مع اقتراب موعد التوقيع: هل سيتجاوز اتفاق خريطة السلام في اليمن «شروط ومفاجآت» اللحظات الأخيرة؟

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء – «القدس العربي»-: يمكن القول إن اليمن بدأ العد التنازلي باتجاه تجاوز الحرب أو استئنافها، فالمراقبون هناك يحبسون أنفاسهم المعنوية انتظارًا لإعلان موقف الحكومة المعترف بها دوليًا من مسودة اتفاق خريطة الطريق للسلام هناك، الذي انتهت إليه الوساطة العُمانية والسعودية مع الحوثيين. ومن المتوقع أن يعقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعًا له خلال الأيام القليلة هذه عقب دعوة أعضائه للاجتماع في الرياض، للخروج بموقف نهائي من مسودة الاتفاق، لتبدأ في حال الموافقة عليها ترتيبات الأمم المتحدة لحفل التوقيع.
لكن مصدر دبلوماسي يمني أبدى تخوفًا من أن تمثل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وباتجاه إسرائيل العقدة التي قد تِؤخر أو تُفشل توقيع الاتفاق.
وقال المصدر لـ»القدس العربي» مشترطًا حجب هويته، إن واشنطن تُصرّ على ضرورة إيقاف الحوثيين هجماتهم في البحر الأحمر على السفن كضرورة لاستكمال ترتيبات التهيئة للتوقيع على الاتفاق، إذ تبقى لذلك الموافقة النهائية على مسودة الاتفاق من مجلس القيادة الرئاسي، الذي سبق وتسلم رئيس المجلس، رشاد العليمي، المسودة من المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، خلال لقائهما في 6 ديسمبر/ كانون الأول.
وأكد المصدر أن اليمن بات قريبًا جدًا من توقيع اتفاق السلام، لكن الأمر مرتبط بما ستشهده الأيام والساعات الأخيرة، في ظل ما تفرضه واشنطن علاوة على ما ستبديه الأطراف من مرونة لتقديم بعض التنازلات لتجاوز ما قد يظهر من تعقيدات واشتراطات وملاحظات في سبيل المضي بالبلد صوب السلام.
وقال: «في الوقت الذي تعمل دول على تهيئة أرضية السلام في اليمن ظهرت دول من خارج المنطقة وتحديدًا من جهة الغرب تبدي استعدادًا لدعم الحكومة عسكريًا لحسم المعركة لصالحها ضد الحوثيين، وهذا يعني أن ثمة من يريد أن يستمر اليمن في دوامة العنف، لكني استبعد أن تسمح دول الإقليم بهذا، لأنها ستكون المتضرر الأكبر».
وذكرت صحيفة «الغارديان» البريطانية في تقرير نشرته، الأربعاء، للمحرر الدبلوماسي، باتريك ويتنر، أن «الولايات المتحدة حذرت الحوثيين من أن خطة السلام في اليمن التي تم التفاوض عليها مع المملكة العربية السعودية وتم تسليمها إلى مبعوث السلام التابع للأمم المتحدة ستفشل إذا استمرت الهجمات على السفن التجارية قبالة سواحل اليمن».
وسبق وحذر المبعوث الأمريكي لليمن، تيم ليندركينغ، من أن هجمات الحوثيين البحرية تهدد جهود عامين من ترتيبات الذهاب بالبلد نحو السلام، في إشارة إلى ضرورة إيقاف هجماتهم للاستمرار في المضي بطريق السلام.
وكان كبير مفاوضي جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، محمد عبد السلام، قد أوضح في تدوينة له بشأن لقائه الأخير بالمبعوث الأممي في 7 ديسمبر/ كانون الأول في مسقط، أنه «تمت مناقشة المسار السياسي والعسكري والتقدم الذي تم إحرازه في خارطة الطريق وتجاوز أهم العقبات لضمان إنهاء العدوان والحصار وصرف المرتبات لجميع الموظفين والإفراج عن كافة الأسرى والمتعقلين وخروج القوات الأجنبية من اليمن وإعادة الإعمار والتهيئة للحوار السياسي» في إشارة إلى موافقة الحوثيين على المسودة، فيما لم يتطرق عبد السلام للشرط الأمريكي.
بل إنه أكد في آخر تدوينة له، الأربعاء، أن هجماتهم مستمرة حتى يتوقف العدوان على الشعب الفلسطيني، وقال: «سيبقى موقف اليمن مستمرًا وثابتًا إلى جانب الشعب الفلسطيني حتى وقف العدوان ورفع الحصار عن غزة».
المبعوث الأممي كان قد التقى في اليوم السابق للقائه بكبير مفاوضي الحوثيين رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، في الرياض، وسلمه مسودة اتفاق خريطة الطريق، التي كان المبعوث قد تسلمها من وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني.
وتوقعت مصادر يمنية أن يلتئم خلال أيام قليلة مجلس القيادة الرئاسي ومعهم رؤساء مجالس الوزراء والنواب والشورى للخروج بقرار الحكومة من المسودة النهائية.
ومن المتوقع أن يبدأ المبعوث الأممي عقب موافقة الحكومة على مسودة الاتفاق ترتيباته لحفل التوقيع، الذي من المرجح أن تشهده الرياض قبل أن يطوي هذا العام أيامه الأخيرة، لكن ثمة معوقات قد تحول دون ذلك، وهي ما اشترطته واشنطن وما تقدمت به بعض الدول من عروض لدعم الحكومة في استئناف الحرب مع الحوثيين وفق مصادر رجحت أيضًا أن التحالف الدولي الذي تسعى واشنطن لإنشائه بهدف حماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب قد يكون الهدف الأساسي منه هو القضاء على قوة الحوثيين، بعدما صارت صواريخهم تصل إلى إسرائيل.
وتحرص الرياض على تسريع خطوات وترتيبات توقيع الأطراف اليمنية على اتفاق السلام في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد عسكري قد تكون له تداعياته على جهود عامين من الدأب ترتيبًا للوصول لمرحلة توقيع الاتفاق، والخروج باليمن إلى رحاب السلام.
ردًا على الشرط الأمريكي، ذكر مصدر مقرب من جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) أنهم يرفضون طرح هذا الشرط، لأن هجماتهم البحرية لا علاقة لها بجهود السلام في اليمن، بل هي تندرج في سياق المناصرة لقطاع غزة، في ظل ما يتعرض له من عدوان إسرائيلي.
على الرغم من ذلك، ثمة تفاؤل حذر تعبّر عنه بعض القيادات اليمنية، كوزير الخارجية الأسبق، أبوبكر القربي، الذي كتب تدوينة على منصة إكس قبل أيام قليلة تحدث فيها عن لقائه بوزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، وأنه «طمأنني فيه على استمرار عُمان في جهدها لوقف الحرب في اليمن والتوصل لحل سياسي شامل يحمي مصالح جميع اليمنيين، الذي عليهم تحمل مسؤولية حماية مسيرة السلام من خطر الأزمات الإقليمية والدولية».
في الجملة الأخيرة من التدوينة (خطر الأزمات الإقليمية والدولية)، يلمح وزير الخارجية العماني وفق ما نقله عنه القربي إلى أن ثمة مشكلة قد تعيق الاتفاق، وهذه المشكلة مرتبطة بقدرة اليمنيين على تجاوز خطر الأزمات الإقليمية والدولية على مسار التوقيع، محملاً اليمنيين مسؤولية «حماية مسيرة السلام».
تنقسم خريطة طريق السلام في اليمن، وفق مسودة الاتفاق المزمع توقيعه، إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، وتعتبر مرحلة بناء الثقة، ومدتها ستة شهور، وتشمل وقف إطلاق النار بما فيها الهجمات العابرة للحدود، وترتيبات إنسانية واقتصادية، بما فيها استئناف تصدير النفط وصرف المرتبات، وفتح كلي للمطارات والموانئ، وتشكيل لجان لفتح الطرقات تدريجيًا، وإطلاق سراح كافة الأسرى والمعتقلين وفق قاعدة (الكل مقابل الكل)، وتشكيل لجان أخرى لمتابعة تنفيذ بقية جوانب الاتفاق. وشملت المرحلة الأولى أيضًا معالجات لتفاصيل كان مختلف عليها بين الطرفين تتعلق بالنبك المركزي أو ما يُعرف بصندوق صرف المرتبات، بالإضافة إلى توحيد العملة… لكن ما انتهت إليه معالجات كل هذه التفاصيل مازال محط تكتم.
فيما تشمل المرحلة الثانية، ومدتها عام كامل، إطلاق عملية حوار سياسي شامل تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة كافة الأطراف، وخلاله تبدأ القوات الأجنبية بالانسحاب من اليمن خلال عام، كما ستتم مناقشة وضع القوات المسلحة والأمنية، على أن يتم تحديد نوع وشكل قوام القوات، التي يمكن لكل طرف الاحتفاظ بها مؤقتًا.
المرحلة الثالثة، تستمر عامين، تتم خلالها مناقشة شكل الدولة والإعداد لانتخابات تُسلم خلالها السلطة للشعب.
وفي سياق توضيح خلفية شرط واشنطن على الحوثيين إيقاف هجماتهم في البحر الأحمر قالت صحيفة «الغارديان» إن هناك ضغوطًا في الكونغرس لتصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية. ونقلت عن دبلوماسيين قولهم «إن التصنيف سيعطل بدء المرحلة الأولى من خطة السلام المكونة من ثلاث مراحل، والتي تم التفاوض عليها بين السعودية والحوثيين».
وأضافت نقلًا عن ذات الدبلوماسيين: «إنه إذا تم تصنيف الحوثيين على أنهم جماعة إرهابية، فسيتم حظر الأموال التي كان من المقرر وضعها في البنوك لدفع رواتب الموظفين المدنيين، وهو مطلب رئيسي للحوثيين في المرحلة الأولى من خطة السلام. وبالمثل، فإن الافتتاح المخطط لأي موانئ بحرية أو مطارات لن يكون ممكنًا، وبالتالي إبقاء الاقتصاد اليمني في حالة خراب».
وشهدت مسقط جولات من المحادثات غير الرسمية بين السعودية والحوثيين قبل انتقال المحادثات إلى لقاءات رسمية تم بناء عليها زيارة وفد سعودي لصنعاء وآخرها زيارة معلنة خلال 8-13 أبريل/ نيسان الماضي، تلت ذلك زيارة لوفد حوثي للرياض في سبتمبر/ أيلول، وتمكنت هذه اللقاءات غير الرسمية والرسمية من الوصول إلى مسودة اتفاق خريطة طريق السلام، التي يتوقع أن ينعقد مجلس القيادة الرئاسي للوصول إلى موقف بشأنها خلال الأيام القليلة وسط مخاوف عديدة مما يعتبره البعض مفاجآت اللحظات الأخيرة، بما فيها تدخلات دولية تعيد خيار الحسم العسكري للواجهة.
على الرغم من كل ذلك تبقى الأيام القليلة المقبلة هي المحك الذي سيبرهن من خلاله اليمنيون قدرتهم على تحدي المعوقات وتجاوز إشكالات اللمسات الأخيرة للاتفاق، الذي يفترض أن يأتي بمعالجات لكافة الخلافات دون ترحيل بعضها، والمضي صوب حفل التوقيع، الذي سيمثل بالنسبة لليمنيين مرحلة جديدة لاستئناف حياتهم بعد تسع سنوات عجاف فقد فيها البلد جراء الحرب نحو 377 ألف شخص، وأصبح هناك 17.6 مليون شخص بحاجة للمساعدات في سياق مأساة إنسانية هي الأسوأ في العصر الحديث، كما خسر الاقتصاد اليمني نحو 126 مليار دولار وفق الأمم المتحدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية