من السرقات والخمر إلى الترف ومعاداة السامية: معاتبة مشاهير الشعراء

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

في أيام المدرسة، تعلّمنا احترام التراث الأدبي حدّ التّقديس، فلم نكن نفكّر في مناقشة ما يعرضه علينا المدرّس من أمثلة في الشعر، قديمه وحديثه. أمّا الكلام الحكيم، من نصائح وتوجيهات في الحياة، فكان المدرّس يقول: “هذه من الحديث النبويّ الشريف” وقد يستدرك أحياناً، فيقول: “إنها من كلام علي، كرّم الله وجهه”. وهكذا تشكّلت لدينا حصيلة ثقافية، لا نجرؤ على مناقشتها، إن لم نقل التشكيك في مصادرها، أو صحة عباراتها.

وفي مراحل متقدمة من الدراسة، صرنا نقرأ كتباً في “النقد” تتناول بعضاً ممّا قرأنا لشعراء وأدباء، كان أبرزها كتاباً بعنوان “سرقات المتنبّي”. كانت تلك أولى الصدمات. المتنبّي يسرق؟ ممّن؟ وربّما كانت أحدث الصدمات مقالات تشكّك في روايات الأحاديث النبوية الشريفة، بوضع جامعيها في سياقهم التاريخي، في ابتعادهم عن الرواة الأوّلين، الأقرب إلى حياة الرسول (ص)، أو إلى الصّحابة الكرام. ولأن جميع مصنّفي الأحاديث، أو أغلبهم، من غير العرب، وقد عاشوا في أزمنة بعيدة عن حياة الرّسول (ص) وأصحابه، والتّابعين الكرام، فقد اهتزّ إيمان بعضنا بصحّة بعض تلك الروايات، إن لم يكن في نصوصها، أو محتواها، وهذا قد يؤدي إلى مزالق خطيرة. أمّا في مجال النظر النقديّ، أو التشكيك في النصوص الأدبية، أو في مواقف الناقدين، أو المشكّكين، فذلك ممّا يبتعد عن الخطر، لأنه “من المسائل التي فيها نظر”.

إعجاب القارئ العربي بشعر المعلّقات السبع، أو العشر، قد يؤدي إلى معاتبة لطيفة للشاعر، لا محاسبة أو محاكمة. هنا قد تفعل “أفعل التفضيل” فعلها في تناول القصائد. لكن اختلاف الرأي لا يُفسد للودّ قضية، كما يقولون.

معلّقة طَرَفَة بن العبد فيها توّجهات من الحكمة وصور عن حياة المجتمع الصّحراوي في تلك الأزمنة العتيقة التي لم تكن فيها كتب ولا مكتبات. فمَن، غير البديهة والموهبة، كان السبب فيما احتوت عليه المعلّقة من فهم للطبيعة وحياة المجتمع، لا يتفوّق عليها، قليلاً، إلاّ معلّقة زُهير بن أبي سُلمى؟ يعترف طَرَفَة أنه كان مِتلافاً لما ملكت يُمناه. فالكرم عنده مبالغة وإسراف، لاعتقاده أن الموت نهاية الكريم، مثل نهاية “نحّامٍ بخيلٍ بماله”. لكن هذا الرأي قاده إلى “وما زال تَشرابي الخمورَ ولذّتي/وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتلدي. إلى أن تحامتني العشيرة كلّها/وأُفردتُ إفراد البعير المعبّد”. أي البعير المطلي بالقَطران لمرض في جلده، فأبعدوه عن الإبل الأخرى.

لماذا فعلتَ هذا بنفسك، أيها المقدام؟: “إذا القوم قالوا، مَن فتى؟ خلت أنني/عُنيتُ، فلم أكسل ولم أتبلّدِ”. هذه معاتبة قد ترقى إلى انتقاد لهذا الشاعر الفذّ، الحكيم بالرغم منه.

والآن، نحن أمام المتنبّي (915-965). وهو ذروة الشعر العربي في العصر العبّاسي، وهو مالئ الدنيا وشاغل الناس، قولاً وفعلاً. ولكن: هل يليق به هذا الإفراط في التفاخر بنفسه، وقد شهد له بالفضل والتميّز الأعداءُ قبل الأصدقاء؟: “أي محلٍّ أرتقي/أيَّ عظيمٍ أتّقي! وكلّ ما قد خلق الله/وما لم يخلقِ/محتقرٌ في همّتي/كشعرةٍ في مفرقي”. قلتَ هذا أمام كافور الإخشيدي، بعبارة أجمل بلاغة: “وما طربي لمّا رأيتكَ بِدعة/لقد كنتُ أرجو أن أراك فأطربُ”. يقول بعض النحاة: “فأطربا” أحوط. إذا كانت هذه الصورة قد غابت عن إدراك كافور، فأنا أتصوّر أن الحاضرين قد أصابتهم رعشة أن كافور قد يدرك المغزى، فيفتك بالشّاعر. ولكنها “جَتْ سليمة”. التّفاخر مرض عضال: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/وأسمعت كلماتي مَن به صمم”. قال بعض الظرفاء: لو كان المعرّي حاضراً، لساءه ما سمع! هل كان ضرورياً، يا سيدي المتنبي، أن تقول لنا: “وإني، وإن كنتُ الأخيرَ زمانُه/لآتٍ بما لم تستطعْه الأوائل”. بلى. ولكن أين نضع الأوائل، من الشّنْفَرَى وأصحاب المعلّقات؟

ولنقفز عبر العصور ونصل إلى القرن العشرين، إلى كلام أمير الشعراء، أحمد شوقي. لا جدال في روعة قصائده، وريادتها في الزمان والمكان: من شعر الرزانة والحكمة إلى شعر الحكمة والطرافة، كما في: “سقط الحمار من السفينة في الدجى/فبكى الرّفاق لفقده وترحّموا. حتى إذا كان الصباح، أتت به/نحو السفينة موجةٌ تتقدّمُ. قالت خذوه، كما أتانيَ سالماً/لم أبتلعه، فإنه لا يُهضم”. وقد نعاتب أمير الشعراء برفقٍ على ما يُروى عن ظروف نظم قصيدته الجميلة: “سَلوا كؤوس الطِّلا، هل لامست فاها/واستشهدوا الرّاح، هل مسّت ثناياها”. روى بعضهم أن شوقي أقام حفلة في داره لمناسبة سعيدة، دعا إليها نخبة من الأدباء والأصحاب، بينهم أم كلثوم: “سومة”، تقدّم إليها شوقي بنفسه بكأس من الخمرة، إكراماً لها. لكن الشابة لا تشرب، بل رفعت الكأس إلى شفتيها ولم تذقه، بل أعادته بحركة ذكية أنيقة. فراح شوقي يغيب في غرفته بين الحين والحين، لدقائق، ويعود إلى ضيوفه. وبعد يومين، ذهب شوقي إلى دار “سومة”، التي فوجئت بزيارته، وقدّم لها مغلّفاً مع انحناءة احترام مبالغٍ فيها من رجل بمنزلته. استغربت “سومة” وسألت: “أيه ده؟ فلوس، ما يصحِّش!” فقال شوقي: “لأ. ده من وحيك!” وكان المُغلف يحوي قصيدة “سلوا كؤوس الطلا”. هل يناسب هذا اللطف المبالغ به منزلتك، يا أمير الشعراء؟

ومن أدباء الغرب، لا يسلم حتى شكسبير من بعض المعاتبة، التي وصلت هنا حدود الهجوم والاستنكار. هل يصدّق عاقل أن مسرحية شكسبير بعنوان “تاجر البندقية” يُمكن أن تكون ممنوعة من التداول والتدريس في أغلب المدارس الأمريكية وجامعاتها في خمسينات القرن الماضي؟ السبب العجيب وراء ذلك هو سيطرة الإعلام اليهودي في أمريكا، الذي يعدّ شكسبير “معادياً للسامية”! لا أدري إلى اليوم كيف غاب عن الإعلام في الغرب، الأوروُبيّ والأمريكي، أن العرب هم كذلك من أبناء سام بن نوح. وأن يهود اليوم هم، في الأغلب، من أولاد حام. فالصهاينة الذين قدموا إلى فلسطين هم من يهود الخزر والسلاف والرّوس. فصفة “اللاسامية” هنا تفيد “اللاعربية” كذلك. فالتهمة دينية، وليست عرقية. وتاريخ كراهية اليهود، أي أتباع الديانة اليهودية، منذ أن سبى نبو خذ نصّر اليهودَ في فلسطين، وحملهم سبايا إلى بابل في القرن السادس ق.م.، دون سبي غيرهم من الأقوام التي كانت تقطن في فلسطين، من كنعانيين وسوريين ومصريين وفينيقيين، هي كراهية لأتباع الدين اليهودي لا كراهية عِرق من الأعراق البشرية. يشهد بذلك تاريخ بريطانيا بوثائقه منذ أيام وليم الفاتح الذي غزا بريطانيا عام 1066، إذ أدخل أتباعُه اليهودَ من “رُوَوْن” الفرنسية. لكن الإنكَليز حاصروا اليهود في برج كْلِفَورْد في منطقة يَورْك عام 1190، وأحرقوهم جميعاً. لماذا؟ ويوم تتويج الملك ريتشارد الأول عام 1189، صدر الأمر الملكي بقتل جميع اليهود في المنطقة. وفي عام 1290، أصدر الملك أدوارد الأول أمراً بطرد جميع اليهود من إنكَلترا. واستمرّت كراهية اليهود في إنكَلترا، واتّخذت صورة شديدة في القرن السادس عشر، كما يظهر في مسرحية “يهودي مالطا” (1589)، من أعمال كرِستوفر مارلو، معاصر شكسبير الذي كتب “تاجر البندقية” (1597). في المسرحية الأولى، يمثّل باراباس اليهودي المكروه مثل شايلوك في مسرحية شكسبير. وقد امتدّ هذا الشعور تجاه اليهود في بريطانيا إلى وقتنا الحاضر، كما نسمع عمّا يجري في أحد أكبر الأحزاب السياسية في بريطانيا اليوم. فيا تُرى كيف استمر هذا الشعور على امتداد التاريخ في إنكَلترا التي لا تخلو من جماعات دينية أخرى، مثل الهندوس والبوذيين؟ ولا أحسب أن الإنكَليز قوم متخلّفين حضارياً، كما يُوصف بعض شعوب العالم الثالث!

معاتبة شكسبير هنا صورة من المحاسبة والهجوم لتعصّب ديني، وليست معاتبة أدبية ولا نقدية.

والشاعر الأمريكي-الإنكَليزي توماس ستيرنز إليوت (1888-1965) هو الآخر لم يسلم من تهمة اللاسامية. لم أجد لذلك إلاّ سبباً واهياً، لا يمكن الأخذ به، وهو إشارة عابرة في قصيدة “جِيرَونْشِن”، التي يصف إليوت فيها رجلاً متقدّماً في العمر: “ليس لديه شباب ولا شيخوخة، أشبه بنائم بعد العشاء، يحلم بالإثنين”. يقول جيرونشِن عن نفسه: “بيتي بيتٌ متهالك/واليهودي يُقعي -مثل الكلب – على عتبة النافذة، المالك/الذي فقّس -مثل بيض السمك- في إحدى مقاهي آنْتْوَيْرْب/ثم تقرّح في بْرُوكْسَل، وترقّع وتقشّر في لندن”. إلى أن يقول، “أنا عجوز، رأس خامل بين فضاءات رياح”. هذا “المتخشّب في بيت مستأجر”. هل يمكن من هذه الأوصاف أن تجعل من ت.س. إليوت “معادياً للسامية”؟ عجبي!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية