«منديل بالفراولة» رواية السوري خليل الرز: تداخلٌ مذهل في نسج الرواية بمغزل الحبّ

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

الحبُّ، ثم الحبُّ، ثم الحبُّ؛ حلم الروائيين، وزادُ الروايات إن لم يكن هواءها الذي إن لم تتنفس، اختنقتْ بيباس الإحساس. والحبُّ، ثم الحبُّ، ثم الحبُّ، كابوس الروائيين، وخانق الروايات في ذات الوقت، بما راكم في تاريخ الرواية من قصص العِفَّة والإخلاص، الغوايات والخيانات، التملّك والحرّية، وكل ما يمكن وما لا يمكن تخيّله عنه، والنفاذ منه إليه. ولكنّه الحبُّ، ثم الحبُّ، ثم الحبُّ الذي يمنح الروائيين قوّة تحدّي اجتراح الجديد فيه، ويفتح لهم إن أخلصوا لقلوبهم في نبضها بالآخَر، ووسَّعوا رؤاهم في سبر تغييرات عصرهم فيه، وامتلكوا إبداع معالجة وجوه حبّهم المكشوفة المجهولة القديمة المتجدِّدة؛ أبوابَ جنّات ابتكار الروايات.
من جلجاميش الذي قاده صراعُه مع عشتار للضياع في خلوده، إلى أوليس الذكوري الذي رَهن واهماً بينيلوبي لنسيج مَجْده، إلى باريس الذي أحرقَ طروادة بتفّاحة هيلين، إلى آدم الذي أطعم تفاحة الخطيئة لحواء، إلى قيس بني عُذرة في جنون توحّده بالإلهة، إلى روميو المطعون بتوت شام ثيسبي البابلية، إلى وإلى وإلى مختلف روايات الحب التي لا تنتهي بالحب في زمن الكوليرا، ولا تمَّحي بروح عشتار السارية في المحبوبات السوريات. ولا تتفكَّك بتفكُّك الاتحاد السوفييتي، يواصلُ الحبُّ سردَ وجوهه، إلى ما يتداخل في زمن هذا التفكُّك، بالمنمنمات المسيحية في القرون الوسطى، وحديقة ملذّات هيرونيموس بوش الأرضية، ونفوس غوغول الميتة، ودخان تورغينيف، وليالي دوستويوفسكي البيضاء، ومنديل ديدمونة شكسبير.
ملموماً بقصاصة ورق لموعد حبّ، وثلاث حبّاتِ فراولة، يفتتح بها الروائي السوري خليل الرز روايته عن الحبّ بعنوان بالغ الرمزية والصقل بنبيذ ثقافة الحبّ هو «منديل بالفراولة»، ويطوّرها إلى أبعادٍ حسّاسةٍ في التداخل بهذا العنوان وتحويله بمفهوم رمز شكسبير المزدوج عنه، إلى ثيمةٍ للرواية. تنتقل، من حبّات فراولة سيّدة الرواية الأولى «رايا» الثلاث، إلى تطريز مفرش طاولة المطعم الذي ضمّ الجمال الكامل المخيف الممثل بسيّدتها الثانية «ناتاليا» مع صديقتها والراوي وصديقه، إلى كيس فراولة سيّدتها الثالثة «نونّا» التي تتناولها حبّة حبّة بتلذذ على كرسي الحديقة أمام تمثال بوشكين، المقتول بمبارزة على سيّدة، إلى إفريز الفراولة الحجرية الضخمة الذي يكلّل رؤوس جدران الجادة العريضة باتجاه محطة كازان، حيث تقدّم له حبّة فراولة من كيسها.
إلى إيصال الرز ثيمته لمعاني الحب المزدوجة في سهرة ميلاد نونّا، التي أعدّ لها حبيبُها فولوديا أمام من توجّس أنه منافسه فيها، طسْتاً مملوءً بالفراولة لتهرسها قدماها العاريتان، وقولها أنها تعلَّمتُ من أبيها أن نبيذ الفراولة «يكون لذيذاً جداً إذا هُرست ثماره بقدمي امرأة تحبُّها في عيد ميلادها». وإبداء المعلم مكسيم فاديميتش حيرتَه بقوله: «إن ما دعاه دائماً إلى التأمّل كان المنديل الذي طرّزه شكسبير بالفراولة، ثم جعل بطله المغربي عُطَيْل يقدّمه هديةً لزوجته ديدمونة. دائماً كنتُ أسأل نفسي ما الذي دفع مؤلفاً مسرحياً عظيماً مثله لأن يختار الفراولة بالذات. وأحياناً يخطر بي أنّ بطلتَه المسكينة ديدمونة كانت ضحيّةَ هذه الثمار الحمراء الشهيّةَ المطرّزة في هدية زوجها عطيل، دون أن أُثبِت ذلك».

تداخل متراكبٌ في السّرد

في روايته عن الحب، يضع الرز بنية بسيطة مشغولة بستة فصول تتفرّع إلى أقسام قليلة بأرقام لاتينية، مع فصل سابع خاتِمٍ، بفقرة قصيرة جداً لا تختم بقدْر ما تفتح الروايةَ على عوالمِ أشكال الحب وصوره المتضادة المختلفة. ويعالج في هذه البنية صراع الرجال على المرأة، وخيارات النساء المحكومة بتاريخ الذكورية، ومشاعر ذنب خذلان المرأة، ومخاتلات الحب داخل الرجل؛ مناغماً هذه البنية، بما يطوّر من أسلوبٍ قوامُه التداخل الخفيُّ المتراكب المفتوح على عوالم الاحتمالات.
من جهة أولى: في منظومته السردية التي تقتصر على راوٍ وحيد يسرد بصيغة المتكلم عنه وعن الآخر في علاقته به، ما يبتكر الرز، متجاوزاً أسلوب ميلان كونديرا المشوّق في التحليل عن الآخر بالعلم عنه، من أسلوبِ سردِ الراوي غير العليم، بصيغة سين وسوف المستقبل، فاتحاً لقارئه عوالم احتمالاتٍ ثريةٍ تخصّ حياته فيما إذا اعترضته ذات المشكلات، وستعترضه حتماً لأن أحداث الحياة تسير هكذا. مع إشغال الرز تفكيرَ قارئه بالتساؤلات عن سلوك وردود أفعال الآخر في الحالة المعروضة، بتدفّق طبيعي، يحدث في الحياة ويمارسه العديد من الروائيين بعاديته، لأحلام اليقظة التي ينفض عنها الرز غبار العادية، بماذا لو، والتصرّف وفق احتمالات هذا اللماذا، قبل أن تأتي لحظة العاصفة التي تكون على غير متوقَّع ما يرسمه الخوف أو الخزي أو التأمل أو الرغبة عادةً.
وفي منظومة سرد الراوي غير العليم بالآخر إلا من خلاله، يُدخل الرز الأفعال المضارعة على فعل الماضي الذي يقود الرواية بـ «كان يا ما كان» خالقاً بهذا الإدخال المتواطئ مع صيغة المستقبل، مشهديةً سينمائيةً تزيدها السخرية الخفيفة المبطَّنة التي يتقنها متعةً في التصور وعيش الحالة. ويزيد الرز دفقات المتعة بشاعرية الحدث وغناه بالثقافة المتداخلة المجسِّدة لعلاقات الماضي بالحاضر، حيث:
«حاولت، ما بوسعي، أن أبالغ في تجفيف وجهي لأتمكَّن من تنظيف ملامحي تماماً من أي اهتمام بالبرقية التي قُرِئت في الموزع قبل قليل. لكنّ أبدول تقدّم باتجاهي في هذه الأثناء، وكَمَنَ لي عند باب الحمام تماماً. وكان من غير المعقول طبعاً أن أستمرَّ في تنظيف وجهي أكثر من ذلك، فرميتُ بالمنشفة على كتفي والتفتُّ نحوه كما لو أنني لم ألاحظْه حتى الآن. ثم بدا لي، وأنا أنزلق من باب الحمام بمحاذاة كرشه تماماً، أنني أستطيع أن أصفِّر من شدة لا مبالاتي به لولا يده الثقيلة التي حطَّتْ فجأة فوق كتفي وبدأت تربِّت عليها. تريثتُ في مكاني مثل مربَك. وكنت لا أريد أن أظهر أمامه متحرجاً من ذنوبي الفظيعة التي كان يتخيَّلها، فسألته عما إذا كان قد حضر فيلم فلّيني « المقابلة» الذي يعرضونه في سينما كوسموس المجاورة».

تداخل متراكبٌ في الشخصيات

في أسلوب تداخله المتراكب، يطوّر الرز من جهة ثانية: أسلوب معالجاتٍ خاص لشخصياته، النسائية بخاصة، من خلال رؤية الشخصيات الرجالية عنهن، وبالأخص شخصيّة صديق الراوي الخطاط السوري سالم، الذي: «برأيه أن من الغباء وقلّة الضمير والحيلة أن تُفاضِل بين امرأة وأخرى.». والذي «كان يعتقد أن المرأة القبيحة لا وجود لها إلا في أذهان الرجال المحدودين بمعايير الجمال الدارج». وذلك بمداخلة الرز صور المرأة وسيكولوجيتها بشخصيات الأدب، الروسي بخاصة، حيث: «في مساء آخر عبّر لي عن حبّه الكبير لبطلة تشيخوف سونيا كتجسيد أدبيٍّ للمرأة ذات الجمال غير الدارج بصورتها الشجاعة».
وتعميق الرز معالجة شخصية المرأة ذات الجمال الدارج والمرأة اغير الجميلة، بالتداخل المثقف الرهيف الغني مع أنواع الخط العربي: الكوفي المغلق بكماله، وخط الثلث الذي يدعوك دائماً لاكتشاف المعاني الكامنة خلف المعاني الظاهرة. وفي هذا يغني الرز مخيّلة قارئه، ليس في مماثلات الثقافة فحسب وإنما أيضاً بتداخلات البشر فيما يتعاملون به من أشياء مهمَلة بشرط الاعتياد في الوقت الذي تنبض في حقيقتها بما يعبِّر عن توقهم ورغباتهم ومخاوفهم وكل ما يخصّ مشاعرهم نحو الجمال، كما يلمَس القارئ في شخصية نونّا التي ربما جذبها مفهومها عن الخفيّ داخل الظاهر في هذا الرجل الذي يسير مع لعبة حبيبته رايا الغائبة في حلّ مشكلتها مع زوجها.

في الظاهر وما يخفيه

في تداخله المتراكب في أسلوب السرد، وأسلوب معالجة الشخصيات، يطوّر الرز في الظاهر قصة حبٍّ بين رجل سوري هو الراوي الصحفي المتداخل بشخصية الكاتب وحياته الشخصية، حيث لا يذكر له اسماً في الرواية، وحيث يجد القارئ تماثلات حقيقية مع المعروف من حياته، وبين امرأة أذَرَية تعيش حقها في اختيار حبّها، كاسرةً قيودَ الزواج التي فرضتها ظروفٌ لم تعدْ تناسبها، في زمن تفكك الاتحاد السوفييتي، وانفجار ما اختزنت دمّلته من فساد واستبداد وباطنيات، تُبرز شخصيّات العُذّال الممثَّلة بالانتهازي الأذري أبدول.
وفي هذه القصة، الكلاسيكية الشيّقة فعلاً في متابعة ما سوف يحدث من ردود فعل الزوج على اختيار زوجته لغيره، رغم أنهما اتفقا قبل ذلك على الانفصال، كما من المخاطر التي سوف يتعرّض لها الراوي العاشق؛ يُسرِّب الرز مخاتلات الحب الذي تُوجِّه مصائره الظروف، ربّما على غير ما كان سيؤول إليه بغيرها. ويسرِّب للقارئ بتداخلات علاقات الراوي بامرأتين محتملتين كحبيبتين هما ناتاليا ونونّا، وبآراء صديقٍ علمته تجاربه أن لا يؤمن بالحب الأحادي رغم تكشُّف أنه متزوج؛ وجوهَ ما يختزن الحب من تعدّد الوجوه، كما يسرِّب له غنىً معرفياً متصالحاً أو متضاداً مع قناعاته، لكنه في كل الأحوال، مثيرٌ لتفكيره  في العلاقة المحيّرة بين الرجل والمرأة، حيثُ الختام بموعد الرضا المتداخل مع امرأتين لدى الراوي:
«في الساعة السابعة، من مساء يوم الأربعاء كنت، في داخلي، أتجول مع نونا في حديقة النباتات، وآكل مع رايا محشي ورق العنب في شقة صديقتها أنوش، وأفكر بتصليح دراجتي المعطوبة في الموزع لكي نتنزه عليها أنا والدمية، فقد كان الطقس جميلاً جداً في ذلك المساء».

خليل الرز: «منديل بالفراولة»
منشورات ضفاف ـ الاختلاف: الجزائر 2022
249 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية