مشهد من فيلم «تصادم»
في فترة التسعينيات نشطت حركة السينما العالمية والعربية، وذهبت محاور النقاش إلى اتجاهات عديدة، فشملت القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية، ومن ثم ارتبطت الحركة النقدية في الفترة نفسها بالإيقاع السينمائي ارتباطاً وثيقاً، وظهرت في مصر إصدارات وكتابات جادة ومُختلفة، حملت عناوين أكثر التصاقاً بالهم العام، وأصدق في التعبير عن هموم الأوطان ومُشكلاتها، ولم تستثن الحركة النقدية السينما الأمريكية وما طرحته من إشكاليات حول أزمات المجتمع الأمريكي، وما يتصل بمُشكلات المواطنين في الولايات المُتحدة.
من بين الأفلام الأمريكية المهمة التي أحدثت ضجة إبان عرضها الأول في عام 2006 فيلم «تصادم» للمخرج بول هاجيس، وهو كندي الأصل حصل على جائزة الأوسكار عن فيلمه المذكور، بعد أن آثار عاصفة من الجدل حول رؤيته السينمائية الشاملة للمجتمع الأمريكي الذي يعاني من اختلاط عرقي يؤدي إلى ازدواجية في المعايير والثقافات، فبينما تتمسك الإدارة الأمريكية برفع شعار الحرية، وتشيد تمثالاً ضخماً يعبر عن رمزية الشعار وموضوعية الممارسة الفعلية لمبدأ الحرية، نجد صراعاً عنصرياً مُحتدماً يشير إليه الفيلم الجريء تحت العنوان الدال «تصادم» كأنه إقرار علني بحقيقة الشيزوفرينيا، التي يعاني منها المجتمع الأمريكي، ويحاول إخفاءها بأساليب الدعاية الفجة لمفاهيم الحرية، فالفيلم يكشف في أحداثه عن آلام العنصرية الموجعة التي يشكو منها أصحاب البشرة السمراء، جراء اعتداءات البيض على كرامتهم وشرفهم وانتهاك حقوقهم كافة، باعتبارهم جنس آخر مُختلف في اللون والعرق! ولم تكن هذه الثقافة العنصرية خاصة ببعض المُتعصبين الأمريكيين، حسب تناول الفيلم، لكنها تُمثل منهجاً عاماً لدى الغالبية وهو ما يُضاعف من الأزمة الإنسانية، ويُعظم من حجم القضية الكبرى التي تُحدث تصدعاً في جدار البنية الاجتماعية لدولة الحريات. وقد اتسمت أفلام معينة أنتجت خارج مؤسسة هوليوود بنقد السياسة الأمريكية في هذا الشأن، غير أن بعضها تطرق إلى قضايا اقتصادية وسياسية ذات صلة، لإثبات العلاقة بين مكونات الثقافة الاجتماعية والقوى التأثيرية للمال والسُلطة، ولعل فيلم «سيد الحرب» للمخرج أندرو نيكول، بطولة نيكولاس كيدج قد أشار في مضمونة لعالم تجارة الأسلحة، كما أشار إلى خطورة تصاعد مؤشرات الاستثمار في هذا المجال، واستمرار الحروب الأهلية والإقليمية في العديد من دول العالم، وهو شق آخر من أزمات المجتمع الأمريكي، وسياسة إشعال النيران التي تتبناها الإدارة الأمريكية في مُختلف الحقب، وهو الجانب الخفي الذي كشفته السينما، وفضحت به أكاذيب ومزاعم النزوع الأمريكي للسلام العالمي والحرص على أمن الشعوب.

وعلى صعيد آخر طرحت بعض الأفلام الأمريكية قضايا نوعية لأشكال وأحجام الصراعات الدائرة في القارة الافريقية، بأياد خارجية كقضية البترول ومحاولات تعطيل الاكتشافات الجديدة للحيلولة دون تقدم الدول المنتجة للبترول، فضلاً عن استهداف شركات الأدوية والسعي لتحويل سكان القارة الافريقية لفئران تجارب بتواطؤ من بعض الحكومات والأنظمة، وهذه القضية على وجه التحديد كانت محل تركيز واهتمام بالغين من المخرج فرناندو ميرليس، الذي عمد إلى طرح التفاصيل كاملة في فيلمه «البستاني العنيد» قبل عدة سنوات ليحذر من مغبة الأخطار المُحدقة بالقارة الافريقية وسكانها، وهو ما يعد مواجهة صريحة من جانب السينما الأمريكية التي اختلفت مع السياسة الأمريكية في مراحل معينة وقالت كلمتها بصراحة ووضوح في القضايا الدولية المُشتركة ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وبخلاف السينما الأمريكية وما طرحته من صراعات وتحديات، كان للسينما المصرية أيضاً دور مهم في رصد أهم القضايا والتعليق على ما حدث خلال الفترة الماضية، التي تجاوزت الخمسة عشر عاماً، ولأن السينما التسجيلية هي المضطلعة دائماً برصد الوقائع والأحداث، فقد ظهر نشاطها جلياً في فيلم «مكان اسمه الوطن» للمخرج تامر عزت، الذي أنتج بالتعاون مع منظمة اليونسكو العالمية، واختص بعرض وتحليل ظواهر النقلة الحضارية والثقافية للمجتمع المصري في ضوء المتغيرات التكنولوجية الباعثة على التواصل مع الغير، عبر وسائل كثيرة لتبادل المعارف والخبرات والثقافات، فمن خلال نماذج معينة لبعض الشباب من الجنسين طرح المخرج في حينه تساؤلات خاصة عن المستقبل والمصير وحرية الاختيار والسفر والهجرة والحب والزواج إلى آخر ما يشغل الشباب من تساؤلات واستفسارات وقضايا تتعلق بحياتهم الشخصية ورغباتهم وآرائهم، وقد تضمن كل مشهد من الفيلم تعريفا للمُتلقي بما يدور في أذهان الأبطال وتنطوي علية ثقافتهم وتترجمه أفكارهم، وهي فكرة أقرب إلى حالة الاستقراء النفسي، منها إلى الحالة السينمائية المكتوبة مُسبقاً في سيناريو، والمحكومة بحوار مُتفق عليه، ولعل ذلك ما وضع الفيلم في قائمة الأعمال السينمائية المُتميزة، فالمضمون التسجيلي لم يخرج عن مُعطيات الهم الإنساني وما يشغل المواطن من قضايا ومشكلات ترتبط بماضية وحاضرة ومستقبله، وهي قيمة السينما الحقيقية التي تجمع بين كل الأشياء والأضداد في إطار واحد مهما كانت الاختلافات الثقافية أو الجغرافية أو العرقية.
كاتب مصري