من الميوعة العاطفية إلى الأصالة والمعاصرة: الغناء والأذواق الفردية

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

أحسَب أن الكثير من الناس يحبّون الغناء، على اختلاف مشاربهم وبعضهم يؤدّي تلك الأغاني، إرضاء للنفس في الغالب! ولكن، كيف هي أذواق الناس في محبّة الأغاني؟ ثمة قول شائع مؤدّاه: لا جدال في الذوق: فما تَسيغُه أنتَ قد لا يَسيغُه غيرُك، بل قد يَمقتُه مقتاً، يؤدّي أحياناً إلى مشاكل لا تُحمَد عُقباها.

والغناء، بداهةٌ قد يوصف بأنه محلي، تراثي، إقليمي، عالمي. ولكلٍّ من هذه الأصناف، بداهةً أيضاً، محبّون، أو معجبون أو كارهون. فمن تجربتي في بعض دول الخليج العربي وجدتُ أن الغناء التراثي دائم الحضور في جميع المناسبات، بمصاحبة الطبلة والدفوف، تؤدّيه أصوات رجالية عالية، تستثير الطرقَ والنَقر إلى درجات أشد علوّاً، يستطيبها السامعون غالباً. فإذا رغبتَ في الاستفسار عن بعض تلك الأغاني والألحان جاءك الجواب بعبارات متفاخرة: إن هذا هو تراثنا الذي نحرص عليه. لا بأس ولا جدال. ولكن النصوص المصاحبة قد لا تكون أحياناً مما يُرضي حتى أصحاب الثقافة الشعرية أو اللغوية المتواضعة. فمثلاً: أين الجمال، ولا أقول الإبداع، في صراخ المغني كبير السن بعبارة: “ألا قُلْ لي” ثم يستدير إلى جوقة الطبّالة، يستحثهم على الطَرق على طبولهم بشدة أكبر، وهو يردد “ألا قُلْ لي” ويفاجئُنا بقلب عبارته إلى “قُلْ لي ألا” وسط عاصفة من هياج الطبلات والدفوف. وفي وصلة غناء أخرى، يكون النص المغنّى: “إن بعض الظن إثمٌ” يؤديها الفنان على شكل: “إن بعضَ ظّ”… “ظنّ إثمٌ” ولم أستطع أن أفهم إلى اليوم كيف دخلت هذه العبارة القرآنية في سياق أغنية تراثية شعبية؟ أم: لا جدال في الذوق؟

وفي الأغاني الشعبية العراقية ما يُعجب الكثيرين، بلُغتها المحلية الجميلة بالغة الشاعرية، لا جدال، وبخاصة لهجات جنوب العراق. لكن الألحان قد لا تستهوي كثيراً من السامعين من غير العراقيين، بسبب النغم الحزين، المسيطر على الأغاني التي تبدأ غالبا بمقدمة ” ويلي ويلي” أو ما يشبه ذلك من عبارات التفجّع. والغريب أن بعض هذا مما يستهوي بعض السامعين فتحركهم على البكاء فعلاً، أو ترديد: يا ويل ويلي. ولا تقل لي إن هذا من تراث العصر العباسي ودخول الأعاجم والندب على ما حل بالبلاد أيامها مثل نكبة البرامكة. أما النصوص المغناة فبعضها يجافي أدب الكلام ويحاذي الفُحش أو الغزَل بالمذكر. مثل ذلك: “ربّيتك زغيرون حَسَن… ليش هْجَرتني” أو “دشداشة صبغ النيل… كَومي بطَرِكَها” ولأمثال ذلك كثير من المعجبين، تفكّهاً وتظرّفاً… ولا جدال في الذوق.

ومنذ ثلاثينات القرن الماضي مع دخول الراديو والفونوغراف إلى كثير من البلاد العربية، شاع الغناء المصري لكثرة المطربين والمطربات في مصر. وبذلك شاعت اللهجة المصرية في العراق وبلاد الشام خاصة. وقد استمرت اللهجة المصرية في تغلّبها على اللهجات العربية الأخرى. فنرى اللهجة اللبنانية العذبة تتراجع في أغاني أسمهان وفريد الأطرش عندما اضطرّتهما الظروف للعمل في مصر، ولو أن لهجتهما “المتمصّرة” بقيت تَشي بالأصل اللبناني. ولما “نَزل الزمان” بأحوال فريد الأطرش وجدناه في الكويت وقد ألبسوه “الحطّة والعقال” وجعلوه يغني وخلفه صورة البحر والسفينة: “يا كويتنا، يا كويتنا، إحنا لها وهْيا لنا” وعلى وجهه خيال ابتسامة من الذلّ والمَسكنة. لا أدري لماذا ينتهي بعض كبار الفنانين في بلادنا إلى الفقر، كما حدث للصبّوحة شحرورة الوادي!

أما نصوص الأغاني المصرية فقد كان الحُب هو الغالب فيها، وحتى في الأغاني الخفيفة. شاعت أغاني ليلى مراد مثلا: “رايداك والنبي رايداك” امتداداً إلى أم كلثوم سيدة الغناء في مصر والعالم العربي التي لم تَسلَم أغانيها من مستويات مثل: “الحب كده، أهو من ده وده… مش عايزه كلام، الحب كده” وتستمر الولولة والنحيب. لكن هذا الموقف والكلام في أغاني “سومة” قد أخذ بتلابيب الملايين في البلاد العربية حتى صار التعرّض لأغانيها، بأية تلميحات غير تمجيدية، يُعد قلّة في الذوق وجهلاً في الفن. أما دور بعض أغانيها في تشجيع تعاطي الحشيش والمخدرات فهو من المسكوت عنه. كيف لسامع “غير مسطول” أن يتحمّل دوامة “أ أول أ آبلك فين… وابدأ كلامي منين” تتكرر “مئين المرّات” في انتظار الفرج: “ولما أشوفك يروح مني الكلام وانساه”. راح فين يا ترى؟ وهذا يذكرني بجلسة أصدقاء حميمة قبل سنوات. كانت الأحاديث فيها تدور عن “أيام زمان” وكان بين الحاضرين رجل متقدم في السن، كان صبيّاً في عشرينات القرن الماضي، اصطحبه والده، الذي كان من أصحاب النفوذ، كما فهمنا، في عراق العشرينات، إلى حفلة أم كلثوم التي أقيمت في “فندق زيّا” في شارع الرشيد قرب الباب الشرقي. كانت زيارة مطربة مصر الأولى حدثاً كبيراً لم يسعد بحضوره سوى كبار المسؤولين. وكان هؤلاء السادة “مهذّبين” يعبّرون عن إعجابهم بالغناء والموسيقى المصاحبة بعبارات هادئة مهذّبة مع تصفيق رفيق. وفي الاستراحة الأولى جاء مسؤول الحفل المصري إلى المسؤول العراقي يعاتبه بشدة: إيه ده؟ تصفيق خفيف وأحسنتِ…؟ فقال المضيف للضيف: هؤلاء كبار القوم، يتصرفون باحترام وإعجاب! فصرخ المصري: “بس إحنا عايزين نشوف الطرابيش بتتطاير بالهوا!” فخف مدير الأمن لتدارك. الموقف وأمر رجاله بالإسراع إلى شارع “أبو نواس” المليء بالخمارات وجلب جميع السكارى إلى القاعة ليحضروا الحفلة “بلاش” وللتعبير عن إعجابهم بالطرابيش! وهكذا كان الإنقاذ وحفظ ماء الوجه!

كانت الأغاني المصرية منذ الثلاثينات فصاعداً، مثل غالبية الكتابات الأدبية، صورة للميوعة العاطفية المستوردة من الأدب الفرنسي في نهايات القرن التاسع عشر: حنين دائم، ومواقف غرام (وانتقام) متخيَّلة، و”يطوّلوك يا ليل، ويقصّروك.. يا ليل” وبعضها لا يبتعد عن الغزل بالمذكر، مثل مقاطع من أغنية الجندول: مرّ بي، مستضحكاً في قرب ساقي… ذهبي الشعر، شرقي السمات… كلما قلتُ له خذ قال هاتِ… وقد راح بعض الشباب يترنّم بهذه الأغاني حتى تَغلغلت في أعماق اللاوعي عند غالبية الشباب، وما تزال آثارها إلى بواكير القرن الحادي والعشرين! لكن نهايات القرن الماضي شهدت نوعاً من “الانبطاح” أمام الغناء الأجنبي، إعجاباً وذوباناً على طريقة “أدوب، أدوب، أدوب، وارجع أدوب تاني!”.

ولم ينقذنا من ذلك سوى ظهور فيروز والرحابنة، الذين استطاعوا تطوير الموسيقى الشرقية، حتى على “البزق” والعود، وبصوت فيروز الملائكي، بتطويع بعض مظاهر الموسيقى والغناء الغربي، بالاعتماد على اللغة العربية الفصيحة، من عنتره وغزله، مروراً بشعر المتنبي وشعراء الأندلس. فصار المستمع العربي يجد تراثه غناءً في صِحافٍ مِن ذَهَب غربية، تتصادى فيها ألحان بعض كبار أصحاب السمفونيات، ولا تستبعد أغاني الإيطالية سلفانا مونكَانو ولا أمثالها. كأن ما قدمه الرحابنة وفيروز شراب تهدئه يُعيد المستمع العربي إلى غذاء روحي من ثمار هذه البلاد مطعّماً بمذاقات مستوردة.

ومع زيادة الانفتاح في بلادنا على ثقافات الغرب وفنونه، في النصف الثاني من القرن الماضي، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت أذواق جديدة تستطيب ما وصلنا من الغرب من موسيقى وغناء، ومنها الأوبرا. بلى، كان ذلك شبه محصور على “الطبقة العلّيوي” من المثقفين، لكن بعض الآخرين صاروا يجدون متعة في الاستماع إلى “ريكَولِتّو” و”زواج فيكَارو” وغيرها من الأوبرات، وأغلبها باللغة الإيطالية. ويبقى الإعجاب بالأغاني والموسيقى الغربية الوافدة علينا مسألة “أذواق” لا يمكن أن نسهر جرّاها ونختصم.

أذكر صديقاً مصرياً لنا، طبيب متخصص، يحب الموسيقى والغناء، ويجمع بين محبة صاحب “بَلَدي وخِفّة، سُبحان من لفّك دي اللفّة” وبين “سومة” إلى جانب فيروز. ولكن في حضور حفلة أوبرا ذات مساء، خرج “مش مبسوط تماماً” وتساءل عن سبب ارتفاع أصوات المغنين أكثر من المألوف في غنائنا التراثي. قال ببساطة: “لما دول واقفين قُصاد بعض، يبزعّقوا كِده ليه؟”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية