مناوشات دينية بين مصر وإثيوبيا على خلفية أزمة سدّ النهضة

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يقتصر السجال في ملف سد النهضة على المسؤولين السياسيين في مصر وإثيوبيا، بل امتد لرجال الدين في البلدين.
تصريحات وبيانات متبادلة بين مؤسسات ورجال دين مصريين وإثيوبيين حول أزمة السد، التي تتهم فيها القاهرة أديس أبابا بمحاولة السيطرة على النيل الأزرق، وتؤكد أن السد يمثل تهديدا حيويا لها، إذ تحصل على 90 ٪ من مياه الري والشرب من نهر النيل، فيما تقول أديس أبابا إن السد لأغراض التنمية وإنتاج الكهرباء، وإن مصر تثير مخاوف ليس لها وجود.
«النجاشي أم أبرهة؟» كان عنوان آخر محطات هذا السجال، بعد أن تحدث رئيس المجلس الأعلى الفدرالي الإسلامي في إثيوبيا، الحاج عمر إدريس، عن بلاده ردا على بيان شيخ الأزهر، بوصفها أرض النجاشي، ذلك الملك العادل الذي هاجر إليه المسلمون فرارا بدينهم في السنوات الأولى لبعثة النبي محمد، في وقت قال وكيل الأزهر الأسبق وعضو لجنة الفتوى الرئيسية في الأزهر عباس شومان، إن اديس أبابا تسير على خطى أبرهة ذلك القائد العسكري الذي حاول هدم الكعبة المشرفة.

«لا تليق بعالِم»

شومان كتب على صفحته الرسمية على «فيسبوك» إن «اللهجة التي تحدث بها الحاج عمر إدريس، الذي يعد مفتي إثيوبيا أيضا، عن مصر والسودان وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وإمام المسلمين، لا تليق بعالم يفتي الناس».
وأضاف «شيخ الأزهر يعرف النجاشي وعدله، وحدَّث الوفد الإثيوبي الذي زار مشيخة الأزهر قبل سنوات، حين طفت أزمة سد النهضة على مسرح الأحداث، مذكرا بالعلاقات التاريخية بين المسلمين منذ صدر الإسلام وحتى وقتنا الحاضر».
وأوضح أن «شيخ الأزهر قال للوفد حينها كلمات تكتب بماء الذهب، ومنها لسنا ضد انتفاع إثيوبيا بماء النيل؛ لكن ليس على حساب عطش المصريين».
وتابع: «نعم كان النجاشي الذي تعيشون على أرضه عادلا؛ لكن حكومتكم ليست حكومة النجاشي، وهي ليست على سيرته؛ بل هي على سيرة جدكم أبرهة، الذي حاول هدم الكعبة، فأثبتوا أنكم أبناء النجاشي لا أبرهة، واعلنوا حق مصر والسودان فعلا لا قولا، واعلن أنت أنك حفيد النجاشي واثبت أنك عادل مثله».

بيان الأزهر

السجال جاء بعد بيان أصدره شيخ الأزهر أحمد الطيب، الأسبوع الماضي، دعا فيه المجتمع الدولي والأفريقي والعربي والإسلامي لتحمل مسؤولياتهم والتكاتف ومساندة مصر والسودان في الحفاظ على حقوقهما المائية في نهر النيل، والتصدي لادعاء البعض ملكية النهر، والاستبداد بالتصرف فيه بما يضر بحياة شعوب البلدين.
وأعرب الطيب عن «تقديره للجهود الدبلوماسية المصرية والسودانية، والتحلي بلغة المفاوضات الجادة، والسعي الحثيث لإيجاد حلول تحفظ للجميع حقوقهم في استثمار الموارد الطبيعية دون الجور على حقوق الآخر بأي شكل من الأشكال».
كما أكد على أن «التمادي في الاستهانة بحقوق الآخر لا سيما الحقوق الأساسية مثل الماء ـ هو أمر منهى عنه شرعا، فضلا عن كونه مخالفا للأخلاق والأعراف والقوانين الدولية والمحلية، ولو فُتح هذا الباب فسوف تكون له عواقب وخيمة على السلام العالمي، فبعض الأنهار يمر بأكثر من 5 دول، فهل يتصور أن تنفرد به أحدها؟».
وسرعان ما ندد إدريس ببيان شيخ الأزهر، معتبرا أنه «يفتقر للواقعية، وأن هذا النوع من الدعوات يتعارض مع القيم الإسلامية، ومرفوض تماما من حيث المبادئ الدينية».
وأضاف مفتي إثيوبيا في تصريحات صحافية أن «مياه النيل تنبع من إثيوبيا التي لها الحق في الاستفادة من مواردها الطبيعية دون إلحاق ضرر كبير بدول حوض النيل بشكل عام» وفق وكالة الأنباء الإثيوبية.
وقال إدريس إن إثيوبيا «طلبت الاستخدام العادل والمنصف من الموارد الطبيعية، التي تربط جميع دول حوض النيل» معتبرا أنه «طلب عادل ولا ترفضه الشريعة ولا القانون» وفق تعبيره.

موقف الكنيستين

وجددت أزمة سد النهضة الخلافات بين الكنيستين المصرية والإثيوبية، الممتدة منذ عام 1959، وهو العام الذي وقع فيه اتفاق استقلال الكنيسة الإثيوبية بعد 15 قرنا من الخلاف.
وفي مايو/ أيار الماضي دخلت الكنيسة المصرية على خط نزاع سد النهضة الإثيوبي، وطالب البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بإيجاد «حل عادل يضمن الحق المائي للشعب المصري والشعب السوداني».

معركة تصريحات بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين في البلدين

وتتحسب مصر، وكذلك السودان، من تنفيذ إثيوبيا المرحلة الثانية من تعبئة خزان السد في يوليو (تموز) المقبل. وتطالب دولتا مصب نهر النيل باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيل وملء السد، المقام على الرافد الرئيس للنهر، بما يمكّنهما من تجاوز الأضرار المتوقعة للسد، خاصة في أوقات الجفاف.
وخلال إحدى عظاته في مقر الكاتدرائية المرقسية الكبرى في القاهرة، قال البابا تواضروس: مصر أعطت للنيل الحياة والعراقة، والكنيسة القبطية ككنيسة وطنية للدولة المصرية تدعم مصر في سعيها لإيجاد حل عادل لصالح المصريين والسودانيين.
وأضاف: أود أن أشير إلى مقولة المؤرخ اليوناني هيرودوت (مصر هبة النيل) في الواقع مصر أعطت للنيل الحياة، أعطته معنى، منحته العراقة التي اكتسبها من حضارة المصريين، لم يعط أحد للنيل مثلما أعطت مصر والمصريون.
وأبدى البابا تواضروس دعمه للسلطات المصرية في التعامل مع القضية، قائلاً: ندعم القيادة السياسية في مساعيها لإيجاد حل شامل وعادل لمشكلة المياه، يضمن حق الشعب المصري وأشقائه الشعب السوداني في الحياة التي وهبها الله.
وزاد: ننظر إلى دولة إثيوبيا الشقيقة، فنحن في قارة واحدة قارة أفريقيا، وندعو إثيوبيا حكومة وشعباً بدلاً من أي قلق أو صراع أو متاعب، إلى المشاركة والتعاون والتنمية لكي نعمل جميعاً ونحن أشقاء نهر النيل الخالد، ونعمل جميعاً من أجل هذه الشعوب جميعها التي عاشت على أرض أفريقيا مئات وآلاف السنين. وأضاف: «نصلي أن تنجح الله كل الجهود الطيبة الدبلوماسية والسياسية حتى لا نلجأ إلى أي جهود أخرى، ونصلي من أجل المسؤولين في هذا الأمر».

وقف التدخل

في المقابل دعا القديس سينودوس، رئيس المجمع المقدس لكنيسة التوحيد الإثيوبية الأرثوذكسية، بعض الدول إلى وقف التدخل في إثيوبيا.
وزاد يجب على بعض البلدان التوقف عن التدخل في تنميتنا الوطنية، ويجب على شعوب العالم أن تفهم أن إثيوبيا تحافظ على وحدتها.
ودعا الإثيوبيين إلى مواصلة دعمهم لسد النهضة الذي أوشك على الاكتمال، وأنه خطوة للأمام في رفع الفقر. بالإضافة إلى ذلك دعا البيان الجميع إلى المساهمة في إنهاء الوضع الحالي، حيث يدعو جميع الإثيوبيين إلى التعاون بنجاح.

دير السلطان

وجددت المناوشات بين الكنيستين، الأزمة المتعلقة بملكية دير السلطان داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس المحتلة. والخلافات بين الكنيستين الممتدة منذ أكثر من 200 عام، عادة ما تحركها الخلافات السياسية بين البلدين.
وفي أبريل/ نيسان الماضي، أقدم رهبان إثيوبيون على رفع علم بلادهم على خيمة بالدير، الأمر الذي أثار غضب الرهبان المصريين في الدير، وقاموا بإزالة الخيمة، ما تسبب في اعتراض الإثيوبيين وهجومهم على رهبان الكنيسة المصرية.
وحسب بيان سابق للكنيسة المصرية فإن «السلطان القبطي، هو أحد أديرة الكنيسة القبطية خارج مصر، ومباني الدير ومشتملاته ومكوناته تدل على هويته القبطية، شأنه شأن جميع الأديرة القبطية، وهو جزء من ممتلكات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الأراضي المقدسة، ولم يخلُ الدير إطلاقاً يوماً من الأيام من الرهبان الأقباط المصريين». وتؤكد الكنيسة المصرية أن دير السلطان كان وسيظل أحد ثوابت مقدساتها في الأراضي المقدسة لكل مصري في العالم أجمع.
وتتفاوض الدول الثلاث منذ 2011 للوصول إلى اتفاق حول ملء السد وتشغيله، لكنها رغم مرور هذه السنوات أخفقت في الوصول إلى اتفاق.
وتبني إثيوبيا السد على النيل الأزرق الذي ينضم إلى النيل الأبيض في السودان لتشكيل نهر النيل الذي يعبر مصر. وترى أنه ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية، في حين تعتبره مصر تهديدا حيويا لها، إذ تحصل على 90 ٪ من مياه الري والشرب من نهر النيل.
وتطالب دولتا مصب نهر النيل باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيل وملء السد، المقام على الرافد الرئيس للنهر، بما يمكّنهما من تجاوز الأضرار المتوقعة للسد، خاصة في أوقات الجفاف. وترفض الدولتان الملء الثاني لسد النهضة قبل توقيع الاتفاق، فيما تتمسك إثيوبيا بتنفيذ الخطة الثانية من الملء في شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب المقبلين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية