ومع مطلع كل عام، تتحدى بعض البرامج التلفزيونية الملل، وتعمل على جذب الزبائن، والعملاء (الحرفاء بحسب الخضراء ومن حولها)، فيكون الضيف الأثير هو فلكي يقرأ المستقبل، ويداعب رغبات المشاهدين بقراءة الطالع، ويستضيف عمرو أديب كعادته بسنت عمرو، التي تتعامل مع “التنجيم” على أنه ليس أكثر من “حلة محشي” في ليلة شتوية ممطرة!
ورغم أنني كنت أغلق التلفزيون تماماً لعدة أيام، ولم يتسن لي أن أشاهد هذا اللقاء السنوي الطيب المبارك، الذي يجتمع فيه المذيع والخبيرة، بعد أن ظن كل الظن ألا تلاقيا، إلا أنني شاهدت جانباً من هذه الفقرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والحقيقة إنه لولا هذه المنصات، لما عرف أحد شيئاً عن ما يدور في كثير من البرامج في القنوات المصرية، ولما عرف الناس أن شخصاً مثل إبراهيم عيسى حياً أو ميتاً، رغم أنه يقدم برنامجين في الأسبوع، في قناتين رقدتا على رجاء القيامة منذ سنوات، وإن كان “عمرو” ليس في ضعف “أبو خليل”، وإن كانت قناة “إم بي سي مصر” أكثر حضوراً من “القاهرة والناس”!
فكل الجدل حول البرامج التي تبث من القاهرة، ليس نتيجة المشاهدة عبر التلفزيون، ولكن الفضل يرجع للسوشيال ميديا، وبالمتابعة نكتشف أنه يعمل مع “عمرو” فريق جاد لمواقع التواصل، يجمع بين الأداء المهني في اختيار العناوين، وصياغتها بشكل جاذب للحرفاء، وكذلك اختيار الفقرات التي يراها ستؤدي الغرض من حيث الذيوع والانتشار، وبين الإلمام بقواعد الفرز والتجنيب، في التعامل مع الفيديوهات، فلم تعد وظيفة القطع واللصق، تحتاج إلى متخصص مع تطور برامج المونتاج!
وتكمن المشكلة في كثير من القنوات التلفزيونية، إن الذين يجيدون التعامل مع هذه البرامج، يفتقدون للمهارات المهنية، ليصبحوا في تعاملهم معها أشبه بميكانيكي السيارات، حتى صار لدينا جيل جديد يعمل في المؤسسات الإعلامية وهو في مهنة الإعلام أجهل من دابة، على نحو جعل من مهنة الصحافة هي الفريضة الغائبة في هذا الزمان.
شاهد على العصر:
وهناك خلط يحدث كثيراً بين النجاح الذي يتحقق عبر منصات التواصل مثل اليوتيوب وغيره، فيحسب وكأنه نجاح للشاشة الصغيرة (صار اليوتيوب هو الشاشة الأصغر)، وسمعت من يقيس نجاح برنامج المذكور بمشاهدات منصات الإعلام الجديد، وفي الحقيقة إن النجاح في المنصات يحفظ ولا يقاس عليه، لأنه لفقرات منتقاة بعناية، تعتمد الإثارة، والأمر مختلف في البرامج التي تعرض على هذه المنصات كاملة كما عرضت على الشاشة، وأحياناً تكون لأكثر من حلقة، كما برنامج “شاهد على العصر”، رد الله غيبته، وقد عكفت في الآونة الأخيرة على ما فاتني منه من حلقات تساعد على قراءة الواقع على جبهات مختلفة، وطالعت أعداد مشاهديها الذين يتجاوزون المليون مشاهد في كل حلقة، وهذا رقم كبير للغاية، لبرنامج من الوزن الثقيل كهذا، يدرك من يتابع من حاورهم “أحمد منصور”، أنه لا يمكن القفز بين الحلقات لشخصية واحدة، لأنها مترابطة من حيث تسلسل الأحداث!
وهذه ميزة البرامج التي لا ترتبط بحدث سينتهي أثره في اليوم التالي، و”شاهد على العصر” كان بعيداً عن “المحرقة الإعلامية”، التي تستنزف الجهد ومع ذلك تفقد معناها في اليوم التالي، أو بمرور أسابيع معدودات على أفضل تقدير، تماماً مثل برامج بداية العام، وكل عام، واستضافة من يحاولون قراءة الطالع، كما بسنت يوسف، التي كلما شاهدتها في اللقاء السنوي مع “عمرو أديب” تصورتها في جلسة تعليم صناعة المحشي للأجيال الجديدة من “ربات البيوت”، فتفتح شهيتي، مع أني المصري الوحيد، الذي لا يشتهي المحشي بأنواعه!
فلو كان هناك من يستمر في متابعة هذه اللقاءات السنوية، أو حتى يتذكر شيئاً منها، لما أقدم أحد على الجلوس أمامها، وعلى وجه الخصوص برنامج عمرو أديب، وضيقته السنوية، التي يقدمها على أنها الخبيرة، ووددت لو كانت هذه الحلقات في البرامج المختلفة هي محاكمة لهؤلاء الضيوف الخبراء، على “الخزعبلات” التي أثاروها في العام المنصرم، وفي حالة المذكورة، فسوف يقف المشاهد على أنه أمام “دجالة”، وهي صفة أفضل من أن نذهب بعيداً ونتهمها بالنصب على العامة!
خد عندك توقعاتها في العام الماضي، وفي جلستها مع “أديب”؛ فقد توقعت برحيل محمد صلاح عن ليفربول، وعدم حصول “الأهلي” أو “الزمالك” على الدوري المصري، الذي قالت إنه سيكون من نصيب فريق “بيراميذا”، وأن نادي الزمالك سيكون أكثر استقراراً!
وكلها توقعات “فشنك”، فمحمد صلاح لا يزال في نادي ليفربول، والزمالك حصل على الدوري، وبيراميدز أصابه ما أصاب النعجة دوللي من شيخوخة مبكرة، عندما ظهرت بعد عام واحد عجوز قبل أن تموت، وأنها السنة الأكثر اضطراباً في نادي الزمالك، بعد حل مجلس الإدارة، وتعيين مجلس، ووفاة الرئيس المعين، وعودة الرئيس المقال، بحكم قضائي!
عام أسود:
ومع بداية العام الماضي بشرت بأنه سيكون عاماً أسوداً على أردوغان، وكانت هذه أمنية لدى عمرو، لكن كذب هذا التوقع تمثل في أن “عمرو” نفسه لا يستطيع أن يهاجم أردوغان الآن، الذي حقق إنجازات في هذا العام تُذكر له فتُشكر، وإذا كان في نهايته شهد هبوطاً للعملة التركية، فان ارتفاعها المفاجئ كما انخفاضها السريع، مثل نجاحاً له، وتأكيداً على أن بلاده تتعرض لمؤامرة وأنه هو القادر على مواجهتها والانتصار عليها!
بالتأكيد أن مثل هذه المواجهة ستدفع بالمنجمين إلى أن يقولوا أي كلام، وأن عدم صدق توقعاتهم مرده إلى أن كوكب المريخ اصطدم بالمجموعة الشمسية فأصابها بالسكتة القلبية، الأمر الذي كان له تأثير على كوكب عطارد فأصابه بالاكتئاب، فأثر هذا بدوره على كوكب الأرض فلم يتحقق المراد، لكن المشاهد سيقف على أنه أمام تبرير لجلسة الدجل السابقة في جلسة جديدة، وسيفقد هذه الجلسات الاثارة اللازمة لجذب الحرفاء، لاسيما وأن بعض المتحدثين عن المستقبل يُدفع بهم لتمرير رسائل سياسية معينة، وهذا من أسباب التماهي بين مقدم البرنامج وبسنت يوسف!
ليس عندي موقفاً مسبقاً من هؤلاء الضيوف، فلست من أهل الذكر الذين يفتون في ما إذا كان الفلك علم، أم تنجيم، ولا أعرف هل استدعاء المستقبل رجماً بالغيب أم أن الرجم المنهي عنه دينياً ليس هو، وقبل سنوات استضافت قناة العربية، فلكياً تونسياً، توقع ثلاث أحدث مهمة ستقع في هذا العام، وأتذكر منها موت ياسر عرفات بطريقة غامضة، وحدوث فوضى في مصر ضد مبارك، وهناك توقع آخر لا أتذكره، لكن هذه التوقعات الثلاثة حدثت ليس في هذا العام ولكن في أعوام تالية وليست في عام واحد!
يقولون كذب المنجمون ولو صدقوا، وينسبون هذا الحديث للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الشيخ ابن باز قال إنه لم يطالع هذا الكلام في أي مرجع للأحاديث النبوية. ومهما يكن الأمر، فحتى لو كان الفلك علماً وليس فهلوة، فالمؤكد أن هناك من دخلوا المجال من باب انتحال الصفة وممارسة النصب على المشاهدين، وبحماية من مقدمي البرامج وبتواطؤ منهم.. عمرو أديب نموذجاً!
مبكراً، كنا نسمع أن الرئيس مبارك استسلم لعرافة سودانية، تنبأت له بأن نهايته ستكون إذا عين نائباً له، ولهذا رفض ذلك، مع أنه كان مطلباً ملحاً للمعارضة لا معنى له فيمكنه أن يعين نائباً أو أكثر بدون صلاحيات، إلا أن كان يرفض بمبررات ساذجة، خضوعاً لهذه النبوءة. مثل القول إنه لم يجد من يصلح لهذا المنصب، وأن السادات كان محظوظاً به عندما عينه فيه. والذي حدث فعلا أن مبارك عندما عين اللواء عمرو سليمان نائباً له للالتفاف على مطالب الثورة بعزله، تنحي بعد القرار مباشرة! ومهما يكن، فهذا لا يبرر أن تتحول الأستوديوهات إلى أوكار لممارسة الدجل على المشاهدين.
فليسوا سواء!
صحافي من مصر