لا يزال الاتجاه نحو إنتاج البرامج الكوميدية العبثية مُستمراً كملمح أساسي من ملامح شهر رمضان، رغم موجات الرفض المُتزايدة والمُتكررة كل عام، وبالطبع يأتي الربح الخيالي من عائد الدعاية والإعلان، كأهم عناصر التشجيع لبقاء النوع الإعلامي الاستهلاكي والمُتاجرة به، فالأرقام تتضاعف مع مُضاعفة نسب المُشاهدة واتساع مجال الترويج في المحطات الفضائية المُختلفة.
لقد انتقلت عدوى الكوميديا المبنية على المقالب التي يقع فيها الضيوف من نجوم السينما والمسرح وكرة القدم جراء التدبير والدهاء المهني، الذي يتمتع به صُناع هذه النوعية من البرامج التي أصبح ارتباطها برمضان ارتباطاً شرطياً، فلم تعد حكراً على شخص معين أو مجتمع بذاته، فقد انتشرت صيغ المُبالغة والتهويل في معظم برامج التسلية، فاختلط المقلب التقليدي المعهود في برنامج رامز جلال على سبيل المثال بأفكار التحايل والمواجهات القاسية في برامج أخرى، حملت عناوين متنوعة كـ«العرافة» و«حبر سري» و«توكتوك رمضان» وغيرها، والأخير صناعة خليجية منقول حرفياً من برنامج مُشابه سبق تقديمه العام الماضي في إحدى القنوات المصرية، مع اختلاف طفيف بين السيارة التي كان يتم في داخلها المقلب المصري بأداء تمثيلي لمذيعة مصرية شابة، والتوكتوك الخليجي الذي تستقله الإعلامية صاحبة اللكنة العربية.
وبغض النظر عن الأصل والمُقلد من البرامج، فالمُشكلة تكمن في الأساس في الإصرار على أن تكون التسلية الرمضانية على حساب المواطن البسيط حسن النية، أياً كانت جنسيته وثقافته ودرجة وعيه، لأن الهدف من الإعلام ليس التسفيه ولا السخرية ولا ترويع البسطاء باسم الكوميديا والفكاهة، وإنما الهدف الأسمى هو تنمية الوعي والإدراك والتواصل المعرفي والثقافي بين كل الفئات. لا شك في أن بطل برامج السخرية والتهكم ومُحقق الأرقام القياسية في مشاهدتها هو رامز جلال، فقد أفنى عشر سنوات من عمره على الأقل في إعداد وتقديم نوع واحد فقط من الترفيه المزعوم، يتفنن سنوياً في تغيير شكله ومضمونه، بينما هو ثابت على غايته في الإيقاع بضيوفه، ليكونوا صيداً ثميناً له طوال ثلاثين حلقة على امتداد الشهر الكريم ضارباً عرض الحائط بردود الأفعال الجماهيرية والشعبية وانفعالات الضحايا من النجوم، مُكتفياً بالدعم المادي واللوجستي المتوافر له بقوة من رعاة البرنامج والعاملين على بقائه واستمراره في الكيفية ذاتها.
لقد استضاف رامز جلال في نسخته الجديدة «رامز للنهاية» نجوم ونجمات بارزين أمثال محمد رمضان وأحمد السقا ونهال عنبر ومحمد فراج، وكالعادة أوقعهم في شباكه بحيله المتطورة، ولم يعبأ بما أصابهم من هلع وخوف، ولم يكترث بردود الأفعال، سواء من النجوم أو النجمات، فالكل سواء طالما أنهم صاروا في قبضته، وفي النهاية يتم استرضاؤهم ببعض العبارات اللينة والكلمات المعسولة لامتصاص الغضب والتهدئة، قبل المثول أمام عدسة الكاميرا والاعتراف بأن أحدا منهم لم يكن يعلم بتفاصيل المقلب المُدبر منعاً للتشكيك في المصداقية وتلقائية الأداء، رغم أن الاعتراف في حد ذاته بعدم العلم والدراية المُسبقة بالتفاصيل يؤكد مبدأ العدوانية، وسبق الإصرار والترصد، لكن لا بأس فالمكافأة السخية تحل الإشكال وتُنهي كل الخلافات وهكذا تستمر الحلقات والمقالب.
نأتي إلى برنامج «العرافة» المُستحدث وهو من الفصيلة الإعلامية نفسها مع اختلاف نوعي في شكل الحلقة وطريقة الأداء والتنفيذ، حيث يجلس الضيف أمام المذيعة بسمة وهبي، لتواجهه ببعض المواقف الشخصية والخاصة جداً ولا مجال للهروب من الإجابة، أو التذمر فمن حق المُذيعة فتح كل الملفات وطرح كل الأسئلة الحساسة والشائكة، تماماً كما لو كان الضيف المدعو للمناقشة أسيراً، ففي حلقة المُطرب الشعبي سعد الصغير اتسم الحوار بالحدة، وأخذ شكل التربص إلى الحد الذي وتّر الضيف وأفقده تركيزه. كذلك حلقة محمد فؤاد دفعت المُحاورة بكل طاقتها ضيفها الهادئ إلى العصبية، وتسلطت عليه بالأسئلة حتى خرج عن شعوره فهاجم خصومه بعد أن استبد به الحنق والغضب، ووصل إلى أقصى درجات الاستفزاز، وحينئذ انتهت الحلقة بفرحة المذيعة الموهوبة وسعادتها الكاملة لتمكنها من الوصول إلى أعماق الضيف المغبون!
وفي برنامج «حبر سري» لاحظنا اجتهاداً مُضنياً من مُقدمته الإعلامية الشابة أسماء إبراهيم في اختيار زاوية الحوار، حسب طبيعة الضيف وما يتوافر عنه من معلومات سرية تخص حياته وأسرته ومجال عمله إلى آخره، فلا شيء محظور على الإطلاق طالما هناك إجابة يُمكن أن تُقال وجمهور مُتابع ورغبة محمومة في التفوق على البرامج المُنافسة، فمن بين من تمت استضافتهم المُنتج السينمائي الشهير محمد مختار، فما إن بدأ الحوار حتى تحول إلى مُحاكمة وأسئلة مُتلاحقة حول علاقته بطليقته نادية الجندي وظروف الطلاق وأوجه التعاون والصداقة التي لا تزال تربطهم ببعض. وقد انتهي التفنيد في ملف نادية الجندي ليتم التعريج على ملف رانيا يوسف طليقته الثانية، وأم أولاده ووصل الأمر إلى إثبات الحقائق بالمُستندات الرسمية ولم يتوقف الحوار، بل امتد إلى بناته وعلاقته بهم وهلم جرا.. ساعة أو أقل قليلاً قضاها الضيف في الرد على أسئلة شخصية لا صلة لها بالفن والإبداع، اللهم غير الأسماء المذكورة من النجوم والمُقحمة في المُناقشة وتلك هي حرية التعبير.
الحديث يطول عن نماذج كثيرة من هذا النوع لكننا سنكتفي بهذا القدر.
كاتب مصري