من الأعشى إلى الياس أبو شبكة ونزار قباني: ملامح الرمزية في تراثنا الشعري

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

الرمزية مذهبٌ أدبي نشأ وتطوّر في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وترك آثاره في شِعر لغاتٍ أوروبية مجاورة مثل الألمانية والإنكَليزية وحتى الروسية، بدرجات مختلفة. وقد يتساءل المرء يا تُرى هل كان للمذهب الرمزي من أثر في أدبنا العربي، والشِعر منه بخاصة؟
إذا تذكَّرنا أن المذهب الرمزي، كما يُمثِّله شعراء فرنسا ومن تبعهم، منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى حدود عشرينات القرن العشرين، إنما يقوم على التشبيه والتطوير في الصورة إلى حدود المبالغة أحيانا، أمكن القول إن الشعر العربي منذ بداياته، بما كان يحفل به من تشبيهات، بلغَت حدود الإفراط في بعض الشعر العباسي والأندلسي، إنما كان يحمل مياسم ما صار يدعى بالمذهب الرمزي. والرمزية بمعناها العام تفيد التعبير عن شيء بشكل غير مباشر. يقول رامبو أول الشعراء الرمزيين (1854-1891) ما مَفادُه: يُريد الشعر الرمزي أن يتلبَّسَ الفكرة بشكل محسوس. كما يقول ستيفان مالارميه (1842-1898) إن الرمزية فنّ استدعاء شيء قليلاً قليلا لكي يكشف عن مزاج، لأن تسمية الشيء مباشرةً هو إبعادٌ للقسم الأكبر من المتعة المُستقاة من القصيدة، لأن المتعة تكون في الكشف التدريجي والتعبير عن الأفكار والمشاعر بالإيحاء من خلال رموز غير مفسَّرَة. ونجد أمثلةً كثيرةً على هذه الأقوال في شعر بودلير (1821-1867) في مجموعته الشهيرة «أزهار الشَر». ففي قصيدة «تناغُم المساء» نقرأ: «كلُّ زهرةٍ تَعبَقُ مثل مَجمَرة بُخور/ ويرتعش الرّبابُ مثل قلب ٍكسير». كما يقول رامبو في قصيدة «الزورق السَكران»:» لقد رأيتُ السماوات تُمزِّقها البروق ونوافيرُ المياه/ وكواسرَ الموج والتيارات/ لقد رأيتُ الغسَق/ والفجرَ يرتفع مثل سِربِ حمام…».
لكن سعي الشاعر الرمزي للتعبير عن شيء أو فكرة بشكل غير مباشر يختلف عن سعي ت.س.إليوت للتعبير عن شعور أو فكرة بما دعاه «المُعادل الموضوعي» أو الترابط الموضوعي. فمجموعة الصُوَر والأحداث عند إليوت التي تعادل الفكرة أو الشعور لا تقتصر على ذاتها بل تشير إلى الفكرة أو الشعور وتؤكِّد عليه. فهو يتحدث عن «الضباب الأصفر الذي يحكّ ظهره على ألواح زجاج النوافذ؛ كما يتحدث عن النهايات المحترقة لنهارات مُدخِّنة…» ففي هذه الصور الغريبةِ غرابةَ الصور الرمزية يكون التوكيد على الفكرة وتجسيدها أكثر منه على الصوَر وحسب. الضباب الأصفر خارج النوافذ يحمل فكرة النهار الكئيب في الخارج الذي يلحّ على الدخول إلى داخل الدار؛ كما أن النهايات المحترقة لنَهارات مدخِّنة هي صورة سيكارة إنتهى تدخينها ولم يبقَ لها سوى أن تُقذَف جانباً. هذه الصور وأمثالها هي المعادل الموضوعي لحياةٍ عقيم هي حياة ج.آلفريد. بروفروك في أغنية حب، أو حياة السكرتيرة العزباء التي تقيم في غرفةٍ كئيبة لا يزورها فيها سوى ذلك الموظف في وكالة عقار، بوجهه المُدمّل، مُمثِّلاَ دور العاشق… وهو ما نجده في قصائد إليوت المبكِّرة مثلاً.

مثل هذه التشبيهات الغريبة أو الصور المُبالَغ فيها ليست قليلة الوجود في شعرنا التراثي. ففي مُعَلقة عمرو بن كلثوم نقرأ: ملأنا البَرَّ حتى ضاق عنّا/ وظهرَ البحر نَملَؤه سفينا. ولا أحسب أن الشاعر الجاهلي قد عرف البحر، بل ربما قد سمع عنه، لكن موهبته الشعرية وخياله المُجنّح الذي أوحى بهذه الصورة يذكِّرنا بالصورة في قصيدة «الزورق السكران» الذي كان فيه الشاعر، في الخيال، لأن رامبو لم يكن قد رأى البحر قبل كتابة قصيدته، كما نقرأ في سيرة حياة الشاعر. ومثل ذلك نجده عند الشاعر الإيرلندي و.ب.ييتس في قصيدة «الإبحار إلى بيزنطة». ففي هذه القصيدة من الأوصاف الغرائبية وتصوير المنحوتات والجداريات في المدينة البيزنطية التي لم يعُد لها وجود ما يجعل القارئ يتساءل إن كان الشاعر يصف المدينة الدارسة أم أنه في متحف من صُور تلك المدينة التاريخية، وهي صُوَر مُجمّعة من كتب التاريخ وذكريات المؤلفين. لكن الصورة التي تقدِّمها القصيدة تكاد تكون مُقنِعةً في تفصيلاتها قَدر واقعية قصيدة «الزورق السكران» أو صورة الشاعر الجاهلي في تفاخره بكثرة أعداد رجال قبيلته في استعدادهم للحروب. ومثل ذلك مُعلّقة الأعشى في وصف الحبيبة هُرَيرَه: كأن مِشيَتَها من بيت جارتها/ مرُّ الغمامة لا ريثٌ ولا عَجَلُ. السؤال الغرير هنا: كيف استطاع الشاعر أن يرى، وهو أعشى، ضعيف البصر، ويتبيّن مرّ سحابةٍ في السماء ويُشبِّهها بمِشية هُرَيرَة إذا لم يكن ذلك من فعل البصيرة دون الباصرة؟ أمّا وصفه جلسةَ شرابٍ مع جماعةٍ من الأصحاب: نازَعتُهم قُضُبَ الرّيحان مُتَّكِئاً / وقهوةً مُزّةً راووقُها خَضِلُ، تذكِّرنا بأن القهوة في الجاهلية كانت تعني الخمرة المصنوعة من تَمرٍ ونَحوِه وتوضع في كيس من القماش الخفيف، وهو الراووق، لتنزل منه قطرات الخمرة رائقةً ويبقى الراووق خضِلاً قبل أن يجفّ. وقُضُب الريحان كانوا يستعينون بها على رائحة الخمرة، قبل أن يعرفوا حَبّ الهال، الذي يستعين به أصحاب الكاس والطاس في الأيام اللاحقة. هل أبرع من هذا وصفاً وتشبيهاً فيه من الواقعية ما ليس في أمثلة شعراء الرمزية الفرنسيين؟ هذه هي واقعيةٌ أشبه بالخيال، وخيالٌ أشبه بالواقعية، وهذه أمارَةُ الشِعر النفيس.
والتشبيه الذي هو أساس المذهب الرمزي نجده في أسمى أمثلة البلاغة العربية في لغة القرآن الكريم. وقد نكتفي بمثالٍ واحد من بين أمثلةٍ كثيرةٍ وهي تشبيه صورة نور الله بتفصيل عجيب الجوانب، نقرأه في «سورة النور»: «مَثلُ نورهِ كمِشكاةٍ فيها مِصباحٌ، المصباحُ في زُجاجةٍ، الزُجاجةُ كأنها كوكبٌ دُرِّي، يوقَدُ من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ، لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ، يكاد زيتُها يُضيء ولو لم تمسَسهُ نارٌ، نورٌ على نور…» هذا الرمز المتوسِّع المتطوِّر صورةٌ عن كلمةٍ واحدة: نور الله.
فهل في لغات الأرض وآدابها من رمزيةٍ تقترب من هذه الرمزية؟
وفي شعرنا المعاصر أمثلةٌ كثيرةٌ من الصور الرمزية التي تشير إلى فكرةٍ وبعضها قد يتضاءل أمام تفصيلات الصورة، مما يبدو أشبه بمحاكاة غريرةٍ للرمزية الفرنسية، التي تُعنى بالصورة على حساب الفكرة في الغالب. من ذلك ما نقرأ عند إلياس أبو شبكة في مجموعته «أفاعي الفردوس»: وللحَمأ الغالي نشيشٌ ورَغوةٌ/ كأن الورى مٌستَنقعٌ يتنهَّدُ. أيّةُ بشاعةٍ هذه عند مُتَفَرنِسةِ بعض الشعراء! فقد يجد بعضنا أن هذه الصورة الرمزية على بَراعتها تفتقر إلى الجمال الذي نطلبه في الشعر. لكن هذا الجمال نجده عند نزار قباني في صُوَره الرمزيةِ العديدة التي تُغني بالتشبيه والفكرة في آنٍ معاً: كمَيسِ الهوادج شرقيّةٌ/ تسوق إلى الشمس حُلوَ الحُدا. هذه صورة تجمع الارتباط بالتراث إلى شعور المُتكلّم فلا نجدها غريبةً علينا غرابةَ الصُوَر في قصيدتَي رامبو أو ييتس، لأن نزار يقول لنا «تَخيّلتُ حتى جَعلتُ العطورَ تُرى ويُشَمّ اهتزازُ الصدى». ويقول في قصيدة «سامبا»: «للمآزر/حينما تنشالُ بَحَّة/ إن للمُخمَلِ صَيحة/في الحناجر». كلُّ هذا بعد أن «غَطّ قَوسَه/في شرايين الشَفَق/خشَبُ القوسِ احترَق/ حينَ مَسّه. وعلى ضلعِ الكمنجا/وَتَرٌ يسفحُ وَهجا/ وشَرارا…».
لا أعرف شاعراً جسَّد مفهوم «تمازُج الحواس» كما فعل نزار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية