خالد إسماعيل
تتميز عوالم خالد إسماعيل الروائية والقصصية بخصوصيات تتمثل في المكان والزمان والشخصيات، وتبدو كأنها محض تشريح للواقع الجنوبي الذي ينفرد خالد ككاتب وأديب، بالنبش في ماضيه، كي يصل إلى منبع الحكايات وتفاصيلها، حيث يتتبع جذور الصراعات القبلية والاجتماعية بانعكاساتها المُختلفة على الفرد والجماعة.
وقد اتبع إسماعيل أسلوباً خاصاً في تشييده لبنائه الإبداعي، سواء كان قصة أو رواية، فعادة ما يبدأ من القاعدة التحتية لظروف البيئة الفقيرة، التي تتفاعل بموجبها الشخصيات وتتخلق على أساسها الصراعات بأحجامها المُختلفة، فهو يولي التفاصيل الكبيرة والصغيرة اهتماماً، ولا يستبعد من الأحداث ما يُدرك دوره وقيمته في سياق ما يورده من حكايات يتصل مُعظمها، أو بعضها بالتوجه الفكري أو السياسي للأبطال. وغالباً ما تشي السياقات والإشارات التي تتضمن الكثير من الرموز بقناعات الكاتب ذاته، مهما حاول التواري والاختباء خلف الشخصيات التي يرسم مداراتها ويستنطقها، فإن هو استهجن تصرفاً ما من شخصية فرعية، أو رئيسية، أو استحسن قولاً أو سلوكاً وضح رأيه وظهر ذلك جلياً في ما يترتب من مواقف وما يتم التأكيد عليه من أحكام قطعية، أو افتراضية تخص الحوادث والأحداث، وتمس بالضرورة الشخصيات ذاتها.
لم يثبت وجود تباين أو اختلاف كبير في طريقة تعامل خالد إسماعيل مع لغته الإبداعية في القصة والرواية، إلا في حدود مُقتضيات الكتابة التي يفرضها النسق أو الشكل، كاللجوء إلى التكثيف الشديد في كتابة القصة والتخلي عن الإسهاب لإحكام الموضوع والتحكم فيه، فهو يحرص على تماسك النص ومتانته، بيد أنه يستخدم في كثير من الأحيان لغة الترميز والإسقاط ليعبر بدلالات القصة إلى أبعد ما يظن القارئ.
في مجموعته القصصية «مقتل بخيتة القصاصة» الصادرة عن دار ميريت للطباعة والنشر نلحظ تلك العناية الشديدة باللغة التعبيرية اللائقة بالموضوع كمقياس حقيقي للإجادة وعمق الموهبة وبلاغة التصوير التي تهدف إلى استبيان الجوانب والأوجه كافة المتعلقة بالنص المكتوب. على سبيل المثال يعرض خالد إسماعيل، من خلال بعض القصص التي تضمها المجموعة إحن ومشكلات أزلية، لم يستطع سُكان الجنوب التغلب عليها، رغم ما يبدو عليهم من مظاهر التطور والمدنية على مستوى الشكل، فالغيرة كطابع غريزي، أو مُكتسب تتحكم في سلوكيات الكثير من أبناء القرى والنجوع، ويبدو الحسد كأنه سمة أساسية مشتركة بين كل الشخصيات من هول الفقر وانعدام الفرص المتساوية، وهو ما يدلل به صاحب المجموعة وكاتبها على غياب العدالة الاجتماعية، ويبرر به الحقد كسلوك ورد فعل، ليس دفاعاً عن الحاقد، ولكن محاولة لإيجاد تفسير منطقي لما يحدث. كذلك مُعضلة الثأر التي تتسبب في ثبات مبدأ الكراهية والعدوانية لعقود طويلة، ناهيك عن حوادث القتل الخطأ، التي تُرتكب بجهالة نتيجة الاستجابة للوشايات والانقياد وراء الزعامات القبلية بلا تفكير، كما ورد في قصة «قطار الليل» التي أشار فيها المؤلف لمقتل مُغازي عبد الرسول على يد أحد المُتربصين، لمجرد سوء تفاهم وخلط بين اسم الشخص المُستهدف فتحي رشوان والقتيل الذي ادعى أن رشوان ابن عمه فأُردي قتيلاً على الفور ككبش فداء لشخص لا يعرفه ولا يمت له بصلة!
كما تُشير قصة «مقتل بخيتة القصاصة» إلى عشوائية الحياة في المجتمعات البدائية التي يسود فيها الجهل والفقر والجوع، فهذه القصة تعرض لحياة امرأة من أصول غجرية تعمل في مهنة أبيها كقصاصة للحمير.. استوطنت منطقة الحضر بعد موت أمها وأبيها، وانقطاع الصلة بينها وبين أهلها وذويها، فعاشت وتربت في أجواء من الخوف والقحط، فاحترفت الربا واشتغلت برأس مال أحد المرابين الكبار فصارت لها سمعة وصيت، وبعد سنوات هرمت وتأخرت صحتها وجار عليها الزمن وانتهى بها المطاف نهاية مأساوية، حيث تحولت إلى متسولة على محطة القطار ووجدت مقتولة ومقطوعة الرأس ومُمثل بجثتها!
إنها صورة أخرى شديدة البؤس لما تؤول إليه مصائر البشر في ظل الانهيار القيمي والأخلاقي وانحدار المستوى المعيشي والاقتصادي، وهو نوع من النقد اللاذع يوجهه كاتب القصة ليوقظ به الضمائر النائمة علها تستفيق وتلتفت لما يُعانيه قطاع كبير من البشر يعيشون خارج دوائر الضوء وتفصلهم مسافات شاسعة عن بؤر الاهتمام والعناية الاجتماعية. تتعدد آيات الإهمال والإقصاء، وتبرز عناوين الفوضى في كثير من القصص، ولا تفوت الكاتب فرصة تسمح بإظهار مواطن المرض الاجتماعي والخلل، إلا واقتنصها، فهو يُعرج على مُختلف القضايا ويضع مقاييس إنسانية بعينها يُشير إليها بتركيز، ليُدرك القارئ الفروق الحساسة بين ما هو سائد في العلاقات والمُعاملات وما يجب أن يسود.
وفي سياق ما يكتبه ويدبجه خالد إسماعيل بشكل إبداعي احترافي تقفز القضايا السياسية كمكون مهم ورئيسي، فنراه يُمعن النظر في الواقع السياسي بوعي الكاتب الحصيف، الذي أنهكته تجارب الأحزاب الفاشلة وشعاراتها المثالية البراقة، التي لم ترق يوماً إلى مستوى التطبيق، غير أنها تسببت في إحباط الشباب، وخيبت آمالهم فصاروا يتجرعون مرارة الكذب المُتقن في أحاديث القيادات ورفاق الخديعة والتضليل، كما ورد في قصة «مُذكرات رفيق»، التي وصفها بالرواية القصيرة كونها تتضمن حيثيات كثيرة تكشف، على حد تعبير الكاتب، عورات المُناضلين المزيفين!
وتتكرر الإشارات بدلالاتها السلبية والنقدية الحادة في قصة أخرى بعنوان «لُعبة الرفاق» تضمنت بعض المواقف التي تُشير أيضاً إلى انهزامية وانتهازية أبطالها من ذوي الفكر التقدمي وأصحاب التجارب النضالية الكُبرى في الحياة السياسية المحفوفة بالمخاطر.
لقد أماط خالد إسماعيل في مجموعته القصصية «مقتل بخيتة القصاصة» اللثام عن الوجوه والأقنعة المُتعددة للشخصيات البارزة على الساحة فظهرت على حقيقتها دون مساحيق أو مكياج!
كاتب مصري