يبدو أن العراق العظيم، يتحول من فن الشعر العربي الحديث، وتفوقه فيه، ريادة، وتأسيساً، وتغييراً في بنية القصيدة، إلى فن الرواية، بعد انعطافه بالشعر إلى نقلة تاريخية كبرى: الشعر الحر، وقصيدة التفعيلة، وصولاً إلى قصيدة النثر، حيث قدم إلى الثقافة العربية عددًا كبيرًا من الشعراء الكبار، أصحاب التجارب الناضجة، المهمة، التي تركت تأثيراً عظيماً في مدونة القصيدة العربية، وقدمت إنجازاً بالغ الجودة والثراء، حتى صار من اليسير ذكر عشرة شعراء كبار، على الأقل، من دون عناء، أو تحيز.
فقد تلاحظ لي أخيراً أن العراق المعاصر راح يتجه، بكثافة واضحة، إلى نوع أدبي آخر وهو الرواية، بعد عزوف سنوات طويلة، عن ارتياد هذا العالم المثير، بمثل هذا الزخم الحالي. ولا شك، أن هناك أسماء روائية مهمة، وعدداً من الأعمال السردية الكبرى التي تستحق التوقف أمامها، لكن يبدو أن خفوت صوت الشعر، دُرة التاج في آداب هذا البلد، أتاح للسرد مكاناً داخل بنية هذه الثقافة.
أثق بمستقبل الرواية العراقية، وأعتقد بأنها ستثمر أسماء كبرى في المستقبل، تنضم إلى جوار سادة الشعر والنقد والترجمة هناك، الذين حفروا عميقاً في ذاكرة القراء العرب. فالعراق، تاريخياً، وفي كل العصور، لا يفتقر إلى الحوادث الملهِمة، والصراعات الكبرى، والحراك المستمر، حيث يتسارع الزمن في سيولة، لا تعرف التوقف داخل وطن متعدد الأعراق: زراعي، صناعي، مديني، قروي، حضري، بدوي، قبلي، عشائري، يموج بالديانات والملل والنِّحل والمذاهب، صاحب تاريخ مثير، دراماتيكي في معظمه، وريث حضارات مختلفة، مجاور لدول عدة مهمة أيضاً، لديه الأرضية الخصبة، وكل العناصر التي تتيح للرواية الصدارة على الأنواع الأخرى.
تصاعدت إلى ذهني هذه التأملات، وأنا أطالع رواية «منازل اللوعة» للكاتب العراقي محمود السامرائي، وتذكرت هذا المجتمع الذي لا يكفيه ألف روائي كبير لرصد واقعه، وتاريخه، وتحولاته الكبرى. أرجو ألَّا يساء فهم وجهة نظري، فليس في الأمر انتقاص، أنا أتحدث عن دورة حياة النوع الأدبي، وبروز فرع متفوقاً على الفنون الأخرى، منتزعاً الصدارة لحقبة زمنية ما، ثم خفوته وإفساح المجال لغيره في تبادل تاريخي، كعادة الزمن، فالحياة صعود وهبوط طوال الوقت، وهي مستحيلة الثبات.
يبدو الراوي، في هذا العمل، محايداً، يكتب بمحبة عن شخصياته، بغير ضجر، أو نبرة تدل على انحيازات معينة، لفئات دون أخرى. إنه يرصد عالماً يعرفه جيداً، يرصده من الداخل من دون تلوينات سياسية، أو طائفية. تشعر بوداعة وهدوء، تشعان من السطور، حتى وهو يفصح عن أطوار الشر لدى بعض الشخصيات. يذكرك بالكاتب الراحل يحيى حقي، الذي إن رُفع اسمه عن أغلفة أعماله ستعرفه من خلال أسلوبه الذي يحمل بصمته الخاصة جداً، حتى لو ترجم إلى لغة أخرى، فمن دون تعريف سيُعرف، أيضاً، القارئ الأجنبي سيعرف أن العمل عن مصر تحديداً؛ روحها، تفردها، وعاداتها المتوارثة.
ثيمة البطل الطبيب، الحاصل على شهادة جامعية في طب العيون من إنكلترا، إسماعيل ابن الطبقة الوسطى، والبيئة الشعبية، الحائر بين العلم والخرافة في «قنديل أم هاشم»، نجده هنا باسم محمد الكبيسي، الشخصية المحورية في رواية «منازل اللوعة» التي تعتبر إضاءة سردية لمدينة سامراء خاصة، والعراق عامة. لكن هنا، محمد الطبيب العراقي يفكر على نحو مختلف، وهو يتصدى للعادات، والتقاليد، والتبرك بالأولياء. إنه يلجأ إلى كتابة المقالات، وتأليف الكتب، والصدام مع المجتمع بصوت عالٍ، عبر نشر آرائه في الصحف المحلية، واقعاً في المعضلة نفسها، عدم التوفيق بين الدراسة في الغرب، والتفكير الشرقي الذي نبت منه، وتربى عليه.
تنطلق الرواية من عند الفتى فرج، بضمير المتكلم، قبل الانتقال إلى ضمير الغائب، كي يتمكن الراوي العليم من توسيع عدسة الرؤيا، ويعلن حياده، متخذاً دور السارد غير المشارك في الأحداث، الذي لا يتبنى خطاب الشخصيات، أو وجهات النظر الخاصة بهم. إنه يغوص في الواقع، والماضي القريب، ستينيات القرن المنصرم، بانتقالات سريعة من مشهد إلى آخر، بأسلوب بسيط، يرسِّخ للحكاية لا الجملة. ويعمل على تنشيط المتابعة والاهتمام من دون فرقعات صاخبة، حتى اصطدام الشخصيات بالعالم المحيط والبيئة المحلية، يتم سرده بهدوء، وعلى نحو سلس.
صحيح، نصل أحياناً، إلى داخل عقول أبطال الرواية، رغم أننا حيال عمل غير ذهني، لا يعمل على الميتافيزيقي، أو الفانتازي، فنحن نطالع كتابة أقرب إلى التيار الطبيعي، إعادة تمثيل الواقع، تحويله إلى واقع سردي قريب الشبه بما يحدث. كتابة لم يبدد محليتها التأرجح الفكري للذات بين هويتين مختلفتين، والحيرة القائمة في الانحيازات بينهما، والدخول في متاهة الصراع بين العادات المتوارثة ومحاولة السخرية منها والعمل على تشويه كل من له صلة بها، في محاولة يائسة لإيجاد قطيعة مع العادات الشعبية وعدم تفهمه لقوة هذه العادات ورسوخها.
بعد جلسة مطولة بين الدكتور محمد الكبيسي، ورئيسه في العمل الدكتور فراس الباز مدير المستشفى الحكومي الذي التحق به، عاتبه الأخير في مشهد كاشف عن الأفكار المتصارعة:
«يا دكتور، أنت تعرف أننا غير بغداد، وهنا الناس بسيطة، ومعظم الذين يحملون لقب (السامرائي) من مهندسين وأطباء وعلماء ليسوا أصلاء، يدرسون، ينبغون، ثم يهاجرون، ويستقرون بعيداً عن المدينة، وأنت عندما تكتب وما شاء الله لك اهتمام نحسدك عليه، أنت تطعن بصلب المدينة وتفكيرها، ستقول خرافات، بدع، لكن هذه الخرافات والبدع تستطيع أن تؤثر عليك! هؤلاء الشيوخ لو علموا بطعنك وأنك لابث هنا بينهم لسودوا عيشتك!».
يتهمهم الدكتور محمد بالسحر، لكن مديره ينصحه بالابتعاد عن هذه الأفكار، فما يطلق عليه سحر هم يسمونه كرامة، فكل شيء يجري من منظور مقدس. الناس تصلي، وتصوم، وتزور المراقد، يعرفون الحلال والحرام، لا خمارات، ينامون مبكراً، لا سينما، لا مسرح.. في تلك اللحظات، ينقم محمد من فراس، يرى فيه رجلاً مستسلماً، خاضعاً للظروف الاجتماعية، ليس بالمثقف الحقيقي، الممتلئ بالمبادئ الصارمة، لقد عافت نفسه الرجل.
يأتي دور الفتى فرج ابن السقاء، دائمًا ما يكون هو الصوت الذي يتخفى وراءه السارد، وهو ينشغل بصياغة العمل. هذا الصبي الذي سيضيع أثناء سفره مع جده لأمه، الجد الذي تولاه هو وأمه بعد وفاة الأب، ثم وفاة الجد في السيارة وسرقة أمواله، اختفاء الصبي داخل مدينة الفلوجة. نحن نعاين سفراً في المدن، ليس للسياحة والترفيه، والترويح عن النفس، إنه الشتات والتيه، والسعي وراء تحقيق التعهد بالنذور خوفاً من اللعنات، أو تقرباً من الأولياء، الرغبة في الموت بالقرب من المراقد الشريفة. فهناك حب جارف «لآل البيت» وعترتهم الكرام، حب يتوارثه الجميع، جيلاً بعد جيل، لدى جميع الطوائف المسلمة، يتصاعد، تاريخياً، وعلى نحو راديكالي لدىي البعض.
لكن الكاتب يمرّ حانياً على هذه المسلَّمات، لا يبحث عن الإثارة، أو يميل إلى توجيه بعض شخوص الرواية نحو غايات محددة. إنه يلجأ إلى الوصف، يحكي لك حكاية ليس طرفاً فيها، يرددها من دون مسحة مذهبية، أو التفافات ماكرة، وكأنه استمع إليها من آخرين. يتأخر إلى الوراء، يتخذ مسافة من الجميع وهو يكتب، لا يُعرب عن آرائه، حتى لا يتطاير غبار القناعات الشخصية إلى المتن، ويصير راوياً مشاركاً في الأحداث، يفتقر إلى الموضوعية والحياد.
إنه لا يكتب عن الاستعمار البريطاني مثلاً، محمَّلاً بخطاب معين، قائم على المقاومة والتحريض، ولكنه يكتب عن المواطن الذي ينوب عن شريحة كبرى من أصحاب السير الشبيهة، في تحولاته، وأطوار حياته، عبر مشاهد واقعية، خالصة، يدرك القارئ من خلالها أنه أمام شخصيات عراقية، عراقية، بكل ما فيها من زخم. يكتب عن مستويات مختلفة، عن طباع سكان المدن الكبرى، والمدن الصغيرة، عن القرى البعيدة، والصحراوات الحارقة، عن شخصية المختار النمطية بعض الشيء، الرجل الذي يرى في نفسه ممثلاً للدولة، ومحور الكون في نطاقه الضيق، الذي من حقه أن يتزوج هادية أجمل الصبايا، ثم الأرملة الجميلة فيما بعد، وهي شخصية رئيسية في العمل، فهي أم الصبي فرج، وزوجة السقاء الذي لقي حتفه في أول الرواية وشقيقة الدكتور محمد، وهي نموذج مثالي لصبر ومعاناة المرأة العراقية، وتحملها الحياة تحت وطأة أشد الظروف قسوة وصعوبة، واحتمالية العيش في كنف زوج فقير، صاحب مهنة متواضعة، بعيداً عن مسقط رأسها. إنها تتحمل كل المصاعب برضاً، وبدون تململ، ثم يجيء الترمل، والعودة إلى بيت أبيها هي وابنها، لتبدأ من جديد دورة حياة مختلفة كلياً.
يأتي رصد الحياة الاجتماعية، والعمل على إدماج المتلقي في تيار أحداث الرواية، ثم اختراع حكاية شائقة بداخلها، تجري سطورها عبر أكثر من فصل، لجذب الانتباه، وتسريع الإيقاع، مستمداً من الرواية البوليسية عنصر التشويق، والتحري، والبحث عن الحقيقة، كحكاية اختفاء الصبي فرج. وهذه غذَّت السرد بلعبة جيدة من ألعاب الخيال، وعملت على إدراج خط موازٍ لخط الرواية الأصلي، من دون أن تنال من توازنها، أو تدفع القارئ إلى التشتت، وعدم التركيز. لقد صارت حكاية وثيقة الصلة ببقية أحداث الرواية، ولا تنفصل عنها.
من جهة أخرى، يبدو أنه لا يوجد عمل سردي عراقي بدون سياسة، لا بد من العروج عليها، ولو من غير قصد، ومن دون تخطيط مسبق. إنهم يتنفسونها، تجري في دمائهم، صعب التجاوز عنها، ستمر ولو عابرة، على لسان أحدهم. إنها قَدَر هذا الوطن، من دونها لن تفهم الأمور إلا فهماً ضئيلاً، ولن يُفهم الوضع التاريخي للحقبة التي نحن بصددها. يعتقد المقربون من محمد الكبيسي أنه ترك سامراء وذهب إلى بغداد، ثم بيروت، فراراً من نفور الناس منه، فهو يخرق أفكار المجتمع، ويكتب ما يثير حفيظتهم، حتى أن أحدهم يُدخل الرعب في قلب المختار بعدما صار زوجاً لهادية شقيقته:
«حتى الكلام يا أخي، اذهب واسأل عن شقيق زوجتك ماذا قال، ماذا كتب، ما أفكاره».
فقال المختار بذعر: «كيف يعني؟»
«يعني شيوعي مثلاً؟ قومي؟ يحب فلسطين؟»
تلقي السياسة بظلالها القاتمة على المشهد، توقظ مشاعر الخوف لدى المختار، تتجلى قوته الكاذبة، تستحيل خوفاً. يتساءل: «وما دخلني؟» يزيده الآخر رعباً: «كيف ما دخلك؟ هذه الأشياء التي لا تعرف منها سوى الاسم متعارضة فيما بينها، وقد تحب واحداً فيقبض عليك لأجل أخرى، وتبقى أنت المسؤول عن عائلة الدكتور هذا!».
ورغم التشكيل السردي للواقع، ورصد كثير من مفردات الحياة، والعلاقات الاجتماعية بين البشر، والدخول في صلب العادات والتقاليد، على نحو يستحق التقدير، فإن الكاتب أراد أن يلملم الأحزان، ويجعل الفصول الأخيرة سرادقات أفراح، متصالحاً ورفيقاً بكل الشخصيات، معيداً كل الأشياء إلى أصلها المثالي.
محمود السامرائي: «منازل اللوعة»
عصير الكتب، القاهرة 2024
206 صفحة.