في الحياة الأدبية المصرية أوهام شاعت حولي وصدقتها في بعض الأحيان. من أول هذه الأوهام هو أن الكاتب لا يستطيع أن يكتب رواية كل عام. كان هذا أول ما سمعته من بعض كتاب الستينيات، حين وفدت إلى القاهرة في منتصف السبعينيات. لا أخجل من أن أقول إني صدقته في البداية ولوقت طويل.. كان بعضهم إن لم يكن كلهم يعيبون على بعض الكتاب كثرة إنتاجهم، ومنهم نجيب محفوظ نفسه، الذي كانوا يتحلقون حوله في مقهي ريش، ولا يمرّ عام إلا وله رواية جديدة، أو مجموعة قصصية، وقالوا ذلك دائما عن خيري شلبي.
الحقيقة أن كثيرين منهم كانوا مشغولين بأعمالهم، أو بالبحث عن ما يسد مطالب الحياة. ومن وجد طريقه للاستقرار أنتج كثيرا. لماذا أذكر هذا الوهم الآن؟ لسبب آخر وهو أن دور النشر تتراجع عن نشر عملين لكاتب واحد في العام، بحجة أن الكتاب الثاني سيؤثر في مبيعات الكتاب الأول. وهي حجة مقبولة من الناشرين طبعا، لأنهم يضعون يدهم في السوق ويعرفون.
في حديث تليفوني جرى أخيرا بيني وبين عمار علي حسن تطرقنا إلى هذه المسألة عن غير قصد. فعمار غزير الإنتاج يكتب في الفكر والقصة القصيرة والرواية والنقد، وأنا صرت غزير الإنتاج. بالفعل في الثلاثة أعوام الأخيرة صدرت لي روايتان وكتابان أحدهما مترجم، ثم أخيرا رواية من ثلاثة أجزاء، الذي حدث معي ومع عمار أنه صار لدينا متسع من الوقت، فعمار الأصغر مني بعشرين عاما استقال من عمله في وكالة الشرق الأوسط الصحافية مبكرا، وتفرغ للكتابة والبحث. أما أنا فقد أحلت إلى التقاعد منذ خمسة عشر عاما، وإن لم أكن أثناء العمل مشغولا به، فشهرتي كانت في الغياب أكثر من الحضور. وكان السبب بسيط جدا، وهو أني لا أريد لشيء أن يشغلني عن الكتابة والقراءة، وراتب الحكومة لا يساوي مكافأة مقالين أو قصة قصيرة ومقال في مجلة عربية. كنت حين أتولى منصبا باقتراح من رئيس الهيئة التي أعمل فيها، سواء الثقافة الجماهيرية أو هيئة الكتاب، اجتمع بالموظفين أقسم العمل بينهم وأطلب منهم أن ينسوني، إلا إذا كان هناك أمر مهم، فسأذهب إليهم مرة في الأسبوع على الأكثر. من ناحية أخري كنت أتقدم بالاستقالة بعد ثلاثة أو أربعة أعوام. رغم عدم حضوري للعمل، إلا أن التليفون في البيت كان لا ينقطع من الأدباء خارج القاهرة، خاصة حين كنت مديرا للثقافة العامة التي تُعني بالأدباء خارج العاصمة، أو رئيسا لتحرير سلسلة كتابات جديدة عند نشأتها. مشاكل الكتّاب في الأقاليم لا تنتهي، سواء بينهم أو من أجل النشر، أو من أجل السفر للمؤتمرات وغير ذلك كثير جدا. رغم ذلك حتى عام 2000 تقريبا كان الوقت ما بين رواية وأخرى لا يقل عن ثلاث سنوات. ليس لاقتناعي بما تردد حولي مبكرا، لكن لأني كنت أقوم بجهد كبير في جمع مادة علمية لروايات بعينها، أو بزيارة أماكن الرواية، خاصة أنني في القاهرة، وكانت الإسكندرية لا تزال تتسيد رواياتي، فضلا عن إحساسي بصغر السن. كنت أقول لنفسي أمامك الوقت والزمن. لا أقول ما يتردد من أوهام وكذب من أني أظل شهرا حتى أجد كلمة واحدة مناسبة.
بعد عام 2000 تغير الوضع النفسي وساعدني عليه أن رواياتي تقريبا صارت أحداثها في القاهرة، باستثناء رواية واحدة لم تدفعني للسفر، لأن أحداثها في منطقة العجمي، التي أذهب إليها كل صيف هي ومنطقة سيدي كرير في الساحل الشمالي. تحدثنا أنا وعمار علي حسن كيف كان توفيق الحكيم يصدر أحيانا كتابين وثلاثة في العام، وكذلك تقريبا كان معظم جيل ثورة 1919 باستثناءات قليلة. دائما هناك استثناءات لأي ظاهرة، لكن تظل استثناءات وليست قاعدة. طبعا هم كانوا في ظروف أفضل رغم الاحتلال. كانت الوظيفة مهما كان راتبها تضمن لصاحبها استئجار شقة في أي مكان والحياة باستقرار. بالنسبة لجيلي فأكثر من أعرفهم اضطروا للسفر إلى الخليج ليجدوا مكانا يعيشون فيه في مصر.. صار هذا الوهم الذي تخلصت منه يكبر حولي الآن. ليس مهما أن غزارة الإنتاج تصبح حديث المقاهي، فهذه نميمة تعودنا عليها، لكن المهم أن دور النشر تخشى أن تكرر نشر كتاب لكاتب إلا بعد مضي عام. طبعا بعض من يقرأ هذا سيقول في نفسه وما المشكلة أن يكون النشر كل عام، وأنني متعجل.
الوهم الثاني وهذا أيضا من إنتاج الستينيات هو عدم تعدد المسارات الإبداعية للكاتب، يعني إذا كنت روائيا فلا تدخل مجالا آخر، وإذا كنت قصاصا لا تترك القصة القصيرة وهكذا، رغم أن الموهبة تنفجر في ما تجده أسرع استجابة لها.
الحقيقة أن أهم ما يراه الكاتب لعمل انتهى منه هو أن يراه منشورا. لا يدخل أبداً في هذه الحسابات العملية التي قفزت إلى حياتنا لسبب آخر غير الوهم القديم، أو الكذب من أن الكاتب قد يمضي شهرا يبحث عن كلمة مناسبة.
لدور النشر الحق في ما تفعل لأن ما تطبعه من العمل أقل من ذي قبل، حتى عام 2000 كانت الطبعة لأي رواية أو ديوان ثلاثة آلاف نسخة، وقد جربت ذلك في كل ما نشرته وقتها، بل كانت مكتبة الأسرة مثلا تطبع أحيانا ثلاثين ألف نسخة من الكتاب، ولا يتأثر الناشر الأصلي في مبيعاته. اختلف الوضع الآن. وبرعت بعض دور النشر في التسويق الكاذب فتطبع متي نسخة وأحيانا خمسين نسخة وتقول لقد نفدت الطبعة الأولي وتجد في ثلاثة أشهر الطبعة العاشرة. دور النشر الكبيرة تعرف ذلك فهي الأقرب إلى السوق، لذلك لا تتحمس لطبع كتابين للكاتب الواحد، إلا بعد فترة لا تقل عن العام وتكون طبعتها عادة ألف نسخة. يمكن أن يحقق الكتاب أكثر من طبعة في العام، لكن تظل كل طبعة ألف نسخة وهذا أفضل طبعا من كذبة المئتي نسخة. ما الفارق بين الحاضر والماضي؟ المفروض أن يزداد الطبع لازدياد عدد السكان، لا أحد يمكن أن يضع تفسيرا نهائيا للمسألة.
الوهم الثاني وهذا أيضا من إنتاج الستينيات هو عدم تعدد المسارات الإبداعية للكاتب، يعني إذا كنت روائيا فلا تدخل مجالا آخر، وإذا كنت قصاصا لا تترك القصة القصيرة وهكذا، رغم أن الموهبة تنفجر في ما تجده أسرع استجابة لها. قبل هذا الزمن كانت السينما مفتوحة للكتاب، فنجيب محفوظ حين توقف عن الكتابة بعد ثورة يوليو/تموز 1952 لأنه لا يعرف إلى أين نذهب، جاءه عرض لكتابة السيناريو، وكتب أكثر من سيناريو مباشرة للسينما، وبعضها عن روايات الآخرين، حتى عاد للرواية مع «أولاد حارتنا» عام 1959. الأمر نفسه حدث مع يوسف إدريس فكتب سيناريو ليوسف شاهين، وكذلك فعل يوسف السباعي كثيرا وإحسان عبد القدوس. هذا يحدث في العالم كله، لكن نحن مغرمون بأن يكون الكاتب معزولا في جزيرة واحدة، حتى إن يوسف إدريس كاتب القصة والرواية والمسرح والسيناريو، حين سألوه عن مقالاته الأسبوعية، وكيف يوازن نفسه بين المقالات والإبداع، قال إن مقالاته قصص قصيرة، حتى ينتهي من هذا النقاش العقيم. حقل واحد الآن يجذب كل الكتاب والناس هو الرواية، لأنه لم تعد لدينا سينما ولا مسرح، وحتى إن وجدت السينما أو المسرح فطريقهما طويل ليس بسهولته من قبل. الواضح طبعا أن عامل الجذب للرواية هو الجوائز والشهرة، لكن الخفي أنه طريق دائما يكون الكاتب فيه وحده لا يتدخل أحد في ما يكتبه، أي العزلة أكثر وأكثر عما حولنا.
روائي مصري