معرض القاهرة للكتاب .. قضايا مُعلّقة في الفضاء

انفتح معرض القاهرة الدولي للكتاب للجماهير يوم الجمعة الماضي. هذا هو المعرض السادس والخمسين منذ نشأته عام 1969. شهدت الأيام السابقة عليه نشاطا رهيبا علي صفحات السوشيال ميديا، وبصفة خاصة الفيسبوك، يعلن فيه الكتاب ودور النشر عن أعمالهم. هذا تقليد كل عام. لم أختلف عنهم فنشرت بحكم العادة، أكثر من خبر عن أكثر من كتاب جديد لي. لكني وجدت نفسي دائما بين قضيتين احترت بينهما، رغم أني أعرف الإجابة عن كل منهما، بحكم الحياة التي أمضيتها بين المثقفين. سأتحدث عن القضية الثانية أولا، ثم أعود إلى الأولى. القضية الثانية التي أقصدها ليست هذا الفيض المذهل من الروايات التي صارت كتابتها لكل عابر سبيل. والتي تحتاج إلى نقل النقاد إلى معسكر مغلق لمدة عام في صحراء، يفرض فيه عليهم الحاكم أن يقرأوا الروايات ويكتبوا عنها، وإلا لن يعودوا إلى المدن! ما أقصده هو أن هناك كتبا فكرية ونقدية وفلسفية وسياسية واجتماعية وغيرها من أمور العقل، حين يتم الإعلان عنها، لا تحظى بقدر كبير من الاهتمام والتعليق. بل كثيرا ما تمر مرور الغرباء على شارع خالي. هكذا يبدو لي العقل معلقا في الفضاء قليلا ما ينظر إليه أحد. طبعا لن نجد الحاكم الخرافي الذي سيجمع الأدباء في صحراء قائلا لهم، اكتبوا كتبا فكرية، أو اكتبوا عن المفكرين حولنا وكفي كتابة عن الأدب. والسبب بسيط جدا أنه على طول التاريخ يرى الحكام الفكر نوعا من «قلة الأدب»!
القضية التي ارجأتها والتي اعتبرها الأولى، رغم أنها شغلت قليلا من الكتاب، هي كيف يحدث هذا الزخم في الإعلان عن الكتب والندوات، في وقت تنفتح فيه السجون لأسماء رائعة من الكتاب والأدباء، آخرهم الشاعر أحمد سراج، لأنه أدار حوارا في موقع « ذات مصر» مع المترجمة والكاتبة ندي مغيث، عن زوجها رسام الكاريكاتير والمترجم أشرف عمر، المحبوس منذ خمسة أشهر تحت قانون الحبس المفتوح. الحوار الذي كما ذكرت في مقال سابق، جاء خاليا من أي حديث عن السياسة، لكن كان حافلا بالحديث عن حياتها مع زوجها قبل وبعد السجن، وعن ترجماته، ورسومه وحياتهما في البيت من مأكل ومشرب وعزلة للكتابة أو الابداع. السؤال المعلق هو كيف يكون الإقبال على المعرض وندواته، بينما يحدث ما يحدث حولنا وبيننا.

لكني أعرف أن أكثر الأدباء لا يهتمون بالسياسة، ولا يدخلون حتى في التعليق عليها، ولا ألوم أحدا ولا أندهش. فقط هو الشاعر محمد حربي أثار شجوني ببوست كتبه علي الفيسبوك عنوانه» سنحرر شاعرا بقصيدة» يدعو فيه الشعراء المشاركين في لقاءات شعرية بالمعرض، لإهداء قصائدهم للشاعر أحمد سراج، أو أن تكون قصائدهم عنه. ويبدأون حملة عنوانها هو عنوان البوست» سنحرر شاعرا بقصيدة» لكني أعرف أن أحدا لن يفعل ذلك، وإذا حدث سيكون واحدا أو اثنين منهم محمد حربي نفسه، ولن يتحول الأمر إلى ظاهرة. هذا كما قلت حال أكثر الأدباء الآن. حتى اتحاد الكتاب المصري قد أعلن منذ سنوات أنه نقابة وليس حزبا، ولا تعليق له على ما يحدث في السياسة. اتحاد الكتاب الذي كانت مسيرته كلها صراعا بين تيارين. تيار معتدل لا يريد أن يتورط في السياسة، وتيار نقابي يبحث عن مكاسب مادية للأعضاء مثل العلاج أو مرتب التقاعد. لقد عاصرت ذلك منذ نشأته في السبعينيات مع يوسف السباعي ثم ثروت باظة، وكلاهما كان ممثلا لتيار الاعتدال أو حتى السلطة الحاكمة. حكاية يطول الحديث فيها. كيف عادت السياسة مع سعد الدين وهبة، وكيف اختفت ثم عادت مع محمد سلماوي، لكن في إطار ثورة يناير وماسبقها وما تبعها من حراك، حتي زوال جماعة الاخوان المسلمين من الحكم، وترك سلماوي للاتحاد فعاد كل شيئ إلى الاعتدال، وارتفعت كما قلت لافته نقابة قبل كلمة اتحاد الكتاب، باعتبار أن النقابات لا علاقة لها بالسياسة!. لكن ذلك لم يكن سببا وحيدا في ابتعاد الكثيرين عن السياسة، إنما هي الحياة حول الجميع التي بدت لا طائل وراءها غير الكتابة. هكذا دائما أجد ما يجعلني لا ألوم أحدا ولا أزايد عليه. لقد لخص المفكر والأديب عمار على حسن حال المعرض هذا العام في بوست كتبه يقول فيه:
«تحوَّل معرض الكتاب إلى فعل بيروقراطى باهت، أشبه بالموالد التى لا تتغير طقوسها، ولاسيما مع انحراف النقاش عن القضايا الحقيقية التى تشغل الناس.. الخ . وسأوجز البوست الطويل، فهو يتحدث عن استبعاد أسماء ودور نشر، بينما القبض جرى علي الشاعر احمد سراج، ولا يجب أن يوقف ذلك الأدباء عن الاحتجاج ومحاولة كسر القيود. رغم ما هو واضح أمامنا، يعيدني الأمر إلى شيئ خاص عن معرض الكتاب نفسه. وهكذا تكون النوستالجيا ملاذا لأمثالي.

عاصرت المعرض في أماكنه الثلاثة التي مرَّ بها. الأول في المكان الذي شغلته الأوبرا الجديدة، بعد احتراق مبني الأوبرا الكلاسيكي الذي بناه الخديوي اسماعيل في منطقة العتبة. المبني الجديد للأوبرا جاء بنشاط الفنان فاروق حسني حين كان وزيرا للثقافة، وأتى له بمساعدات مالية من بلاد خارجية، فانتقل معرض الكتاب إلي أول مدينة نصر بعد ميدان العباسية. هنا صرت أنا من المثقفين الذين بحكم عملهم في وزارة الثقافة، أحد القائمين على النشاط ، وكان سمير سرحان قد تولى هيئة الكتاب، مُنشئة وراعية المعرض. صار نشاطي في إدارة المقهي الثقافي الذي شهدته مصر في المعرض لأول مرة. استمر عملي لأكثر من عشر سنوات حتى عام 2000 حين أعلنت ابتعادي عن كل عمل عام تاركا الفرصة لأجيال جديدة. شهد المقهي الثقافي ندوات هامة لكتاب مصريين وعرب وفرقا غنائية شبابية بينها مثلا فرقة «أولاد الأرض» للكابتن غزالي التي جاءت من السويس، أو الموسيقي والمطرب أحمد اسماعيل، أو غيره ممن يغنون للثورة والثوار، وأشعارا لشعراء مشاهير في ذلك. هكذا لم تنفصل الأغاني ولا الندوات عن السياسة من حولنا. الأمر نفسه كان يتم في قاعة الندوات الكبرى التي شهدت ندوات صاخبة، من أشهرها ندوة فرج فودة مع عدد من مفكري الإخوان المسلمين، والتي انتهت بتكفيره واغتياله بعد أيام. كما شهدت إحدي الندوات بالقاعة الكبري حديثا عن التوريث للحكم لجمال مبارك لا أذكر من كان فيها، انتهت بالنقد والانتقاد للمسألة من عدد من الجمهور. رغم ذلك كنت كثيرا ما أضحك وأنا في طريقي إلى المعرض، لأنه يقع جوار مبني الخانكة، أي مستشفي المجانين، وأفكر ضاحكا أنها يمكن أن تتسع ويحيط سورها بالمعرض! لم يكن المكان بعيدا فكان الزحام عليه شديدا. بعدها انتقل إلى مكانه الحالي في منطقة التجمع، كما انتقلت أنا إلى منطقة حدائق الأهرام بعيدا في الجنوب، وصارت المسافة بيني وبينه كبيرة، وبعدت معها الصحة، فلم أذهب إلى هناك غير مرتين أو ثلاث مع أحد الأصدقاء، وصرت أعتذر عن المشاركة في أي ندوة. اعتذرت هذا العام للكثيرين جدا يدعونني إلى حضور ندواتهم، ليس لأني أرى المعرض يتم تحت قضايا سياسة معلقة في الفضاء، بعيدة عن الأرض لأسباب ذكرتها، لكن بسبب هذا البعد في المكان وابتعاد الصحة معه. هي ندوة واحدة وافقت عليها وسأجعلها يوما أدور فيه على دور النشر، لأعود منها ببعض الكتب الفكرية الجديدة، وسيكون ذلك غدا الأول من فبراير، وستكون الندوة عن ابداع الكاتب عبد الرحيم كمال في السينما والتليفزيون. باختصار، سيشهد المعرض زحاما شديدا مثل كل عام، ليس فقط لكثرة الأدباء والمفكرين كما يبدو علي السوشيال ميديا، لكن لكثرة عدد السكان، وسهولة الانتقال للشباب، وستعتبر الدولة ذلك دليلا على نجاح سياستها، وتستمر الأسئلة المعلقة في الفضاء مكانها لا تنزل إلى الأرض، كما يحدث دائما بعد فشل الثورات.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية