معرض الفنان التشكيلي التونسي عز الدين البراري «تونس العميقة»: إدماج جميل وذكي للماضي والحاضر

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يقام هذه الأيام في الفضاء الثقافي سانت كروا في شارع جامع الزيتونة بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة، معرض للفن التشكيلي يضم أربعة وثمانين عملاً بالتمام والكمال، معظمها حديثة، للفنان التشكيلي التونسي عز الدين براري. ويحمل عنوان «تونس العميقة». والمعرض رحلة تأخذ زائره إلى العادات والتقاليد التونسية، ويتجاوز من خلالها الفنان المبدع بخياله الخصب العوالم المألوفة ليخلق مواقف وتفاصيل أخرى بعد أن أطلق العنان لفكره الخلاق ليتجول في أماكن من العاصمة وفي غيرها.

يشغل هذا المعرض الهام الغرفتين الكبيرتين والغرف الصغيرة المجاورة لهما في مساحة المعرض، ويجمع بين العديد من اللوحات كبيرة الحجم، بالإضافة إلى اللوحات ذات الحجم المتوسط ​​والصغير. وبطل هذه الرسوم الواقعية الحاضر الغائب في اللوحات هو من دون شك عز الدين براري الذي يشعر المرء أنه حاضر في تلك اللوحات بكل جوارحه وعاش تلك اللحظات التي تصورها لوحاته في حياته اليومية أو من خلال خياله الخصب.

الأسواق
العتيقة والشوارع

لقد كان البراري وباستمرار، سواء في هذه اللوحات المعروضة أو في لوحاته السابقة يحتفل بالأجواء التونسية داخل الأسرة ويعيش حياة التونسيين اليومية ماضيا وحاضرا في الأسواق العتيقة والشوارع وفي أماكن أخرى. ويرغب من خلال هذه اللوحات في تجاوز مسألة التصوير والتوثيق التي دأب عليها الكثير من أبناء مدرسته التشكيلية ليشكل من المشهد الخام مشهدا شديد التنوع يتضمن مواقف جديدة ومفاجآت.
وهكذا يعبر البراري الزمن ليستقر في الساحات العامة والأماكن المشتركة وحتى داخل البيوت العتيقة، أو «الدار العربي» كما يسميها التونسيون خاصة في وسط وضواحي تونس العاصمة، وذلك للاحتفال بتحضير الحلويات التقليدية لعيد الفطر أو «العيد الصغير» كما يسمى في تونس، وكذلك تحضير «العصيدة» بمناسبة المولد النبوي الشريف أو صناعة الكسكسي التقليدي من قبل النسوة أو ما يسمى «العولة» وتعني المؤونة. كما وثق البراري على طريقته الاحتفال بـ«تصديرة العروسة» أي جلوس العروس في الواجهة يوم زفافها مع الاحتفال، وأيضا طقوس «الحرقوص» وهو نوع من أنواع الزينة، وذلك في اليوم الثالث من احتفالات الزواج حسب العادات المحلية.
وصور البراري أيضا الباعة المتجولين الذين كانوا يجوبون الشوارع والذين لم يعد لهم أي وجود في العاصمة اليوم مثل بائع «الكانون» الذي كان يمتطي ظهر الحمار. والكانون باللهجة التونسية هو وعاء من طين يوضع فيه الجمر ويتم إشعاله للتدفئة في فصل الشتاء أو لطبخ الشاي أو لشواء اللحم في عيد الأضحى أو في أي وقت آخر.
كما تضمنت إحدى اللوحات بائع الآيس كريم الذي كان يعبر شوارع المدينة العتيقة وسط العاصمة، وشوارع الأحياء المحيطة بقلب العاصمة وذلك خلال فصل الصيف. وكان الأطفال في تونس يتجمعون حول هذا البائع ويخرجون من كل حدب وصوب وذلك بمجرد إطلاقه لصوت مزماره الذي حفظته الأجيال السابقة عن ظهر قلب.
واهتم البراري بما كان يحصل في الماضي من تعليم للبنات التونسيات للخياطة والتطريز عند امرأة مختصة في مكان يسمى «دار العلمة» وهو منزل قديم يتم أخذ الفتيات وهن مرتديات السفساري أو الحائك ذو الأصول القرطاجية الذي يغطي كامل أجسامهن ولا ينزعنه إلا في دار العلمة. وتعلم الخياطة والتطريز وأعمال أخرى منزلية يجعل البنت التونسية قادرة في ذلك العصر على إعداد جهازها عندما تتزوج وقادرة أيضا على الاعتناء بزوجها وأطفالها في البيت.
هو الحنين، على ما يبدو، من قبل الفنان التشكيلي التونسي إلى زمن مضى، زمن والدته وجدته، فهو لم يشهد تلك الأيام الخوالي ولكن من المؤكد أن هناك من روى له ما كان يحصل وما عاشه بأدق التفاصيل خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ربما الوالدة أو الجدة هي من روت له تفاصيل التعليم في دار العلمة وذلك قبل زمن تعميم وإجبارية التعليم على الجنسين مع الدولة الحديثة والذي جعل الفتاة التونسية تذهب إلى المدارس الحكومية للبنات قبل أن يتم جعل المدارس مختلطة وتُدرس الفتيات جنبا إلى جنب مع الفتيان.

تفرد وتجديد

وتجدر الإشارة إلى أن بعض العادات والتقاليد التي وردت في لوحات البراري في هذا المعرض ما زالت قائمة أو هي قائمة فقط عند القلة القليلة من الأسر التونسية أو اندثرت لتوها ولم يمض وقت طويل على هجرها من قبل التونسيين. ومن بين هذه العادات التي ما زالت قائمة إعداد العصائد في المولد النبوي الشريف، بينما عادة إعداد حلويات العيد في المنزل حافظت عليها بعض العائلات فقط فيما أصبح الباقي يشتري حلويات العيد جاهزة من المحلات، أما تصديرة العروس فهي قائمة إلى يوم الناس هذا.
ويرى نقاد ومختصون في الفن التشكيلي أن البراري متأثر بلوحات معينة لرسامين من مجموعة «مدرسة تونس» ورسامين آخرين مثل نجيب بلخوجة وتمثيلاته للهندسة المعمارية التقليدية لمدينة تونس التي ما زالت ملهمة للفنانين التشكيليين المحليين والأجانب وستبقى كذلك باعتبار سحرها الخاص وطابعها العريق وأصالتها. بينما يرى آخرون أن عز الدين البراري متفرد ومتميز ولديه رغبة في أن يرسم رؤيته الخاصة للحياة من خلال موضوعات مفرطة الاستخدام، لكنه يحاول أن يضيف لمسته الشخصية.
لقد رسم البراري في إحدى لوحاته ساحة عامة صغيرة يبدو أن إطارها المكاني هو المدينة العتيقة للعاصمة، وبدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه يستحضر الماضي وعبق التاريخ والأصالة. لكن فجأة تبرز للمتمعن في اللوحة شخصية تجلس في مقهى وتستعمل هاتفا خليويا يعمل بنظام حديث يبدو أن البراري أقحمه عن قصد ليبرز أن المكان وإن كان قديما وعريقا وشيد في الماضي وعلى النمط المعماري العتيق إلا أنه يبقى محبذا للإنسان المعاصر المطالب بعدم التخلي عن أصالته مع مواكبة الحداثة.
وفي لوحة أخرى، وفي إطار التجديد والتميز عن مدرسة تونس، يرسم البراري محلا لـ«حماص» وهو بائع الفواكه المجففة أو المكسرات كما تسمى في بعض البلاد العربية، وهو شخصية من النادر أن يلتفت إليها الرسامون رغم أهميتها في الحياة اليومية للتونسيين في العصر الحديث. فمن منا لا يذهب يوميا إلى هذه الأكشاك أو المحال الصغيرة لشراء المكسرات أو لشراء قوارير الماء أو لشراء بطاقات شحن الهواتف الخليوية؟
يُشعر البراري زائر معرضه في المدينة العتيقة للعاصمة أنه في الماضي الجميل، وفي الآن نفسه هو في الحاضر الذي يعبق أصالة مستمدة من هذا الماضي، وبالتالي لم يعد هناك فرق بين الأزمنة في هذا المعرض الحي الذي تكاد لوحاته تنطق وتتحدث عن مدينة حافظ عليها أهلها وتمسكوا بتقاليدهم وعاداتهم داخلها رغم التخلي عن بعضها بحكم المتغيرات الحياتية والتطورات التي شهدها العالم. إنه باختصار معرض يستحضر تونس الأمس واليوم ويستحق الزيارة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية