تونس ـ «القدس العربي»: عرف الاقتصاد التونسي في الأشهر الأخيرة تراجعا لافتا في خدمة الدين الخارجي قدر بـ 20.3 مليون دينار، حيث بلغ حجم هذا الدين خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام 5302.6 مليون دينار مقابل 5322.9 مليون دينار خلال نفس الفترة من السنة الماضية. ولئن كانت تحويلات التونسيين بالخارج وايرادات قطاع السياحة التي بلغت 8166.2 مليون دينار قد غطت خدمة الدين الخارجي بنسبة تصل إلى 154 في المئة، وكذلك مداخيل تصدير الفوسفات وزيت الزيتون والمنتجات الصناعية وغيرها والتي ساهمت في تراجع العجز في الميزان التجاري إلى 2.2 في المئة مقابل 4.6 في المئة خلال نفس الفترة من السنة الماضية، إلا أن ذلك يعود أيضا إلى عدم قدرة الحكومة على الحصول على قرض جديد.
فقد سبق لتونس أن تقدمت بخطة إصلاحية لصندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض لسد العجز في الموازنة العامة وليكون منطلقا لدعم مؤسسات مالية أخرى للاقتصاد التونسي باعتبار أن ثقة صندوق النقد الدولي في بلد ما تزيد من ثقة دول ومؤسسات مالية عديدة في هذا البلد. ووافق الصندوق على مستوى الخبراء موافقة مبدئية على منح تونس القرض المشار إليه، ولم تتبق سوى موافقة مجلس إدارة الصندوق الذي رفض ضمنيا، وليس صراحة، منح تونس القرض وبقي يماطل بتعلات مختلفة.
ويرى البعض أن تراجع الرئيس قيس سعيد على ما وعدت به حكومة نجلاء بودن صندوق النقد الدولي في مفاوضاتها معه، مراعاة للمسائل الاجتماعية، هو الذي عطّل قرض الصندوق بالأساس. كما أن الخطاب الذي ينتقد إملاءات هذا الصندوق هو الذي خلق أجواء متوترة بين الطرفين باعتبار الأمر لا يتعلق بإملاءات وإنما بخطة إصلاحية اقترحها التونسيون على الصندوق ووافق على تفاصيلها تقوم بالأساس على رفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية والتخفيض في كتلة الأجور وعلى إيجاد حل جذري للمؤسسات العامة الخاسرة التي باتت عبئا على ميزانية الدولة.
لذلك فإن تراجع العجز التجاري في الأشهر الأخيرة إلى 2.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 4.6 في المئة في نفس الفترة من العام الماضي يراه البعض نتيجة طبيعية لتوقف الواردات أيضا بسبب عدم ثقة المتعاملين الخارجيين مع تونس بسبب عدم حصولها على قرض من صندوق النقد الدولي وليس فقط بسبب تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية. والدليل على ذلك أن الأسواق المحلية تفتقد إلى كثير من المواد الأساسية التي كانت تونس تستوردها من الخارج ولم يعد بالإمكان الحصول عليها بسبب غياب السيولات المالية.
كما أن جنوح الحكومة التونسية إلى الاقتراض من البنوك التونسية ومؤسسة البريد التونسي دليل على الأزمة التي يعيشها البلد بسبب رفض صندوق النقد الدولي اقراضه. فالتداين الداخلي وإن كان يساهم في تحسين المؤشرات في علاقة بالميزان التجاري وخدمة الدين الخارجي إلا أنه يحمل العديد من المخاطر الاقتصادية التي حذرت منها بعض وكالات التصنيف الائتماني السيادي.
سلاح ذو حدين
وحول تأثيرات انخفاض المديونية الخارجية مقابل ازدياد المديونية من الداخل قال المحلل الاقتصادي رضا الشكندالي لـ«القدس العربي»: «في الحقيقة ليس هناك انخفاض على مستوى المديونية الخارجية، بل هناك نوع من تحويل جزء من المديونية الخارجية إلى المديونية الداخلية خاصة في ظل الصعوبات التي تعترض الحكومة على مستوى التقدم في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وبالتالي هناك ضرورة للاتجاه نحو المديونية الداخلية ونحو الاقتراض عبر البنوك التونسية». وأشار في هذا السياق إلى أنه طرحت مسألة استقلالية البنك المركزي لدفعه للنظر في إمكانية الاقراض المباشر للدولة بما أن السيولة تناقصت بشكل كبير لدى البنوك التونسية التي تأخذ عمولة مقابل هذا الاقتراض، خاصة وأن القانون الأساسي للبنك المركزي يمنع الإقراض المباشر للدولة التونسية. وأوضح محدثنا بان هناك جدلا قائما بعد زيارة الرئيس التونسي للبنك المركزي وإثارته لمسألة الوساطة بين الحكومة وبين البنك المركزي عبر البنوك التي تحقق أرباحا كبيرة جدا جراء هذه الوساطة بينهما. فهناك صعوبات مالية كبيرة تعترض الحكومة خاصة على مستوى تعبئة الموارد الخارجية من العملة الصعبة وبالتالي هناك تفكير حتى في أوساط البرلمان التونسي في إعادة النظر على مستوى القانون الأساسي والتوجه نحو المزيد من الاقتراض الداخلي. واعتبر الخبير الاقتصادي بأن «لهذا تداعيات سيئة على مستوى التضخم المالي. بما انه سيقع ضخ سيولة في الاقتصاد التونسي من دون مقابل ونماء للثروة وهذا سيؤدي بالفعل إلى تسريع معدلات التضخم المالي».
وأعرب محدثنا عن اعتقاده بأنه يمكن للبنك المركزي أن يقرض مباشرة الدولة ويمكن تغيير القانون الأساسي إذا توفرت بعض الشروط أهمها انه لا بد ان يكون هذا الإقراض موجّها إلى غايات إنتاجية وإلى تمويل نفقات التنمية وليس إلى نفقات الاستهلاك. وبالتالي هكذا تمويل لن تكون له تداعيات سيئة على مستوى الاقتصاد بما ان تمويل نفقات التنمية سيدفع إلى مزيد الاستثمار والنمو الاقتصادي. ولا بد ان يكون هذا التمويل محددا على مستوى المبلغ وفي إطار التعاون بين الحكومة والبنك المركزي في إطار سياسة جديدة مزدوجة بين السياسة النقدية والجبائية تعوض السياسة النقدية المنفردة من طرف البنك المركزي والسياسة الجبائية المنفردة من طرف الحكومة».
وعما إذا كانت القروض السابقة التي اقترضتها الدولة من البنوك المحلية سارت نحو الاستهلاك أو الاستثمار تابع بالقول: «قانون الميزانية لا يحدد مآلات هذه الأموال وهناك فصل في قانون الميزانية لا يعترف بالتخصيص وعندما تقترض الحكومة الأموال من طرف البنوك أو تعبئ الموارد الخارجية فهي غير مطالبة بإبراز مآلات هذه الأموال».
مؤشرات إيجابية
يشار إلى أن تونس سجلت عديد المؤشرات المتعلقة بتصدير الفوسفات أو عائدات تصدير زيت الزيتون أو تحويلات المغتربين في الخارج وفي هذا السياق أوضح الشكندالي: «هذه الأرقام إيجابية جدا وهي مبالغ مهمة من تحويلات التونسيين في الخارج والتي فاقت عائدات السياحة وهناك موسم مهم واعد جدا بالنسبة لهذه السنة على المستوى السياحي وهو سيسهم في انعاش خزينة البنك المركزي. وبالتالي التقليل من التداعيات على الدينار التونسي. وحتى ان كانت هذه المبالغ غير كافية لتماسك قيمة الدينار لكنها ستسهم في عدم الانهيار على مستوى قيمة الدينار وبالتالي ستكون لها تداعيات جيدة على مستوى التضخم».
وإلى أي مدى في ظل هذه المعطيات يمكن لتونس أن تصمد من دون قرض صندوق النقد الدولي يجيب محدثنا: «أعتقد أن المؤشرات الحالية يمكن ان تساعد الحكومة على تجاوز الأزمة من هنا إلى آخر هذه السنة، لان هناك تكاليف قد تقلصت فيما يتعلق بميزانية الدعم في ميزانية الدولة على مستوى الحد من توريد المواد الأساسية. وشاهدنا ان التزود بالمواد الأساسية قد سجل انخفاضا وهذا كان له تداعيات جيدة على مستوى الميزانية ولكن له تداعيات سيئة على المستوى الاجتماعي. وكذلك عندما أمضت تونس على مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي وعد الاتحاد بتقديم مبلغ لتونس – لم يتم تحديده بعد- وهو سيدفع دولا أخرى إلى إقراض تونس». وفي المقابل شدّد محدثنا على أهمية ان تتحرك تونس دبلوماسيا وان تبرز لهذه الدول انها ماضية نحو الإصلاحات وبالتالي سيكون الطريق ممهدا للتقدم في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لأن المبلغ المطلوب الذي لم تتمكن تونس من تعبئته بعد ليس صعبا على الحكومة أن تؤمنه ان تحركت على المستوى الدبلوماسي، وفق الشكندالي.