منتدى دافوس في سويسرا 2019: تشاؤم أم تفاؤل؟

فؤاد الصباغ
حجم الخط
0

يمثل انعقاد مؤتمر دافوس في سويسرا من كل سنة الفضاء الدولي الاقتصادي الأرحب لتقييم الأحداث الاقتصادية العالمية السابقة ووضع نظرة استشرافية وتوقعات للأحداث المستقبلية. أما منتدى دافوس لسنة 2019 فكان منعرجا فاصلا نظرا لغياب العديد من زعماء العالم وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ففي ظل هذه المتغيرات والصراعات الإقليمية والدولية على النفوذ يشهد العالم في أواخر هذه العشرية تقلبات واضطرابات عديدة منها السياسية والاقتصادية تسببت في ركود عالمي حاد. كما ساهمت عدة عوامل في تراكم هذه الأزمات منها اتفاق البريكست واحتجاجات أصحاب السترات الصفراء والحروب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط.

ويشهد النمو الاقتصادي العالمي تباطؤا متواصلا نظرا لعدة عوامل ولعل أبرزها انخفاض أسعار المحروقات وتراكم الأزمات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية. فهذا التباطؤ المستمر في أواخر هذه العشرية يعكس مدى درجة التخبط التي تشهدها بعض الدول في إدارة شؤونها الاقتصادية ومبادلاتها التجارية. إذ تعاني أغلب الدول العالمية من العجز في الميزانية وتراكم المديونية مما أثر ذلك سلبا على تحقيق نسبة نمو اقتصادي مرضي. كذلك ساهم عامل انخفاض الانتاجية والقدرة التنافسية في الأسواق العالمية خاصة منها الصادرات وتزايد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بزيادة الأجور في تعقيد الأمور وتأزم الأوضاع الاقتصادية. أما من جانب الاستثمار فقد تضرر كليا خاصة مع انخفاض الإدخار وفقدان الثقة في المغامرة برأس المال الذي دائما يكون جبانا في ظل أي عدم استقرار أمني أو سياسي. إن انجراف الأوضاع الاقتصادية نحو الانكماش نتيجة لانخفاض المردودية مع تزايد نسبة البطالة والتضخم عوامل ساهمت في انخفاض نسبة النمو الاقتصادي وبالتالي في اختلال التوازن بين العرض والطلب في الأسواق بحيث ارتفعت الأسعار وتدهورت المقدرة الشرائية. بالإضافة إلى ذلك كانت للمنتجات الصينية واحتكارها للأسواق العالمية الأثر العميق في اختلال المبادلات التجارية وافلاس بعض الشركات الصناعية في بعض البلدان رغم السياسة الحمائية.

المصير المجهول

يعد الجدل المتواصل حول اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمعروف بريكست أهم حدث اقتصادي وسياسي عالمي. إذ بدأت تظهر بوادر لتفكك الفضاء الأوروبي المشترك والمشكل لثاني قطب اقتصادي وتجاري عالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. إذ يشكل الاتحاد الأوروبي كتلة اقتصادية قوية ذات عملة اليورو الصاعدة والواعدة في تداولات الأسواق المالية العالمية والتي هي ذات قيمة نقدية مقابل سلة العملات الأجنبية. بالنتيجة يشكل خروج بريطانيا من هذا الفضاء الأوروبي للتبادل التجاري الحر تصدعا كبيرا في الاتحاد الجمركي والمالي المشترك. فبالرغم من مساعي الحكومة البريطانية بطرح مبادرة للخروج بحزمة من الامتيازات الاقتصادية خاصة منها على الصعيد المالي والتجاري إلا أن الرفض الأخير لهذا الاتفاق من قبل مجلس العموم البريطاني مثل طعنة خنجر في ظهر هذا الاتفاق الذي لم يدخل حيز التنفيذ وضل حبرا على ورق. بالتالي ساهم التردد في الموقف البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي في العديد من الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية ووضع نظرة استشرافية غير مستقرة على مستقبل الاقتصاد الأوروبي.

السترات الصفراء

إن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها فرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى تحت مسمى ثورة أصحاب السترات الصفراء شكلت هي أيضا جزءا هاما من اهتمامات منتدى دافوس. فقد كانت لهذه الأحداث المأساوية نتائج سلبية على الأوضاع الاقتصادية الأوروبية بحيث برهنت بكل وضوح عن مدى التذمر والسخط الشعبي نتيجة لسياسات العولمة الاقتصادية. فالمطالبة بالتغيير عبر رفع شعارات الأحزاب الاشتراكية والشيوعية والتحالفات مع الجبهة الشعبية تمثل نذير خطر مستقبليا يهدد كيان الفضاء الأوروبي المشترك الذي دائما يراهن على فاعلية سوق رؤوس الأموال وتدفق الاستثمارات الأجنبية وتحفيز المبادلات التجارية عبر تسهيل الحركية وتخفيض الضرائب الجمركية داخل هذا الاتحاد الموحد.

الشرق الأوسط

 

لم تكن تلك الأزمات التي تشهدها أغلب دول الشرق الأوسط بعيدة عن طاولة التحليلات الاقتصادية لمنتدى دافوس في سويسرا وبالتالي بقي التشاؤم مخيما نظرا لاشتداد الأزمات الإنسانية للاجئين السوريين بالمخيمات وتحول المجاعة من افريقيا إلى أطفال اليمن. كذلك شكل الحصار على دولة قطر أهم حدث اقتصادي نظرا للدور المحوري الهام للشركات القطرية واستثماراتها الخارجية في دول الاتحاد الأوروبي أو في دول عالمية أخرى. إذ شكل تراكم الأزمات الإنسانية والاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط العنصر المهم المتسبب مباشرة في الركود الاقتصادي نظرا لتزايد تكلفة الحروب الدائرة في تلك المنطقة خاصة في اليمن وسوريا في ظل الانخفاض المستمر لأسعار النفط والغاز وتكبد ميزانية دول الخليج خسائر مالية كبرى.

الاقتصاد الرقمي

 

إن الرهان على الاقتصاد الرقمي يعد مكسبا هاما لجيل التكنولوجيات الحديثة التي طبعت ملامح الاقتصاد العالمي الحديث. ففي هذا الإطار تسعى دولة اليابان إلى تجديد نمط منتجاتها الإلكترونية والتكنولوجية الحديثة لتستحوذ على أكبر قسط من الأسواق العالمية. أما في المقابل فالقمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية التي انعقدت مؤخرا في بيروت وضعت هي أيضا رهانها المستقبلي على الاقتصاد الرقمي من خلال إحداث صندوق استثمار في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتصال بقيمة تقدر بحوالي 200 مليون دولار ساهمت فيه كل من الكويت وقطر بمبلغ 50 مليون دولار. بالتالي يمثل هذا الرهان على الاقتصاد الرقمي العمود الفقري للتنمية من أجل تحقيق نسبة نمو اقتصادي مرتفعة.

عموما شكل منتدى دافوس الاقتصادي العالمي لسنة 2019 الحدث البارز لطرح نقاش حول بوادر التشاؤم من خلال تقديم صورة سيئة من خلال تكهناتها لتباطؤ النمو الاقتصادي وبوادر الركود التي تشهدها أغلب دول العالم التي تتخبط في العديد من المشاكل الداخلية منها الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي. أما التفاؤل فقد كان جزئيا واقتصر على رسم مخطط استشرافي يراهن على التكنولوجيات الحديثة عبر البحث والتجديد أو تطوير البرمجيات مع خلق مشاريع صغرى ذات مردودية إنتاجية عالية تحقق الاستقرار والازدهار وتقليص الفجوة الرقمية مما يساهم في رفع نسبة نمو الاقتصاد العالمي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية