من العقاد إلى طه حسين ومارون عبود: غِشاوَة السُمعَة في صفوف الأدباء

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

كان أبناء جيلي ممن نشأوا في أربعينات القرن الماضي قد تفتّحوا على الثقافة التي يمثلها في مصر كتّابٌ كبار، وفنانون من كل صنف وتوجّه. وما زلتُ أذكر أن مدرس اللغة العربية في السنوات المتقدمة من المدرسة الثانوية كان أول من أرسل ببعثة الوزارة إلى جامعة القاهرة للتخصص في اللغة العربية. كان الرجل شاعراً، وفي القاهرة داوم على صحبة طه حسين عميد الأدب العربي، في المحاضرات والمناسبات المختلفة، كما صاحب العقّاد أبرز أدباء مصر في تلك الحقبة. وكان مدرّسنا يدير مكتبة المدرسة ويهدينا إلى كتب الأدباء المصريين ويطلب منّا كتابة البحوث عن تلك الكتب، فتكوّن فينا نوع من الإجلال لكل ما يصدر عن مصر وأدبائها، وبقي فينا ذلك الشعور طوال سنوات دراستنا الجامعية، ولم يخطر في بال الكثيرين منا مساءلة ذلك الموقف من الأدباء المصريين، مع تكاثر الأعمال الأدبية لشخصيات من سوريا ولبنان وفلسطين، مع أمثلة غير قليلة من الكتب الأجنبية المترجمة.

كان أول ما بدأ يتعرض لتلك الثقة بالكتّاب المصريين، إلى جانب ظهور كتّاب من أقطار عربية أخرى، ما ظهر بين بعض الكتّاب المصريين من تنافس وتحاسُد مما كنا نحسَبه لا يليق بالكاتب الكبير. وكان من شأن بعض الحكايات التي كان يسردها لنا مدرس العربية المتحمّس لأدباء مصر، أنها صوّرت نوعاً من المبالغة في مديح الذات وتفضيلها على الآخر. روى لنا مدرّسنا أنه سأل العقاد مرّة: “سيّدي أنت أديب كبير، فلماذا لا تحصل على الدكتوراه من الجامعة الغنية بأساتذتها؟” فكان جواب العقّاد: “أدرس على مين؟ على طه حسين؟ ده تلميزي”. وجدنا في ذلك أول ما ضعضع ثقتنا بالكاتب الكبير. وفي سنوات لاحقة، روى لي أستاذ فاضل، كان بصحبة من سيغدو بعد سنوات طبيبا بارزاً في تخصص نادر، وكانا في طريقهما إلى بريطانيا للدراسة، فرغبا بالتوقف في القاهرة للتعرف على البلاد ومعالمها وأدبائها، قبل أخذ السفينة من الإسكندرية إلى بريطانيا. كانت الصحف المصرية في بواكير الأربعينات تتحدث عن أدباء أوروبا وخاصة بالإشارة إلى الأديب الألماني توماس مان حائز جائزة نوبل عام 1929. فكان العقّاد ممن زاره الأستاذان الفاضلان، فسألاه: “ما رأي أديبنا الكبير بهذا الاهتمام بالأديب الألماني توماس مان؟” فكان جواب العقّاد: “أرأيتَ إلى حزائي هازا؟ والله إني لأستنكفَ أن أضربَ به أُمَّ رأسِ توماسِ مانِ! فمن هو تماسُ مانُ هازا يا صاح؟” هكذا بالحركات وبالعربية الفصيحة!

يقول الأديب الكبير “هازا” ويستخف بمنزلة طه حسين الذي صرّح في مناسبة لتكريم العقاد بعدما مدحَه شوقي ضيف فقال إن العقاد حامل لواء الشعر. تساءلنا وقتها، كما نتساءل اليوم، أين ذاك الشعر الذي يحمل العقّاد لواءه؟ في عقد الثلاثينات من القرن الماضي نشر العقاد مجموعتين من الشعر “هدية الكروان” (1933) و”عابر سبيل” (1937) يرى العقاد فيهما أن “كل ما نخلع عليه من إحساسنا… هو شعر، وموضوع للشعر” من ذلك قصيدته بعنوان “سِلع الدكاكين في يوم بطالة” يعبّر فيها عن حزن الخضراوات خوف التلف، فتنادي طلباً للنجدة:

مقفرات مغلقات محكمات      كل أبواب الدكاكين على كل الجهات

                  تركوها        أهملوها

يوم عيد عيّدوه                ومَضوا في الخلوات

إلبِدار!                         ما لنا اليوم قرار

أي صوت ذاك يدعو الناس من خلف الجدار؟

              أدرِكوها         أطلِقوها

ذاك صوت السِلَع المحبوس في الظلمة ثار!

مثل هذا “الشعر” استهوى أدباء الحداثة في مصر الثلاثينات والأربعينات، لكنه استثار غضب ناقد أصيل هو مارون عبود الذي راح يصرخ:

“أما في مصر عاقل ينصح هذا الرجل؟” لكن جوقة النقاد كانوا في غالبيتهم يدعمون هذا الأديب ـ الشاعر، لأسباب غير علمية، بل “قبائلية” إن صح التعبير. وليس مارون عبود وحده من أدرك هذه العصبيّات الأدبية. فمنذ عشرينات القرن الماضي كان الشاعر العراقي معروف الرصافي يقول:

من جَورِ مصرَ على العروبة أنها      تتعمّد التمصير في آدابها

وتحيدُ عن آداب كل قبيلةٍ               لا تدّعيها مصرُ في أنسابها

فالكاتب المصري فيها فاضلٌ           وسواه مفضولٌ وإن يَكُ نابها.

كان العقّاد يصطحب شخصا يتعاطى نظم الشعر، لم يسمع به أحد، إذ كان يكيل المديح والتطبيل لكل ما ينطق به العقاد من شعر، فأعلن العقّاد عن هذا الرفيق بقوله.

هذا وليٌّ لعَهدي        وقَيّم ُالشِعر بعدي.

هكذا يُنصّب العقاد نفسه ملك الشعر ويختار خليفته في الوقت نفسه، وهو ما لم يحصل مثله في دمقراطية الشعر، منذ أنشدَ آدم: تغيَّرت البلادُ ومن عليها. لكن “أولاد الحتّة” لم يتغيّروا بمحاولة التطلع إلى ما يجري في خارج الحدود، حتى في أمور لا ترقى إلى جدّية الحداثة في الشعر والنقد. ما يجري في أمّ الدنيا هو الصحيح، لأنه “هوّه كِده”. فيوم ظهر الحديث عن “حرب العصابات” في أمريكا اللاتينية كانت الصفة بالاسبانية guerilla وهي مصغّر guerra أي حَرب. فترجمت حرب الغوريلا! وراحت بعض الصحف تتحدث عن بطولات قرود الغوريلا في غابات الأمازون، وكيف تضرب وتهرب، وهو أسلوب الثوار في أمريكا الجنوبية. ولما جاء من شرح للصحيفة أن حرف اللام المزدوج بالإسبانية يلفظ كحرف الياء، أي كَيريّا، بالكاف المعجمة مثل الزعيم الشيلي Allende الذي يجب أن يلفظ “آيّندي” وليس “آلليندي” كان جواب الصحيفة: بس هوّه كَدَه!

تفاخرُ العقاد بنفسه مع الاستخفاف بالآخرين يذكّرني بحادثة طريفة وقعت لي عام 1990 يوم تكريم الجواهري بجائزة العويس للشعر. كنتُ بين المدعوين للاحتفال في دبي، حيث ألقى العويس بضعة أبيات من نظمه ترحيباً بالجواهري والإشادة بمنزلته في الشعر العربي. فقام الجواهري ليشكر صاحب مؤسسة الجائزة، وارتجل بضعة أبيات بنفس الوزن والقافية:

من الإمارات، من شُطآن شارقةٍ      على الخليج تعالى صاعداً قَمَرُ

يدورُ في فَلَكِ الآداب محوَرُهُ           فتى عُويسٍ وأندادٌ له غرَرُ

سُمرُ الجباه، مصابيحٌ وُجوهُهم        يُفاخِرون بما شادوا وما قدَروا…

أقامت لنا المؤسسة حفلة غداء على ساحل خور فكّان، فأقبل كثيرون للترحيب بالجواهري: أهلاً أبا فُرات، مرحباً بشاعرنا الكبير… فلما سنحت لي الفرصة أقبلتُ على تحيته، وكنا قد تقابلنا ببغداد سابقاً، فخاطبتُه بمطلع قصيدة له:

ستبقى، ويَفنى نيزَكٌ وشِهابُ       عروقٌ أبيّاتُ الدماء غِضابُ

فاستحسن ذلك مني، ولم نفترق طوال الحفلة، حتى أقبل بعض الصحافيين لأخذ حديث من الشاعر للصحف التي يعملون بها. جاء أحدهم يحمل ورقة كتب عليها أول بيتين من جواب الجواهري على ترحيب العويس، وطلب من الشاعر إكمال الأبيات له، فأكملتُها أنا بقولي:

شُمُّ الجباه، مصابيحٌ وُجوههم…     فانتفض الجواهري هاتفاً:

“والله هذه أحسن من قولي: سُمر ُالجباه”. تعال أيها الصحافي الشاب وثبّت ما قاله دكتورنا لأن شُمّ الجباه أحسن!

وجدتُ في هذا نوعاً من الإحراج لي، لأني لم أكن أقصد التصحيح بل هذا ما خطر لي! يا ترى هل يمكن مقارنة هذا التواضع من شاعر كبير بموقف صاحب “سِلَع الدكاكين” من طماطم… وملوخية!

والعقاد كان يعدّ نفسه خبيراً بالأدب الأمريكي. فعند اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها برز لدى العقّاد توجّه نحو “القصة الأمريكية الصغيرة” وهو ما قرأناه يومها في مجلة “الهلال” على ما أذكر. وبعدها راح يمجد بالقائد العسكري الأمريكي “عمر برادلي” ويعقد مقارنات بينه وبين الخليفة عمر الفاروق (رض). كل ذلك ليقول، ومن معه، لنا نحن المأخوذين بالأسماء الكبيرة من تحت غشاوة السُمعة، إنّ التساؤل نوع من التجديف باستعمال العقل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية