القاهرة ـ «القدس العربي»: أصدرت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، تقريراً، أمس الأربعاء، عن لائحة العقوبات التي من المرتقب أن يصدرها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر.
وكانت المسودة المسربة للائحة العقوبات الخاصة بالمخالفات الإعلامية لوسائل الإعلام المختلفة، أعدتها لجنة الشكاوى في المجلس الأعلى المصري لتنظيم الإعلام، أثارت انتقادات واسعة من صحافيين، اعتبروها وسيلة جديدة تستخدمها السلطات لإسكات وإعدام الصحافة في مصر.
وتنوعت العقوبات في اللائحة المسربة، بين الغرامات التي تصل إلى 500 ألف جنيه مصري، وحجب المواقع الإلكترونية والصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنع صحافيين من الكتابة.
وقالت الشبكة في تقريرها، إن «الأمر لا يقتصر على وضع عقوبات قاسية ومتعسفة تُتخَذ بسبب تعبيرات فضفاضة ومرنة، وشبه مجنونة أحياناً، بل وصل إلى مخالفة الدستور ووضع عقوبات حظرها الدستور تماماً، مثل الوقف والمصادرة أو الإغلاق، عبر عقوبة سحب الترخيص».
واعتبرت أن «هذه اللائحة تمثل كارثة إضافية لما تبقى من صحافة وإعلام مهني في مصر، وهما على ندرتهما، باتا رهينة مواد عبثية وتعسف وقصور في فهم دور الإعلام والصحافة، بحيث يتحول الصحافي والإعلامي والوسيلة الإعلامية إلى موظفين تابعين لهيئة حكومية أقرب في سلوكها للهيئة العسكرية التي تنفذ ولا تناقش».
وأكدت أن «هذه اللائحة لا يجب تعديلها، فالتعديل يعد ترقيعا لثوب مهلهل، وأن هذه اللائحة تستدعي الإلغاء تماماً والاعتذار عنها».
وأضافت أن «تنصل المجلس الأعلى للإعلام من اللائحة بعد نشرها، لا ينفي جريمة طرحها، وإظهار الموقف المعادي لحرية الصحافة والإعلام الذي يتخذه هذا المجلس».
الجمهور ضحية
وتابعت الشبكة «ليس الصحافي أو الإعلامي أو وسيلة النشر، هو ضحية هذه اللائحة فقط، بل أيضاً الجمهور الذي يُمعن هذا المجلس في حرمانه من الصحافة المستقلة والمهنية، ويفرض عليه إعلاماً وصحافة، باتت في أغلبها أقرب للإملاءات والتوجيهات والأوامر، والمثير أن هذه اللائحة التي صدرت عن المجلس، تخالف في بعض نصوصها قوانين المجلس نفسه». وأوضحت أن «اللائحة تخالف القانون 180 لسنة 2018، لتنظيم الصحافة والإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حيث يمعن المجلس في إنزال عقوبات صارمة وشديدة القسوة ضد الصحافي والإعلامي ووسيلة النشر، رغم أن المادة (94) تنص على إخطار النقابة المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة في المخالفات التي تقع من أحد أعضائها بمناسبة توقيع المجلس أحد الجزاءات على إحدى الجهات الخاضعة للمجلس الأعلى، وتلتزم النقابة المعنية باتخاذ الإجراءات التأديبية في مواجهة الشخص المسؤول عن المخالفة وفقًا لقانونها».
وأشارت إلى «أنها تكتفي في تقريرها بطرح أمثلة لبعض المواد، وإظهار مدى التعسف والجور وغياب العقل والمنطق فيها، وكذلك تعارض بعضها مع مواد الدستور نفسه».
عضو مجلس نقابة الصحافيين: المهنة ستنتهي في حال تطبيقها
وتناول التقرير «المادة الثانية من اللائحة، التي نصت على معاقبة كل من سمح أو استخدم عبارات سوقية أو غريبة أو تعبيرات غير مفهومة أو إيماءات أو إشارات من شأنها إهانة جهة أو شخص ما أو كانت تنطوي على تهكم أو سخرية أو تهديد أو تؤذي مشاعر المواطنين، بغرامة لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه ولا تزيد على مائتين وخمسين ألف جنيه، ولفت النظر، والإنذار، وإلزام الوسيلة بتقديم اعتذار بالطريقة ذاتها التي وقعت بها المخالفة».
وتساءلت الشبكة «ما المعيار الذي ستقاس عليه غرابة أو سوقية بعض التعبيرات التي سيعاقب عليها القانون؟ ومن الذي سيحدد ذلك؟ وما المقصود بكلمة غير مفهومة؟ وهل كل شخص سينطق بكلمة غير مفهومة لجهة معينة، سيعاقب طبقاً لنص هذه المادة ؟ وما اﻹيماءات أو الإشارات التي سيعتبرها القانون جريمة يعاقب عليها؟».
عقاب أصحاب الرأي
وأكدت المنظمة الحقوقية أن «هذه التعبيرات ستكون فخاً وسبباً في عقاب الكثير من أصحاب الرأي لعدم وضوحها وإمكانية سوء استخدامها».
وتناول التقرير كذلك «المادة الثالثة من اللائحة، التي نصت على معاقبة كل من نشر أو بث شائعات، أو أخبارا مجهولة المصدر، أو نقل عن مصادر إعلامية أخرى، أو استخدم السوشيال ميديا كمصدر للمعلومات دون التحقق من صحتها من مصادرها الأصلية، أو حال عدم احترام الرأي الأخر من حيث التوازن بأحدى العقوبات الآتية، لفت النظر، أو توقيع غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد عن 25 ألف جنيه، أو يجوز مضاعفة العقوبة واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، حال استخدام عبارات تشمل التخوين دون سنة، كما يجوز وقف بث البرامج، أو الباب أو الصفحة أو الموقع الإلكتروني لفترة مؤقتة، وتوقيع غرامة لا تقل عن 250 ألف جنيه، ولا تزيد عن 500 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين، عندما يتسبب ما تم نشره في حدوث أضرار اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية».
وعلقت أن «هذه المادة تجرم النقل عن وسائل إعلامية أخرى بدون تحديد ما هي الوسائل الاعلامية التي لا يُعتبر النقل عنها جريمة».
وتابعت: «ألقت المادة عبء التحقق من صحة الخبر على من ينقل أو ينشر الخبر نقلا عن وسائل إعلامية، وهو أمر غير عاقل أو منطقي، فليس دور من ينقل الخبر أن يتحقق من مصدره الأصلي، بل أن يذكر مصدر خبره». أما المادة الرابعة، حسب التقرير، «فتركت العبارات والألفاظ التي تسيء إلى مؤسسات الدولة والإضرار بمصالحها العامة، دون ضبط محدد، فأصبحت تحتمل تأويلات عديدة، ومثال على ذلك النسيج الوطني، فما هذا النسيج الوطني؟ ودون مبالغة فأغلب المصريين لا يعرفون هذا التعبير، ومن يعرفه يفسره بشكل مختلف عن غيره، وما المقصود بإثارة الجماهير؟ أي إثارة يقصدون؟ وماذا لو تم إثارة جزء من الجمهور ولم يُثر جزء آخر؟».
منع البث
وأشارت الشبكة في تقريرها إلى أن اللائحة «منحت المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حق منع بث الوسيلة الإعلامية لفترة محددة حال جسامة المخالفة، وإلى منع بث أحد البرامج المرئية أو المسموعة نهائياً لاعتبارات تقتضيها المصلحة الوطنية أو للحفاظ على مقتضيات الأمن القومي، وسحب تراخيص الصحف والطباعة لمدة محددة».
في السياق، تقدم محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، بطلب للمجلس لمناقشة ما سماها «كارثة» مشروع لائحة عقوبات المجلس الأعلى للإعلام، والتي «ستقضي على ما تبقى من المهنة في حالة إقرارها».
وقال في الطلب: «لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعقد مجلس النقابة اجتماعا في هذا التوقيت دون أن تكون كارثة مشروع لائحة عقوبات المجلس الأعلى للإعلام على رأس جدول أعماله، وهي اللائحة التي لو تم إقرارها لن يكون هناك جدوى من مناقشة باقي الملفات، بل لن تكون هناك مهنة من الأساس».
وتأتي لائحة العقوبات في إطار قانون تنظيم الإعلام الذي صدق عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أسابيع، ووصفه صحافيون بقانون «اغتيال» مهنة الصحافة.