الكاتب يختلف عن غيره من ممارسي الفنون الأخرى، في قلقه المُزمن، وفي رغبته الملحة بأن لا يقف على الهامش، وأن يجد قارئاً، يُطالع ما يكتبه، ويتفاعل معه، ولا يهم إن كان سلباً أو إيجاباً. ما إن ينتهي الكاتب من نصه حتى يشرع في البحث عن متلقٍ له، ولكن ليس كل ما يكتب يصلح للنشر. بالمقابل، ليس من السهل إقناع الكاتب بأن نصه لا يُلائم ذائقة المتلقين. فكيف الحل لإنقاذ الكاتب من الإحباط؟ من الصعب أن نجد حلاً لهذه المعادلة، في المحيط العربي، فكثير من الكتاب توقفوا عند أول الطريق، بعد أن فشلوا في إقناع الآخرين بما يكتبون. ولكن إطلالة صغيرة على الضفة الأخرى من الأطلسي، وبمحاذاة واشنطن، سنجد مكتبة تُسعد كل الكتاب المُحبطين، وقد وصل إليها كتاب عرب أيضاً، هي مكتبة تخصصت منذ حوالي ثلاثين سنة، في عرض وإتاحة المخطوطات التي لم تنشر، لا تطلق عليها كلمة مخطوطات، بل تسميها: الكتب التي لم تنشر. واسم المكتبة هو «بروتيغان»، نسبة للكاتب ريتشارد بروتيغان (1935- 1984).
عام 1971، أصدر بروتيغان رواية لافتة، بعنوان «الإجهاض» تحكي عن رجل يقضي يومه، في تجميع مخطوطات لم تنشر، مخطوطات تحكي عن أشياء حياتية بسيطة، فشل أصحابها في إقناع ناشرين بتبنيها، إلى أن يُصادف امرأة جاءت لتسلمه مخطوطاً عن جسدها، الذي لم تتآلف معه، فكثيراً ما تعرضت لمضايقات وتحرشات، ثم تنشأ بينها وبين جامع المخطوطات التي لم تُنشر علاقة حب، تنتهي بانتفاخ بطنها منه، ثم إجهاضها، في مُحاكاة لكل تلك المخطوطات، التي تصله، كل يوم، بعد أن تجهض ولا يكتمل نموها ثم صدورها. انطلاقاً من هذه الفكرة، تأسست مكتبة بروتيغان عام 1990، ولم تحصر نشاطها فقط في كتاب من الولايات المتحدة الأمريكية، بل فتحت الباب لكل الكتب من العالم، وبكل اللغات، مع شرط وحيد أن لا يكون المخطوط قد صدر في كتاب.
مكتبة بروتيغان ليست مجرد مدفن للكتب، بل هي مكان ينفخ روحا في المخطوطات، يمنحها حياة ثانية، ويُتيح لها فرصة الوصول إلى أيدي فضوليين.
وازداد فضول الناس بهذا المشروع، وصارت تلك المكتبة الفريدة من نوعها، تتلقى مساعدات وهبات، من متطوعين، وزاد، مع الوقت، حجمها، توسع عدد موظفيها، ثم بداية من 2005، شرعت في تحويل المخطوطات التي تصلها، إلى صيغ إلكترونية، وصار الاطلاع عليها يستوجب تسديد حقوق انخراط، ثم في مرحلة لاحقة، انتسبت تلك المكتبة لجامعة واشنطن، وباتت لها ميزانية مستقلة. وهُنا يتساءل الكاتب الفرنسي ديفيد فونكينوس، في روايته «لغز هنري بيك»، التي استند في كتابتها إلى تاريخ مكتبة بروتيغان: كيف نجح أحدهم في صنع مجد وكسب أموال طائلة بالاتكاء على كتاب مُحبطين لم ينشروا كتاباً واحداً في حياتهم؟ ولكن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، ورغم أن المكتبة تقوم على عرض مخطوطات، لم يلتفت إليها أحد ولم يهتم بها، فإنها تُدافع عن كتابها، توقع معهم عقداً صارماً، في الحفاظ على حقوقهم، في حال اقتباس تلك النصوص، في المسرح أو التلفزيون أو السينما، كما إنها تدفع لكل كاتب مبلغاً، حسب تداول المخطوط، بالتالي فهي تمنح الكتّاب حقوقاً ما كانوا ليحصلوا عليها ـ ربما ـ في حال نشر كتبهم، توفر للكاتب دخلاً رمزياً، قد يستفيد منه في إعادة النظر في مخطوطه، وإيجاد ناشر له، في وقت لاحق، فهو يحتفظ بحقه كاملا، إذا فكر في نشره، مستقبلاً. هذا لا ينفي أن صاحب المكتبة هو المستفيد الأكبر، لكنه، في النهاية، يخفف من إحباط بعض الكتاب، ويشعرهم بأن هناك من يهتم بما كتبوه، وكي يلفت النظر أكثر إلى مشروعه، فقد أسس يوماً وطنياً للكتاب الذين لم ينشروا كتباً في حياتهم، يتزامن ـ في الغالب ـ مع الأحد الأخير من شهر يناير/كانون الثاني، من كل عام، تزامناً مع ذكرى ميلاد ريتشارد بروتيغان، ويشمل ذلك اليوم أيضاً الأشخاص الذي فكروا في كتابة مخطوط ولم يفعلوا وأولئك الذين يحملون فكرة كتاب بدون أن يشرعوا في تنفيذها.
إن مكتبة بروتيغان ليست مجرد مدفن للكتب، وليست فقط حيلة للارتقاء على ظهر كتّاب خانهم الحظ، أو قلت موهبتهم، بل هي مكان ينفخ روحا في المخطوطات، يمنحها حياة ثانية، يبعثها من نومها، ويُتيح لها فرصة الوصول إلى أيدي فضوليين، وقد تبلغ ـ يوماً ـ مهتماً أو ناشراً، يبحث عن القطع النادرة، فيطبعها، ويوفرها لأكبر عدد ممكن من القراء، وهذا أمر يجعلنا نفكر، بصوت عالٍ: ماذا لو استوردنا، هذه التجربة، في البلاد العربية؟ ليس مكتبة للمخطوطات، التي لم تنشر، فالنشر صار مسألة سهلة ـ نسبياً ـ ومن يعجز عن إقناع ناشر بنص له، بإمكانه أن يدفع مقابلاً مادياً بسيطاً، ويجد كتابه، على الرفوف وفي المعارض، وإنما ننشئ مكتبة للكتب، التي لم تُقرأ، ولا سيما بعض عيون التراث، التي بات يتناسها الجميع، أو مكتبة للكتب الممنوعة، التي حاولت أنظمة سياسية أو دينية حرقها ـ وما أكثرها في بلداننا ـ أو نؤسس مكتبة للكتب التي صدرت، والتي لم تلق قارئاً لها، ليست كتباً فاشلة، بل هي كتب تعذر عليها الوصول إلى قارئها، أو مكتبة للكتب، التي لم تكتمل، فكثير من الشعراء ومن الكتاب، داهمهم الخوف أو الموت، وهم في غمرة إتمام نص، لم يجد طريقا له إلى النور.
غالباً ما يجد القارئ العربي نفسه منساقاً للتقليب، في مواقع التحميل، على الإنترنت، بحثاً عن كتب قديمة، وأخرى سمع عنها ولكن لم تصل إليها يداه، من هنا تلح علينا فكرة إنشاء نوع آخر من المكتبات، فليست المكتبات هي فقط ما يعرض فيها من أحدث الإصدارات، بل المكتبة هي كل مكان يوفر لنا كتباً، مهما كان نوعها أو تاريخ صدورها، يمكن أن نخرج عن القاعدة العامة، ونتدارس بجدية، إمكانية فتح مكتبات جديدة، تشبه بروتيغان، في فكرتها، على أن توفر لروادها، ما عجزت عنه المكتبات التقليدية.
٭ كاتب من الجزائر