تونس-“القدس العربي”: دقت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ناقوس الخطر خشية من خطر تفشي وباء فيروس كورونا بين المهاجرين واللاجئين خاصة في ليبيا وذلك بعد اكتشاف 18 حالة إصابة بهذا الفيروس الخطير. ودعت المنظمة الدولية إلى وقف فوري لإطلاق النار في عموم البلاد بين فريقي الصراع الرئيسيين وذلك لإتاحة الفرصة لجهود مواجهة هذا الوباء الذي أرق مضاجع العالم.
ويثير القتال المتواصل في ليبيا بين قوات حفتر والسراج مخاوف المجتمع الدولي خاصة في ظل المعارك المحتدمة في العاصمة طرابلس وخرق الهدنة رغم تفشي هذا الوباء الخطير. وتفيد التقارير الأممية بمقتل أكثر من 300 مدني ونزوح 150 ألف شخص منذ شهر نيسان/أبريل الماضي رغم إبرام الاتفاق المبدئي بشأن الهدنة الإنسانية. وحسب المنظمات الإنسانية، يُعدّ طالبو اللجوء والمهاجرون الموجودون في مراكز التوقيف الليبية الأكثر ضعفا لأنهم يفتقرون للوثائق القانونية اللازمة ومعرّضون للإصابة أكثر من غيرهم بهذا الوباء بسبب سوء وضع مرافق الصرف الصحي في هذه المراكز وبسبب محدودية الخدمات الصحية وأيضا ظروف الاكتظاظ.
الصرخة نفسها أطلقتها عديد المنظمات الحقوقية في ليبيا من بينها المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا والتي دعت الحكومة الليبية في طرابلس والمجتمع الدولي عموما لإعطاء الأولوية لمخاطر تفشي هذا الوباء في ليبيا وخاصة للاهتمام بوضع السكان والنازحين في مختلف أنحاء ليبيا التي انهارت فيها المؤسسات وافتقدت للبنية التحتية اللازمة، كما تصاعدت المخاوف إزاء عجز النظام الصحي المتدهور في البلاد عن استيعاب مستويات المخاطر كافة بصغيرها وكبيرها.
وطالبت المنظمة العربية أيضا بإيلاء العناية بالمهاجرين غير النظاميين ورعايتهم، وخاصة أولئك المحتجزين في مراكز مؤقتة في وضعية معيشية شديدة الخطورة في بعض البلدان العربية من بينها ليبيا.
تحديات كبرى
ولعل تردي الوضع الصحي في عموم ليبيا والصعوبات التي تعانيها المنظومة الصحية الليبية هي أكثر ما يثير المخاوف بشأن عدم قدرة البلاد على مواجهة الوباء في حال استفحاله. ورغم ذلك فان المجتمع المدني الليبي يلعب دورا هاما في دعم جهود مكافحة هذا الفيروس الخطير والوقاية منه خاصة في مراكز إيواء اللاجئين. في هذا السياق أكد الناشط الحقوقي الليبي جمال المبروك رئيس منظمة التعاون والإغاثة العالمية لـ “القدس العربي” أن هناك حملة أطلقت منذ أسبوعين لتعقيم مراكز الإيواء وتحصين جميع العاملين والنزلاء بهذه المراكز. وذلك وفق خطة عمل بالتنسيق والتعاون مع مكتب المنظمة الدولية للهجرة. وتستهدف هذه الحملة جميع مراكز الإيواء للاجئين التابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية ونقاط الانزال، من خلال عناصر تنفيذ الحملة، موضحا بالقول: “إن خلية الأزمة لمكافحة فيروس كورونا متكونة بقرار من رئيس جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا تبعا للقرار رقم 36 لسنة 2020. وهو يقوم على تنسيق مشاريع التعاون الفني والبحث والإنفاذ بالمنظمة الدولية للهجرة”. وقال إن خطة العمل تقوم على مرحلتين، تتضمن المرحلة الأولى التعقيم والتطهير في حين أن الثانية تقوم على التوعية والارشاد الصحي للعاملين والنزلاء في مراكز الإيواء حال انتهاء المرحلة الأولى .
وقال المبروك إن هذه الإجراءات سيتم تنفيذها وفق جدول زمني محدد، مؤكدا بأن هذه الخطوة يتم إنجازها بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية بالهجرة التي تعمل في ليبيا وتأتي المنظمة الدولية للهجرة في مقدمتها. وهي استجابة لنداء منظمة التعاون والإغاثة العالمية.
وتشير آخر الأرقام إلى وجود نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي يحتجزون في مراكز للإيواء في مدن بالعاصمة الليبية طرابلس، بالإضافة إلى وجود أكثر من 700 ألف يعيشون خارج هذه المراكز.
ويشمل مخطط التعقيم الذي تقدمت به منظمة التعاون والإغاثة العالمية 14 مركز إيواء في ليبيا تتوزع على عديد المناطق الليبية منها الزاوية، وطرابلس، وصبراتة، وزليتن، وزوارة، والحميدية، وسوق الخميس وهي تعاني من أوضاع إنسانية وصحية سيئة، وجاءت جائحة كورونا لتزيد الطين بلة والأوضاع صعوبة. وكانت المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد أطلقتا منذ مدة عمليات لإعادة اللاجئين إلى بلدانهم، ولكن تفشي وباء فيروس كورونا أوقف هذه العملية بشكل مؤقت. لذلك فإن الآلاف اليوم من المهاجرين في ليبيا لا يزالون محتجزين في مراكز الإيواء الليبية.
وقد سبق للمنظمة الدولية للهجرة أن ساهمت في نقل مئات المهاجرين من ليبيا إلى بلد مستضيف، ضمن برنامج العودة الطوعية، الذي تم بدعم من “الصندوق الائتماني للطوارئ” التابع للاتحاد الأوروبي لافريقيا. لكن بعد وقف رحلات الطيران بين دول العالم نتيجة لتفشي فيروس كورونا تعطل تنفيذ هذا البرنامج.
وأشارت المنظمة الدولية للهجرة عبر حسابها على “تويتر” إلى أن “العائلات اللاجئة ستتأثر بشكل مباشر بهذه الإجراءات سريعة التطور أثناء سفرهم، فيما تقطعت السبل بالبعض الآخر من هذه العائلات، أو انفصل بعض المنتمين إليها عن أفراد أسرهم”. كما عبرت مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة عن قلقهما من أن السفر الدولي يمكن أن يزيد من تعرض اللاجئين للفيروس القاتل. لافتة إلى أن “إعادة توطين اللاجئين لا تزال أداة منقذة للحياة بالنسبة لكثير من هؤلاء، ولذلك فإن المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة تناشد دول العالم، وتعمل بتنسيق وثيق معها لضمان استمرار هذه التحركات للحالات الطارئة الأكثر حرجاً؛ حيثما أمكن ذلك”.
وأضافت كل من مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن سريان مفعول التعليق سيبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة، وتشير المفوضية إلى أن الجميع: من مدنيين ولاجئين وطالبي لجوء، يواجهون تحديات صعبة خاصة في الوصول للمواد الأساسية والخدمات أو لإيجاد عمل، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود وإيجارات البيوت بشكل قياسي.
نظام صحي متردي
وتؤكد عديد المنظمات الدولية التي تعنى باللجوء بأن الحرب المتواصلة في ليبيا منذ قرابة تسع سنوات كانت لها تداعيات سيئة جدا على النظام الصحي الليبي، وهذا ما دفع عديد الشرائح الليبية إلى المداواة خارج البلاد وخاصة في الجارة تونس التي تحولت خلال الأعوام الماضية إلى الوجهة الطبية الأولى لدى الليبيين نظرا للقرب الجغرافي والمنظومة الصحية التي توفر الجودة ورقي الخدمات المتعلقة بالطبابة خصوصا في القطاع الخاص. ولكن اليوم يجد الليبيون أنفسهم أمام معضلة جديدة مع تفشي كورونا بالنظر إلى تردي النظام الصحي في بلادهم والنقص الشديد في عديد المستلزمات الطبية ونقص الأدوية وإغلاق العديد من المرافق الصحية التي تدمر بعضها خلال المعارك وفوضى السنوات الأخيرة. فالمداواة من وباء كورونا تختلف عن المداواة من الأمراض الأخرى التي كانت تحتم على الليبيين السفر إلى الخارج، فاليوم وأمام إقفال الحدود وانشغال المنظومة الصحية التونسية بمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا في تونس نفسها، يجد الليبيون أنفسهم اليوم أمام تحديات تحسين المنظومة الصحية لبلادهم لمواجهة هذا الوباء بالسرعة اللازمة.
أما بخصوص اللاجئين فإن الوضعية تبدو أكثر صعوبة، فرغم أن مفوضية اللاجئين تعهدت بتوفير احتياجات اللاجئين ومراكز اللجوء من مولدات كهرباء وسيارات الإسعاف وحاويات وعيادات طبية في الخيام إلا أن المخاوف تتصاعد بسبب اكتظاظ مراكز الإيواء هذه بالمهاجرين وعدم توفر ظروف الرعاية الصحية اللازمة. وهو ما دفع بالمنظمة الأممية إلى التحذير من حدوث كارثة إنسانية في ليبيا إذا لم يتم احتواء خطر تفشي هذا الفيروس.
وقال مكتب المفوضية في ليبيا في بيان إن “الأزمة الإنسانية في ليبيا تتفاقم مع احتدام الصراع وخطر تفشي وباء فيروس كورونا الجديد الذي يجلب الآن تهديدات جديدة”. ونقل البيان عن رئيس بعثة مفوضية اللاجئين في ليبيا جون بول كافالييري، قوله إن “الخطر الناجم عن كوفيد-19 إذا لم يتم احتواؤه إلى جانب النزاع الحالي يمكن أن يخلق كارثة إنسانية جديدة في ليبيا”. وأوضح “أن النازحين الليبيين واللاجئين وطالبي اللجوء ليس لديهم مأوى مناسب ويعيشون في أماكن مزدحمة، مع صعوبة الوصول إلى الصرف الصحي، ويواجه الناس صعوبات جسيمة في الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية”. ويعول عديد النشطاء على حملات التوعية للمواطنين وكذلك في مراكز اللجوء من أجل التقليل من خطر التعرض للعدوى.
ورغم الأوضاع المزرية التي يعاني منها المهاجرون في ليبيا إلا ان عمليات تهريب المهاجرين غير النظاميين لم تتوقف في أنحاء البلاد بدعم من شركات ومافيات الإتجار بالبشر. وقد تم إنقاذ أكثر من 250 مهاجرا مؤخرا قرب منطقة مداما (شمال النيجر) المحاذية لليبيا، وسيتم وضعهم في الحجر لأسبوعين في إطار تدابير الوقاية من فيروس كورونا المستجد. وحسب ما أكدت المنظمة الدولية للهجرة، فإن هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين ينحدرون من نيجيريا، وغانا وبوركينا فاسو.
والمعلوم ان ليبيا تحولت خلال الأعوام الماضية إلى منطقة عبور لآلاف المهاجرين الافارقة الهاربين من الأزمات والحروب في بلادهم ووجهتهم الأولى هي في الأساس القارة العجوز. وقد ساهم الانفلات الأمني الذي عرفته البلاد التي تمتلك سواحل بحرية طويلة يمكن العبور منها إلى دول الاتحاد الأوربي، لزيادة عصابات الإتجار بالبشر واللاجئين لنشاطهم في هذا البلد الذي بات يدر عليهم أموالا طائلة .
واليوم تبدو الحكومة الليبية برئاسة فائز السراج في طرابلس أمام تحديات كبرى يفرضها هذا العدو العالمي الجديد الذي تحول إلى كابوس يؤرق مضاجع الجميع ولا يميز بين بلدان فقيرة وأخرى غنية. فقد وضعت الحكومة إجراءات عديدة لمواجهة هذا الخطر المستفحل على غرار الإفراج عن أكثر من 400 سجين تحسبا لخطر انتشار فيروس كورونا. واعتبرت وزارة العدل الليبية أن هذا القرار هو “خطوة أولى في سياق التقليل من ازدحام المؤسسات العقابية” مشيرة إلى قرارات لاحقة مرتقبة تتضمن الإفراج عن المحكومين الذين قضوا أكثر من نصف المدة وكبار السن وذوي الاعتبارات الصحية الخاصة. ويؤكد عديد المراقبين بأن هذه الإجراءات يجب ان تتضمن أيضا مراكز إيواء المهاجرين، إذ يجب ان تكون هناك خطط لحماية ورعاية الجميع بما في ذلك اولئك المحتجزون في مراكز اللجوء. خاصة مع ارتفاع أعداد المصابين بالفيروس إلى 10 موزعين على طرابلس ومصراتة حسب المركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض.
كما قامت السلطات الليبية بإجراءات عديدة لمواجهة خطر كورونا أهمها إغلاق المنافذ البرية والبحرية ثلاثة أسابيع، وتعطيل الدراسة حتى نهاية الشهر الجاري، إلى فرض حظر التجول لمدة 12 ساعة يوميا. ولكن هذه الإجراءات اليوم تبدو ضعيفة وهشة في ظل غياب وقف كلي لإطلاق النار بين فرقاء الصراع في هذا البلد خاصة مع فشل الهدنة الأممية. والمفارقة ان إجراءات الحظر الصحي والعزل المنزلي التي فرضتها الحكومة الليبية في طرابلس تستثنى منها العمليات العسكرية التي لم تتوقف في هذا البلد بالرغم من الجائحة العالمية التي تهدد الجميع.