مكسيم غوركي في مدينة الشيطان الأصفر

يقترن اسم مكسيم غوركي في أذهان أغلب القراء بروايته الشهيرة «الأم»، إلا أن شهرته العالمية كانت هائلة في بداية القرن العشرين قبل نشر تلك الرواية. وكما يشير كتاب «تاريخ كامبريدج الحديث» في القسم الخاص بـ»الأدب والفن والفكر» في أوروبا الحديثة عام 1904: «هناك أربعة كتّاب يعبرون بأقصى قدرعن مزاج عصرنا. هؤلاء هم أناتول فرانس، وليو تولستوي، وتوماس هاردي، ومكسيم غوركي».
في يناير/كانون الثاني 1906، غادر غوركي روسيا مع زوجته الثانية ماريا أندرييفا، خوفًا من إعادة اعتقاله لمشاركته في ثورة 1905. وبعد أن نجح البلاشفة في ضمه إلى صفوفهم، استغلوا على الفور الشهرة والاحترام اللذين أحاطا باسمه في الخارج، وكلفوه بمهمة السفر إلى الولايات المتحدة للدعاية الثورية، وتنظيم جمع الأموال للحزب البلشفي، والتحريض ضد القروض الأجنبية التي سعت الحكومة الروسية إلى الحصول عليها من أجل قمع الثورة. لم يزعج كل هذا السلطات الأمريكية، وتجاهلت بلا مبالاة مذكرة السفارة الروسية التي طالبت بمنعه من الدخول. وبعد أن زار ألمانيا وسويسرا وفرنسا في طريقه، أبحر غوركي مع أندرييفا إلى نيويورك من ميناء شيربورغ الفرنسي في 23 مارس/آذار 2006. وكان برفقتهما في الرحلة نيكولاي بورينين، حارس غوركي الشخصي. لم تكن الباخرة قد رست بعد، حين صعد إليها الصحافيون، بعد أن وصلوا إليها بالقوارب.

الراي العام

وكان الاستقبال الذي أعد له مهيباً حقاً. وكتب في رسالة إلى صديق له في روسيا: «لقد استقبلوني بحفاوة بالغة وصخب، وطيلة 48 ساعة امتلأت نيويورك بمقالات مختلفة عني وعن الغرض من زيارتي». والواقع كان في استقبال غوركي حشد من الآلاف من المعجبين، بينهم العديد من الأدباء والفنانين. لسوء الحظ ، سرعان ما خفت حماسة اللقاء بسبب حملة صحافية شنها حراس الأخلاق في أمريكا، بمساعدة السفارة الروسية. وكان سبب الحملة أن غوركي وأندرييفا لم يتزوجا قانونياً، فضلاً عن أن قضية طلاقه من زوجته الأولى إيكاترينا بيشكوفا لم تحسم بعد. وكتبت الصحف أن غوركي خدع الرأي العام الأمريكي عندما وصف أندرييفا بأنها زوجته، في حين أنها في الواقع عشيقته، وترك زوجته الشرعية وأطفاله لرحمة القدر في روسيا. وقد حاول مارك توين الدفاع عن غوركي قائلاً: «إنه كان يعلم أن الحصول على الطلاق في روسيا أمر صعب للغاية، وأن غوركي حافظ على علاقة طيبة مع طليقته وطفليه من زواجه الأول، وعندما علمت إيكاترينا بيشكوفا بالحادثة، أرسلت برقية تؤكد ذلك. لكن العادات سائدة بين الناس».
أثارت هذه القضية استياء الرأي العام في الولايات المتحدة، وأعاقت جمع التبرعات للحزب البلشفي، وتجنب كتاب أمريكيون بارزون لقاء غوركي في المناسبات العامة، وأُرغم على مغادرة الفندق الذي كان يقيم فيه. ورفضت فنادق أخرى في المدينة استقباله. في تلك الأيام، لم يدافع أحد عن غوركي وزوجته باستثناء مارك توين، الذي تجنب في ما بعد مقابلة غوركي. ولكن بدأت الرسائل تصل، خاصة من العمال، معربين عن تعاطفهم، وعرضوا على الزوجين المأوى في منازلهم المتواضعة. كان من المستحيل قبول مثل هذه العروض، إذ تدهورت صحة غوركي بشكل حاد. وبدأ يسعل دماً بسبب إصابته بمرض السل. وكان بحاجة إلى عناية طبية عاجلة .

ومن بين الرسائل التي تلقياها كانت رسالة إلى ماريا أندرييفا من السيدة بريستونيا مارتن، ابنة الطبيب الشهير في نيويورك، كتبت فيها: «لا أستطيع ولا أريد أن أسمح لبلد بأكمله بإساءة معاملة امرأة ضعيفة، ولهذا أعرض عليكم ضيافتي». وانتقل غوركي وأندرييفا إلى إليزابيث تاون للعيش في منزل ريفي يملكه آل مارتن، وأمضيا صيف عام 1906 في هذا المنزل في جبال أديرونداك. ويقول غوركي:» كنت أتلقى رسائل تهديد» مكتوبة بشكل جيد باللغة الروسية، تتضمن مقدمة مفادها أنني سأُقتل. وكانت الصحافة البورجوازية تنشر مقالات تؤكد فيها للجمهور أنني فوضوي ويجب طردي إلى خارج البلاد». لا شك أن حملة التشهير أزعجت غوركي بشدة، ودفعته إلى اتخاذ مواقف متناقضة تجاه أمريكا. ففي رسالته المفتوحة إلى كتّاب «أمريكا الحرة» المؤرخة في 10 مايو/أيار 1906، وصفهم بأنهم « فرسان الروح، والرجال الأحرار في بلد حر عظيم»، وحثهم على تذكر الحقبة التي ناضل فيها أسلافهم من أجل الحرية، وذكّرهم بأنه «في ذلك الوقت، كانت روسيا وحدها هي التي مدت يد العون للشعب الأمريكي». كما أعرب عن تقديره للعمل الدؤوب للأمريكيين وقدرتهم على العمل بسرعة وكفاءة : «يا له من بلد مثير للاهتمام، ماذا يفعلون بحق الجحيم؟ كيف يعملون؟ ما مقدار الطاقة الجاهلة والهمجية التي يتحلون بها؟ أنا معجب بهم وأدينهم في آن .أشعر بالغثيان والبهجة». ازداد الانزعاج الذي وصف به غوركي الواقع الأمريكي كلما تعمق فيه.

الشيطان الأصفر


خلال إقامته في الولايات المتحدة، التي امتدت من 11 أبريل/نيسان إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول 1906، أنجز غوركي رواية «الأم» وكتب ثلاث مقالات عن نيويورك: «مدينة الشيطان الأصفر»، و»مملكة الملل»، و»الغوغاء»، وسلسلة من المشاهد الساخرة بعنوان «مقابلاتي» وقصة قصيرة بعنوان «تشارلي مان». تُعبّر مقالات غوركي عن أمريكا، عن الدهشة والصدمة العميقتين اللتين شعر بهما عندما واجه لأول مرة مجتمعاً صناعياً جديداً ومتقدماً، بقيم وأساليب تفكير مجهولة لديه. وصف الأمريكيين بأنهم شعب أفسده الجشع والمادية المفرطة: «في أمريكا، لا يفكرون إلا في كيفية جني المال. بلد بائس ينشغل شعبه بفكرة واحدة: كيف يصبح غنيا.. إن السعي وراء المال بلا مبرر وبطريقة مخزية، وما يمنحه من سلطة، هو داء يصيب الناس في كل مكان». المدينة الأمريكية الكبيرة، بمبانيها الشاهقة، المحاطة بحشود مضطربة بلا شكل، غريبة تماماً عن تجربته، ومتناقضة تماماً مع نظرته للعالم. كان الجو الذي عاش فيه بعيداً كل البعد عن هذه الحمى – في موسكو، وسانت بطرسبرغ، خاصة نيجني نوفغورود، حيث قضى معظم حياته. كان الاحتكاك المباشر بالواقع الأمريكي، باختلافه الصارخ في التاريخ والمزاج، كافياً لإزعاج غوركي المتواضع، الذي علّم نفسه بنفسه. مدينة ضخمة بأضوائها وضجيجها لا يمكن إلا أن تُصدمه.. «كل شيء يضيع في عالم سريع الخطى للغاية: «في كل مكان، الحياة المحمومة تغلي مثل الحساء على الموقد، يركض الناس ، يدورون، ويختفون في هذا الغليان، مثل الحبوب في المرق، مثل رقائق البطاطس في البحر». تبدو نيويورك كوحش يلتهم كل ما يصادفه بفمه النهم. جماهيرها بلا روح، بلا قوة، وبلا أفكار: «ويبدو أن كل شيء – الحديد، الحجارة، الماء، الخشب – مليء بالاحتجاج ضد الحياة دون الشمس، دون الأغاني والسعادة، في أسر العمل الشاق. كل شيء يئن، يعوي، يصرخ، يطيع إرادة قوة سرية معادية للإنسان. في كل مكان على صدر الماء، المليء بالحفر والممزق بالحديد، والملطخ ببقع دهنية من الزيت، والمليء بالرقائق والقصاصات، والقش وبقايا الطعام، تعمل قوة باردة وشريرة غير مرئية للعين. إنها تعطي بقسوة ورتابة نبضات لهذه الآلة الهائلة بأكملها، حيث السفن والأرصفة ليست سوى أجزاء صغيرة، والإنسان برغي تافه، نقطة غير مرئية بين النسيج القبيح القذر من الحديد والخشب.. في التصميمات الداخلية القاتمة للغرف، تظهر قضبان السرير الحديدية المغطاة بالخرق، والأطباق المتسخة وبقايا الطعام على الطاولات. تريد أن ترى الزهور على النوافذ، وتبحث عن شخص يحمل كتاباً في يده».

الحياة الروحية

لم يكن الكاتب معتاداً على وهج الإضاءة الاصطناعية الباهرة، والإعلانات واللافتات الصارخة، ويرى فيها وقاحة غير مقبولة بالنسبة إليه: «تتوهج المزيد والمزيد من الأضواء الصفراء. تتألق الجدران بأكملها بكلمات نارية عن البيرة والويسكي والصابون، وشيفرة حلاقة جديدة والقبعات والسيجار، والمسارح. هدير الحديد الذي يتردد صداه في كل مكان بسبب اندفاع الجشعين الباحثين عن الذهب، لا يهدأ. والآن، عندما تحترق الأضواء في كل مكان، تزداد هذه الصرخة المستمرة أهمية، وتكتسب معنى جديدا، وقوة أكبر. من جدران المنازل، ومن اللافتات، ومن نوافذ المطاعم – ينسكب ضوء الذهب المنصهر الباهر بوقاحة، بصوت عالٍ، يرتجف في كل مكان منتصراً، يجرح العيون، ويشوه الوجوه ببريقه البارد. بريقه الماكر مليء برغبة حادة في انتزاع بذرة دخل ضئيلة من جيوب الناس – يدمج غمزاته في كلمات نارية، وبهذه الكلمات يدعو العمال في صمت إلى ملذات رخيصة، ويقدم لهم أشياء مريحة»..
انطباعات غوركي عن أمريكا، تشهد على دهشته من افتقار الأمريكيين للحياة الروحية وتعلقهم المفرط بالمال. «إنهم رجال أعمال – أناسٌ يجنون المال – لديهم حياة روحية ضئيلة، لكنها آتية لا محالة، لأن المادية ستنفّرهم قريباً. إنهم يعملون كالسحرة في القصص الخيالية». إن الصدمة التي أحدثها الاختلاف الهائل في العقليات أقنعه بالتفوق المُطلق للعالم الروسي الذي ينتمي إليه: «نحن مُتقدمون كثيراً على أمريكا الحرة هذه، رغم كل مصائبنا! ويتجلى هذا جلياً عند مُقارنة المزارع أو العامل الأمريكي بفلاحينا وعمالنا. ولكن ربما يظن الأمريكيون أنهم مُثقفون بما فيه الكفاية. إن كان الأمر كذلك، فهم مُخطئون تماماً. في روسيا، يتبنى طلاب الصف الخامس هذا الموقف، مُتخيلين أنفسهم مثل سبينوزا، بعد أن تعلموا التدخين وقرأوا كتابين أو ثلاثة كتب جيدة».
أصبح جهل الأمريكيين أحد الموضوعات المفضلة لدى الكاتب، خلال إقامته في نيويورك، ويتكرر هذا الموضوع في جميع مقالاته خلال تلك الفترة. يشعر غوركي بإنزعاج بالغ واستياء من السطحية واللامبالاة التامة تجاه تراث الماضي الذي يميز الأمريكيين. في تلك السنوات، كان غوركي، رغم انتمائه للحزب البلشفي، بعيداً كل البعد عن اعتناق الماركسية بوعي. لم تكن ماركسية غوركي في تلك الفترة نظرية وعلمية، بل عاطفية وشاعرية، ما دفعه إلى دعم الحركة الاشتراكية الديمقراطية الثورية، خاصةً البلشفية.
مع أن غوركي انضم رسمياً إلى الحزب في نوفمبر/تشرين الثاني 1905، إلا أن دفاعه عن القضية الثورية، الذي اتسم دائماً بالصدق والحماس، لم يُصبح التزاماً حقيقياً واعياً بالماركسية اللينينية. دافع عن قضية الثورة، دون رؤية نقدية، وكانت رؤيته للثورة والاشتراكية دائما مختلفة تماماً عن آراء لينين. وقد شهدت الفترة من 1900 إلى 1905 انخراطًا أوسع لغوركي في الثورة، وبحثا عن معنى حياته وأفعاله. خلال هذه الفترة، تبلور مفهومه الكامل عن السلام والاشتراكية، واتخذ شكله النهائي.
خلال رحلته إلى الولايات المتحدة، عرّف غوركي الاشتراكية لأول مرة على أنها دين البشرية المستقبلي: «الاشتراكية هي مرحلة في تطور الثقافة، حركة حضارية. إنه دين المستقبل الذي سيحرر العالم بأسره من الفقر وقوة الثروة الغاشمة، ولكي نفهم ذلك بشكل صحيح، أود أن أقول إن الاشتراكية تتطلب عملاً مكثفاً للعقل وتنمية متناغمة عامة لجميع القوى الروحية للإنسان». في أمريكا، اضطر غوركي إلى مواجهة عالم أصبح فيه كل شيء سلعة. إن تسويق المجتمع والفن والمشاعر، الذي تم وصفه بتفصيل كبير في أعمال العديد من الكتاب العظماء في القرن التاسع عشر، يثير لدى غوركي الاشمئزاز نفسه الذي يثيره لدى غيره من الكتّاب الأوروبيين. ولكن بينما كان بلزاك وزولا وفلوبير يدركون قوانين المجتمع البورجوازي، ويحاولون التكيف معها، ويعانون ويشعرون بالذنب، يتخلى غوركي عن الانتماء إلى هذا العالم وقوانينه: « تُشترى الأعمال الفنية بالمال، كالخبز، لكن قيمتها دائما أعلى من ثمنها نقدا. لم ألتقِ هنا إلا بقلة ممن يدركون تماما القيمة الحقيقية للفن، وأهميته الروحية، وتأثيره في الحياة، وضرورته للبشرية… إن تحويل الفن إلى وسيلة للربح جريمة جسيمة في كل الأحوال، ولكنه في هذه الحالة جريمة مؤكدة، لأنه ينتهك شخصية المؤلف ويشوّه الفن. إذا كان القانون ينص على معاقبة غش المنتجات الغذائية، فعليه أن يعامل بلا رحمة من يزوّرون الغذاء الروحي للشعب». الثروة وحمى الذهب تحرم الإنسان من إنسانيته، وتقضي على مشاعره وقيمه. تتميز انطباعات غوركي عن أمريكا باشمئزاز عميق من مدينة الجماهير والاستهلاك المحموم. لم يكن منظر نيويورك، المليئة بالمخلوقات التي لا تعرف السلام أو الهدف، والتي تعد العمل ورأس المال القيمتين الوحيدتين، مشهدا ممتعاً بالنسبة إليه،. إنه ينظر إلى أمريكا كحضارة شابة وجديدة كلياً، لا آلهة لها سوى الثروة والرفاهية والمكانة والهيبة.
قبل غوركي وبعده، صوّر الكُتّاب الروس أمريكا كمركز جهنمي لهيمنة القيم المادية. بطل رواية فيودور دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» (1886)، سفيدريغيلوف، الذي قرر الانتحار، يُعلن أنه ذاهب إلى أمريكا. في نهاية قصة إيفان بونين «سيد من سان فرانسيسكو» (1915)، ينظر شيطان ذو عيون صفراء إلى الباخرة المغادرة التي تحمل جثة الشخصية الرئيسية. لجأ غوركي إلى الدافع نفسه للصورة: فاللون الأصفر بالنسبة له مرتبط بلون الذهب، والشيطان الأصفر هو راعي الحياة التجارية للأمريكيين، الذين يسعون جاهدين للثراء: «الحرية الداخلية، حرية الروح، لا تلمع في عيون الناس. وهذه الطاقة بلا حرية تشبه بريق سكين بارد لم يصبح كليلا بعد. هذه هي حرية الأدوات العمياء في يد الشيطان الأصفر ـ الذهب».
هذا الموقف الذي تبناه غوركي تجاه الحياة الأمريكية هو موقف نموذجيٌّ لكثير من الروس. فثقافة السعي وراء الثروة، والسعي وراء السلع المادية، وجماليات الحلم الأمريكي، كانت غريبةً على المبدعين، الذين نشأوا على فكرة التفوق المطلق للقيم الروحية على المادية. في بداية الحرب الباردة كانت البروباغاندا السوفييتية تستخدم مقالات غوركي وانطباعاته عن أمريكا، على نطاق واسع في سياق معاد لأمريكا لأغراض سياسية، وأدرجت مقالاته عن أمريكا ومن بينها «مدينة الشيطان الأصفر»، في جميع مجموعات أعماله، وساهمت لعقود طويلة في تشكيل الرأي العام في بلاده، وموقف مواطنيه تجاه الولايات المتحدة عموماً وتجاه شعبها خصوصا.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية