كنت أهيئ نفسي للحديث عن «مريم» فتاة حي المعادي في القاهرة، التي قتلها لصوص وهم يحاولون سرقتها وهي تمشي في الطريق، وعن تكرار هذه الحوادث مع المرأة، باعتبارها صارت كائنا مباحا بعد نصف قرن من الفكر السلفي المتخلف والوهابي، وبعد عشوائية الحياة في البناء وغيره، وانتشار الفقر، وغير ذلك مما يعانيه المصريون، ما أعاد الحوادث إلى العصور الوسطى، وكأنك تقرأ تاريخ ابن إياس أو الجبرتي، لكن وقع حادث فرنسا، رغم أن ردود فعل الحادثين لا يختلفان فهناك من قال عن الضحية مريم إنها متبرجة، وتستحق ما جرى! وهناك طبعا من دافع عنها وأدان الحادث البشع، خاصة الفتيات اللاتي رحن يحكين حكاياتهن مع مثل هذه العصابات، وما تعرضن له، سواء من سرقة أو تحرش ما يكفي مجلدا كبيرا من الحكايات البشعة.
لكن اشتعلت الدنيا بعد أن قتل تلميذ مراهق مسلم مدرس التاريخ الفرنسي في الطريق، وكان قد عرض على التلاميذ رسوم جريدة «شارلي إيبدو» الساخرة من الرسول محمد عليه السلام، وهو يناقش معهم حرية التعبير، ثم فصل رأسه عن جسده. الجريمة بالطبع بشعة. وكما توقعت اشتعلت الدنيا بين تأييد ومعارضة. كنت أعرف كل ما سيقوله المؤيدون. سيضربون لنا الأمثلة على ما فعلته فرنسا في الجزائر يوما، وعلى ما فعلته الدول الاستعمارية في مستعمراتها من ناحية، ومن ناحية أخرى سيدافعون عن قداسة الرسول الكريم، وسيحاججون المسيحيين، بأنهم إذا كانوا لا يغضبون من السخرية من المسيح فهذا ليس معناه أن نقبلها على النبي محمد. لا أحد من المعارضين فكر أو يفكر في مكان وزمان الحادثة البشعة. الحادثة البشعة وقعت في فرنسا، حيث تعيش جالية مسلمة كبيرة، أكثرها من ذوي الأصول العربية. هؤلاء لم يدخلوا فرنسا عنوة، ولا بعد معارك انتصروا فيها على الفرنسيين فاحتلوا بلادهم. هؤلاء ركبوا البحار وعانوا الأهوال ليجدوا ملاذا بعيدا عن بلادهم الطاردة، لأسباب نعرفها جميعا، فهي ما بين قتل واضطهاد، وفقر مدقع.
كما أن هناك من استقر في فرنسا وغيرها طموحا لمستقبل أفضل في العلم والثقافة. في فرنسا هذه ألفان وخمسمئة مسجد، وهو رقم دال جدا على أن حرية العبادات مكفولة للجميع. تعاني فرنسا طبعا من بعض الأفكار المتطرفة التي وفدت في السنوات الأخيرة إلى بعض المسلمين هناك، وعانت فرنسا من رد الفعل الإرهابي أكثر من مرة، بعد أن رسمت صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة أصلا رسوما مسيئة للرسول محمد أول مرة عام 2017. وحين خرج الرئيس الفرنسي ماكرون أخيرا ليعلن أن الاسلام في أزمة، هاجت الدنيا ولم يفكر أحد أنه يقول ذلك على سبيل الرمز والمجاز، فالذي يفعله بعض المسلمين بحجة الإسلام يسيء إلى الإسلام، خاصة أفعال القتل.. توالت الانتقادات له وكثير جدا من هذه الانتقادات أيضا عادت للماضي. ما فعلته فرنسا في البلاد التي احتلتها، وما فعلته غيرها من أوروبا أو أمريكا. وهكذا صار التاريخ القذر أكبر مبرر لقذارة الحاضر، رغم اختلاف الزمن.
لا خوف عندي من رد الفعل الفرنسي الرسمي، لكن الخوف أن تكون ردود الأفعال العربية مفتتحا جديدا للإرهاب أكثر. مادمت تجد المبررات في التاريخ، فلا تسل عن القانون في الحاضر.
لم يفكر أحد أن الدولة التي تسمح بهذه الهجرات الكبيرة للمسلمين، قطعت شوطا كبيرا في الفصل بين الدين والدولة، فهي لا تقبل المهاجرين لدينهم، لكن لإنسانيتهم المُعتدي عليها في بلادهم، ولما يجدونه في بلادهم من ظلم وقهر. هذه السنوات الطويلة لهجرة المسلمين إلى فرنسا أو أوروبا عموما غيرت بالتأكيد الكثيرين منهم، فعاشوا في هذه البلاد الجديدة كما يعيش أهلها، واضعين الدين في قلوبهم، بينما عقولهم في العمل والاستمتاع بالحياة أو بناء حياة جديدة. لا شك في أن هناك أماكن امتلأت بالمهاجرين المسلمين، تم اهمالها إلى حد كبير فصارت الحركة فيها ليست كما هي في بقية المدن. ففيها جرائم وسرقة شائعة وغير ذلك، ورغم أن هذا جاء في كلمة ماكرون، من أنه لا بد من إعادة النظر في التقصير بحق هذه المناطق، إلا أن أحدا لم يلتفت إلى المعنى والحقيقة. أُعتبَر حديث ماكرون في أحسن صوره مغازلة لليمين من أجل الانتخابات المقبلة بعد عام، وأن كل شيء على ما يرام حتى الأحياء العشوائية التي يسكنها المهاجرون زي الفل. لا خطأ يأتي من المسلمين لأن دينهم الاسلام، والحقيقة أن الأخطاء هي التي شوهت الإسلام عند أي شخص عادي.
اعتبر الكثيرون ما حدث أخيرا رداً على ماكرون، ونسوا أن هذا يمكن أن يُعد موقف المسلمين، بينما هو موقف متطرف لشخص متطرف، وليس مهما أنه من الشيشان أو غيرها. قليلون فرقوا بين حرية التعبير، التي أتاحت للمدرس تدريسها، وحرية القتل التي أودت بروح إنسان وفي بلده. مؤكد أن الذي حدث لا يمكن ربطه بالمسلمين ولا بالإسلام، لكن لماذا نجعله فعلا سويا، ولماذا والأزهر يدين ما حدث. يذكر الجميع بأن إهانة رموز الديانات يجب أن يكون هناك تشريع ضدها، ينسى أن الأمر في فرنسا، وفصل الدين عن الدولة أمر قديم، ولا يعني أحدأ رأي غيره في نبي أو وليّ، لكن الذي يعنيه هو حياته وعلاقاته مع الآخرين، واحترامه للقانون المدني، إلخ. مكان الحادثة هو فرنسا التي فصلت بين الدين والدولة، بعد ثورات مات فيها الآلاف لإبعاد الكنيسة عن الحكم، ولذلك من السهل جدا أن يفد إليها أصحاب الديانات الأخرى، فالدين ليس هوية، ولا سببا في العمل والتوظيف ولا الترقي. بنت لهم فرنسا المساجد بدعم من الدولة، أو بدعم من دول عربية، خاصة دول الخليج العربي، ليتعبدوا فيها، ولم تقل لهم ليس هنا غير المسيحيين. النظر في مكان الحادثة وزمانها سيوفر علينا أحاديث كثيرة. والآن فهذه الحادثة قد تكون دافعا أكبر لليمين الفرنسي، الذي قيل إن خطاب ماكرون كان من أجل مداعبته في الانتخابات المقبلة.
حقق الذي فعل الجريمة ذلك بدون أن يدري، وإن كنت على ثقة كبيرة، بأن الأمر لن يأتي بعواقب وخيمة على المسلمين هناك، فالأغلبية مع حق الآخرين في الحياة ما داموا قد دخلوا بلادهم، أو سمحت لهم الدولة بالدخول، كما أن هناك أجيالا منهم لن يستطيع اليمين أن يضعها في خانة واحدة. لا خوف عندي من رد الفعل الفرنسي الرسمي، لكن الخوف أن تكون ردود الأفعال العربية مفتتحا جديدا للإرهاب أكثر. مادمت تجد المبررات في التاريخ، فلا تسل عن القانون في الحاضر. أنا هنا لا ألوم أحدا لأنه لا فائدة في اللوم، فنحن نعيش في واقع مهترئ، فإذا تحدثت عن التخلف الذي حملته سنوات طويلة من الفكر الوهابي، ستجد من يقول لك وسنوات طويلة من الحكم الديكتاتوري، كأنك موافق على الديكتاتورية، بينما أي ساذج يعرف أنهما وجهان لعملة واحدة. وهكذا لن أصل إلى شيء. يقلقني حقا رد فعل اليمين المتطرف في فرنسا أو أوروبا، وما يطمأنني أن هناك منظومة للحقوق مستقرة لن يخرج عليها حاكم بقانون يجرّم الإسلام مثلا أو اعتناقه، لكن ستختلط صورة الإسلام والمسلمين أكثر. وكما قال الكاتب والشاعر محمد الرفرافي الذي يعيش منذ سنوات طويلة في باريس «بين اعتناق امرأة فرنسية للإسلام بعد استقبالها من طرف ماكرون، كآخر رهينة فرنسية لدى جهاديين في مالي، وقطع رأس معلّم فرنسي لمادة التاريخ على يد مراهق شيشاني، سيجد المواطن الفرنسي البسيط نفسه مدفوعا بشكل آلي، إلى دمج إسلام الفرنسية بإسلام الشيشاني. الإسلام في فرنسا معاناة سيزيفية!»
٭ روائي مصري