاوسط”.
واختار المنظمون تقسيم الأعمال المعروضة حسب الحقب التي نشأ فيها الفنانون وتاريخ إبداعها،حيث تم تصنيفها،بالارتباط بالمحطات السياسية التي عاشها المغرب،إلى ثلاثة مراحل كبرى:
مرحلة الاستقلال(1950-1969): والتي تتميز بكونها مرحلة تاريخية جد مضطربة للغاية، تم خلالها التعبير في المجال الفني عن تلك النقاشات التي عرفتها وتتمثل في جانبين محوريين شكلا خلفية المفاهيم المرتبطة بالحداثة الفنية المغربية في الخمسينات والستينيات عند مقاربة بعدي الحاجة الوطنية والقومية وسؤال خطاب الهوية المحلية.
تأثر الجيل الأول من الفنانين المغاربة، الذين درسوا في مختلف العواصم الفنية الكبرى في العالم وكانت شاهدة عن بدايتهم الأولى، بالنقاشات النظرية العالمية..وعند عودتهم إلى بلدهم انتهج معظمهم التجريد كأسلوب يشكل الأداة المثلى للتعبيرعن طموحاتهم الوطنية ورغبتهم في الدافاع عن الهوية .
كما طرح فنانو تلك المرحلة مطلب إعادة النظر في مناهج التدريس التقليدية للفنون في المغرب بمنظور مستقبلي،حيث قام جل الفنانين،الذين بدأوا مشوارهم المهني في مدارس الفنون المحلية بالمغرب،بتبني القطيعة مع التراث الأكاديمي الغربي وعملوا على إحداث تحول جذري في منهج التعليم الفني المغربي خاصة في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وتوجهوا نحو دراسة المنتوج المحلي من خلال تطوير الحرف التقليدية والسعي إلى خلق أشكال فنية معاصرة وحداثية.
ومن جهة أخرى حافظت مدينة طنجة على دورها الريادي كنقطة عبور دولي للثقافة والفنون وملتقى لمختلف الحساسيات الوطنية والعالمية،حيث تم الانفتاح على المشهد الفني والثقافي الأمريكي (جماعة جيل بيت).
وشكل احتكاك المبدعين المغاربة بالجماعة الأمريكية فرصة لتطوير مخيلتهم وإبداعهم الموسيقي والمكتوب والبصري بل والأكثر من ذلك اتسمت إبداعاتهم برؤية جديدة ومختلفة وجذرية في الشكل والمضمون لإنتاجاتهم التي انتشرت عالميا ومن بينها السيرة الذاتية،الأكثر جرأة في الأدب المغربي، “الخبز الحافي” لمؤلفها محمد شكري والتي تعرضت للمنع لسنوات طويلة بالمغرب.
ومع أحداث مارس 1965 والتي ووجهت بالقمع المسلح ضد الطلبة والتلاميذ المحتجين في الدار البيضاء سترى النور مجلة “أنفاس”سنة1966،كان يديرها الشاعر عبد اللطيف اللعبي، لتشرع باب النقاش حول التاريخ والوقائع الاجتماعية الجديدة لما بعد الاستقلال.
وفي نفس السنة صدرت مجلة”لاماليف”،أدارت تحريرها زكية داود، الذي يحيل عنوانها على الرفض ورغم أنها عكست الاحتدام السياسي الذي كان يعيشه المغرب..فقد قدمت نفسها باعتبارها مجلة ثقافية واقتصادية واجتماعية..
المرحلة الثانية(1970-1999)و المعروفة باسم سنوات الرصاص،ستصبح مجلة “أنفاس”مرجعا للخطاب النقدي والعمل السياسي بالمغرب مما أدى بالنظام المغربي إلى منعها من الصدور في سنة 1972، كما تم منع أعمال فنية أخرى التي كانت جريئة في تساؤلاتها الفنية كفيلم “أحداث بدون دلالة” للمخرج مصطفى الدرقاوي و”حرب البترول لن تقع” للمخرج سهيل بنبركة..
وفي سنة1988،ستجد مجلة”لاماليف”نفسها مجبرة على تعليق صدورها بعد صدور قرار من السلطات بتخفيض عدد نسخ المجلة..
كما عرفت نفس المرحلة ظهور مجلة “أنتيغرال” التي تبتت فكرة تحرير المغرب من سلطة التقليد عن طريق الثقافة والفن.
وأمام الديناميكية الحية في الإبداع،سجلت المرحلة ظهور فن غير أكاديمي وغير نخبوي،فرض نفسه بقوة من طرف أسماء فنية عصامية بالمطلق، جلها من النساء، مثل الرائدتين الشعيبية طلال وفاطمة حسن.
وفي فترة الثمانينات من القرن الماضي،،نهج فيها المغرب سياسـة التقويم الهيكلي التي فرضتها
إملاء ات صندوق النقد الدولي وتأثره بمحيطه العالمي،بشكل عام،وبشمال إفريقيا والشرق الأوسط خاصة،عرف المغرب انتفاضتي(1981)و(1984)،تم مواجهتهما بالقمع المسلح،احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ..وفرض الخناق أيضا على مجموعة من المجلات الثقافية كـ”الثقافة الجديدة” و”البديل” و”المقدمة” والجدل”..في الوقت الذي عرفت فيه الساحة انتعاش البعد القومي تضامنا مع الشعب الفلسطيني الذي تمت الزيادة في تشتيته مع مطلع الثمانينات بعد طرده من لبنان.
وعملت السلطة المركزية على فرض رؤيتها في الساحة من خلال تأسيس مهرجانات رسمية وجمعيات تدور في فلكها و لم يصمد منها سوى “موسم أصيلة” لكونه ركز على الفنون البصرية منذ دورته الأولى سنة 1978.
و في التسعينات،أخذ المشعل جيل جديد من الفنانين تبنى مقاربات فنية جديدة تواكب التطور العالمي للإنتاج والتوزيع..ووظف تقنيات رقمية جديدة واستخدم فضاءات تجريبية لإيصال اعمالهم أمثال حسن الدرسي ومحمد الباز وسعاد كنون ومنير الفاطمي ويطو برادة..في الوقت الذي كرس بعض الفنانين نوعا من القطيعة مع الجيل السابق مستفيدين من هامش التعبير الذي بدأ يطفو على الوضع السياسي والمجتمعي العام.
المرحلة الثالثة(1999-2020):في أواخر التسعينيات،عرف المغرب توافقا سياسيا تميز بالانفتاح على وسائل الإعلام كإشارة إيجابية ومشجعة لمجتمع جديد..حيث ظهر جيل جديد من الفنانين الشباب ابتعد عن الماضي وعن مختلف القوالب السائدة وأسس لنفسه فضاءات بديلة ومراكز مستقلة للإبداع مثل “سنيما الريف” بطنجة و”الشقة 22″ بالرباط و”عين السبع”بالدار البيضاء..
مبدعو المعرض
ويضم معرض “ثلاثية المغرب ”أعمالا إبداعية لفنانين مغاربة،سواء أولئك الذين رحلوا أو الذين ما يزالون في بحث دائم لتجديد عروق وسواقي الفن المغربي المعاصر إلى جانب كتاب وسينمائيين أثروا في مراحل تشكيل التاريخ الفني بالبلاد.
ومن بين المشاركين الراحلين نجد:مولاي أحمد الدريسي(1924-1973)،شعيبية طلال (1929-2004)، جيلالي الغرباوي(1930-1971)،أحمد اليعقوبي(1931-1985)فريد بلكاهية (1934-2014)،أحمد الشرقاوي(1934-1967)،محمد عفيفي (1935-2009)،محمد شبعا (1935-2013)، محمد شكري(1935-2003)،محمد المليحي (1936-2020)،أحمد بوعناني (1938-2011)،محمد عطا الله(1939-2014)،ميلود لبيض (1939-2008)،فاطمة حسن (1945-2011)،محمد الدريسي (1946-2003)،عباس صلادي(1950-1991)،محمد قاسمي (1942-2003)،الطيب الصديقي (1939-2016).
وفنانين رواد لا زالوا يواصلون لذة الإبداع رفقة الأجيال المتعاقبة من التشكيلين :أندريه الباز(1934)،محمد مرابط(1936)،مليكة أجزناي(1938)،محمد حميدي(1941)أحمد العمراني (1942)،مصطفى حفيظ (1942)،عبد الرحمن ملياني(1944)،أحمد المعنوني(1944) ،مصطفى الدرقاوي(1944)،حسين ميلودي(1945)،بشير دمناتي(1946) ،محمد أبو الوقار(1946)،خليل الغريب(1948)،لطيفة توجاني(1948)،فؤاد بلامين (1950)،ناجية ميحادجي(1950)،بغداد بنعاس(1951)،مصطفى بوجمعاوي (1952)تهامي النادر(1953)،سعاد كنون(1956)،محمد العربي رحالي(1956)،فوزي العتيريس(1958)،حسن الدرسي (1961)،علي الصافي (1963)،محمد الباز(1967)،هشام بنهود(1968)،إيمان فاخر(1969)،رشيد وطاسي (1969)،ليلى الكيلاني(1970)،منير فاطمي(1970)،يطو برادة(1971)،ياسين بالبزيوي (1972)، محمد العولي(1972)،يونس رحمون(1975)،كريم رافي(1975)،صفاء الرواس(1976)،بدر الحمامي(1979)،ماريا كريم (1980)،مصطفى أكريم (1981)،محسن حراقي(1981)،سارة أوحدو (1986)،رندة معروفي(1987)،سكينة جوال (1991) كما تمت الاستعانة بتجارب أخرى للمشاركة مثل::إيتيل عدنان(1925) و برنارد بلوسو(1945).
أما المساهمون في النشر والبرامج العامة:عمر برادة،أحمد بوعناني،أحمد المعنوني،علي الصافي، ادريس كسيكس،عبد اللطيف لعبي،كنزة الصفريوي،عبدالله طايع،سلمى زرهوني والإسبانيين :تينا باروتي ومانويل بورخا بيليل.

لوحة فنتازيا لياسين بالبزيوي

صورة من المعرض
ويتسم معرض “ثلاثية المغرب ”بتباين أعمار المبدعين وتنوع مدارسهم واتجاهاتهم الفنية واختلاف مواقفهم السياسية والإيديولوجية حيث يسعى لربطها مع بعضها كسيرورة لتاريخ مشترك متعدد ومتنوع برغبة في حرية الإبداع..فما يجمع بينها هو انتصارها لقيم الجمال حيث«يصبح للفن دوره النشط في مختلف مظاهره المتعددة، بالنسبة للفرد والمجتمع معا،متجاوزا فكرة المركزية الأيديولوجية أو الأخلاقية.وبذلك يعلمنا الفن إمكانية إدراك المعنى، تخيل العدالة، بحثًا عن التقدم الثقافي والاجتماعي للإنسان المعاصر. ويمكن أن يساعد هذا الجزء من تاريخ المغرب على فهم حاضره والتفكير في مستقبله”كما يؤكد عبد الله كروم ذلك في كلمته التقديمية للمعرض .