القاهرة ـ «القدس العربي»: مع بداية كل عام دراسي في مصر، ترتفع الأصوات المطالبة بإغلاق مراكز الدروس الخصوصية، وتنظم وزارة التربية والتعليم مداهمات ضد الأخيرة، وسط توعد المسؤولين عن التعليم بالقضاء على الظاهرة، لكن سرعان ما تهدأ الأمور، وتستمر المراكز في العمل حاصدة أموالا طائلة.
وزارة التربية والتعليم المصرية وكعادتها كل عام، أعلنت تنظيم حملات مفاجئة على مراكز الدروس الخصوصية في القاهرة، مع تقديم بلاغات للنائب العام بشأن المراكز التي يتم ضبطها وتحويل المدرسين التابعين للوزارة للشؤون القانونية للتحقيق معهم.
أحمد صابر، المستشار الإعلامي للوزارة، قال إن «الوزارة لا تمنح أي تراخيص لمراكز الدروس الخصوصية نهائيا وليس من سلطتها». وأشار إلى أن «البديل للطلاب في المراكز يتمثل في مجموعات التقوية التي تنظمها المدارس».
وأوضح أن «الطالب الذي يرغب في رفع مستواه عليه الاستفادة من هذه المجموعات».
وأضاف «سيتم توزيع جداول المجموعات على الطلاب منتصف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل».
تغليظ العقوبات
وأشار إلى أن «الوزارة انتهت من إعداد مشروع قانون سيقدم لمجلس النواب، بعد موافقة مجلس الوزراء، بشأن تجريم الدروس الخصوصية، ضمن آليات الوزارة للقضاء على تلك الظاهرة».
وحسب صابر، فإن «القانون ينص على فرض عقوبات مالية كبيرة على المراكز غير المصرح لها، وحبس ممارس مهنة التدريس بدون تصريح، إضافة إلى تغليظ مواد عقوبة التعدي على المنشآت التعليمية والمعلمين أثناء تأدية مهام عملهم، تصل إلى السجن لمدد متفاوتة».
وأضاف «تم تعديل مادة في قانون التعليم الحالي لرفع سقف العقوبات المنظمة للتعامل ما بين الطلاب والمعلمين، والتي ستصل للفصل فورا في حالة ثبوت المخالفة».
واختلفت ردود الأفعال حول قانون تجريم الدروس الخصوصية، فالبعض رآه ضرورة للقضاء على مافيا الدروس الخصوصية، فيما رأى آخرون أن الأمر يحتاج إلى إعادة صياغة النظام التعليمي في مصر وليس مجرد صياغة قانون.
النائب محمد العقاد قال إن «مشروع قانون تجريم الدروس الخصوصية الذي أعدته وزارة التربية والتعليم، سيساهم بشكل كبير في التصدي لتوغل هذه الظاهرة التي أصبحت تستنزف جيوب المصريين بأكثر من 30 مليار جنيه»، وفقا لوزارة التربية والتعليم.
وأشار في بيان إلى أن «نجاح تنفيذ القانون مرهون بتكاتف الحكومة وأولياء الأمور معا، وحال النجاح في تطبيق القانون سيتم توفير كل هذه الميزانية الضخمة التي تلتهمها الدروس الخصوصية، ويمكن إعادة توجيهها في استثمارات أخرى، كبناء مدارس على سبيل المثال، وبذلك يشارك المجتمع المدني بالفعل في النهوض بالمنظومة التعليمية».
وشدد على «ضرورة زيادة الرقابة على المدارس، وتنقية المناهج وتنقيحها، حتى لا يلجأ الطالب للدروس الخصوصية، على أن يقتصر الأمر على المجموعات المدرسية بأسعار رمزية».
وطالب بـ»تطبيق العقوبات وتوقيع الغرامات على المخالفين، ولكن في الوقت نفسه لا بد من إعادة هيكلة أجور المعلمين، بما يتناسب مع الوضع حينذاك حتى لا تحدث فجوة أو خلخلة في المجتمع مع قطاع عريض، على أن يتم غلق كل مراكز الدروس الخصوصية، حتى تستعيد المدرسة دورها في كونها المكان الوحيد للتعليم».
تفاقم الظاهرة
المركز المصري للدراسات الاقتصادية، أصدر تقرير أمس الثلاثاء، قال فيه إن «ظاهرة الدروس الخصوصية تفاقمت في الأعوام الماضية وأصبحت تشكل عبئا على الأسر المصرية».
وحسب المركز، وفقا لآخر بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2015، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسر المصرية على التعليم حوالى 3700 جنيه، ويحتل الإنفاق على الدروس الخصوصية المرتبة الأولى في الإنفاق، حيث يزيد عن ثلث الأموال التي تصرفها الأسر على التعليم سنويا بنسبة تصل إلى 39.4٪، ويليه مباشرة الإنفاق على المصروفات والرسوم الدراسية بنسبة تصل إلى 31.8٪، والباقي يتم صرفه على الملابس والشنط المدرسية والكتب والأدوات الكتابية، ومصاريف الانتقالات والمصاريف التعليمية الأخرى.
مشروع قانون جديد لتجريم الظاهرة… ومركز اقتصادي يطالب بإصلاح منظومة التعليم
وبين المركز أنه «قبل تجريم الدروس الخصوصية أو تشديد العقوبة يجب حل المشكلة الرئيسية وإصلاح منظومة التعليم ومعالجة السلبيات التي أدت إلى تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية وحل المشكلة من جذورها وإلا لن تتمكن الحكومة من تطبيق القانون، وسيتم التحايل عليه ويتحول إلى حبر على ورق، وخصوصا أنها ليست المرة الأولى التي تعد فيها وزارة التربية والتعليم مشروع قانون لتعديل قانون التعليم قبل الجامعي، والنص على تجريم الدروس الخصوصية».
كثافة الطلاب
وأوضح أن «المنظومة التعليمية في مصر تعاني من مشاكل عديدة وعلى رأسها ارتفاع كثافة الطلاب في الفصول، فوفقا لإحصاءات وزارة التربية والتعليم، يبلغ متوسط كثافة الفصل في المرحلة الابتدائية في المدارس الحكومية 48.3 طالب، ويرتفع هذا المتوسط في القاهرة ليبلغ 53 طالبا وفي الإسكندرية إلى 57.5 طالب، ويصل متوسط كثافة الفصل في الجيزة إلى 64.3 طالب، علاوة على تدهور رواتب المعلمين وضعف التدريب والمناهج الدراسية التي تعتمد على الحفظ وتهالك مباني المدارس».
وحدد 6 إجراءات للنهوض بهذه المنظومة والقضاء على الدروس الخصوصية، تمثلت «في خفض عدد الطلبة في الفصل الدراسي ليصل إلى 25 طالبا حيث أن كثافة الفصل تؤثر على فهم الطالب لما يتلقاه، وعلى أداء المعلم حتى لو كانت كفاءته عالية، ويتطلب هذا بناء العديد من المدارس، وزيادة ميزانية التعليم في الموازنة العامة للدولة، وتعديل رواتب المعلمين وكافة العاملين وتطوير قدراتهم، وبناء وتطوير المدارس واستعادة دورها، وتطوير المناهج الدراسية والامتحانات والاعتماد على المشروعات والأنشطة والمشاركة للحث على التفكير بدلا من الحفظ، وربط التعليم بالتكنولوجيا الحديثة».
رقص وغناء
وشهدت مراكز الدروس الخصوصية عدة وقائع خلال الفترة الماضية، اعتبرها الكثيرون خروجا عن المألوف ولا تمت للعملية التعليمية بصلة، كان آخرها انتشار مقطع مصور على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرس يعتدي على طلاب ويسبهم بألفاظ نابية في أحد مراكز الدروس الخصوصية بسبب عدم شرائهم للملازم الدراسية التي يبيعها، كما انتشر مقطع مصور لمدرسين يعتمدون على راقصات واستخدام الغناء وآلات فنية في شرح المناهج.
وكان طارق شوقي، وزير التربية والتعليم، أعلن قبل بدء العام الدراسي، عن بدء النظام التعليمي الجديد، ووصفه بـ»الحلم القومي»، متوقعا أن «يلتحق بالنظام الجديد 2.5 مليون طالب في رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي، وهو النظام الذي لاقى انتقادات واسعة، خاصة فيما يتعلق بطبيعة المناهج الدراسية وإلغاء دراسة المستوى الرفيع للغة الإنكليزية في المدارس الخاصة».