في الأسبوع الماضي حققت قناة «الجزيرة مباشر»، «خبطة صحافية»، بشهادة المستشار محمود مكي، وزير العدل الأسبق، والذي شغل هذا المنصب، إلى أن قدم استقالته، ليحل محله المستشار أحمد سليمان!
قيمة هذه الشهادة، أنها جاءت من رجل تعامل مع الرئيس محمد مرسي عن قرب، وفي أحداث مهمة شهدتها مصر في فترة حكمه، فكانت شهادة رؤية لا شهادة رأي، ثم إنها من وزير اختلف مع طريقة الرئيس في إدارة الدولة، ومن قاض محافظ، انتماؤه للقبيلة القضائية، أقوى من انتمائه للثورة، رغم أنه شارك فيها، وكان من قضاة الاستقلال، الذين خرجوا على الرئيس مبارك، لكنه عاد بعد عزل مبارك، ليجري مراجعات، ويقول إنهم أخطأوا عندما خرجوا للشارع بالأوشحة؛ وذلك في وقت كان من كتب ضد مبارك شطر كلمة أو كان له شطر موقف، يفخر به، ويعيد في ذلك ويزيد وينفخ فيه من روحه، فتبدو شطر الكلمة كتاباً من الحجم الكبير ويتحول شطر الموقف إلى ثورة مكتملة الأركان!
فأحمد مكي، ليس هو المستشار محمود الخضيري في انحيازه للثورة، وليس هو المستشار أحمد سليمان في دفاعه عن الرئيس، وقد انتهى الأمر باعتقال الإثنين، وأفرج عن الأول بعد سنوات من الاعتقال، وخرج الثاني من السجن بعد عدة شهور!
لقد استضافت «الجزيرة مباشر» أحمد مكي، في الذكرى السنوية الأولى لوفاة الرئيس محمد مرسي، ورغم أن شهادات أخرى سبقته في هذه الليلة، لكن شهادته هو كانت حديث الناس، وإلى درجة أن بوقاً من أبواق النظام المصري كتب عن تأثيرها الكبير، وكيف أن هناك كثيرين يسألونهم عن صحة ما جاء فيها، فقد زعزعة يقين أنصار الحكم الحالي بأن عزل الرئيس محمد مرسي كان ضرورة!
من حاور «مكي» هو الإعلامي النابه أحمد طه، والذي استطاع بأسئلته أن يستخرج هذه الشهادة، والتي لا أعتقد أن الرجل كان متحفظاً في أن يدلي بها من قبل، لكن لم تكن هناك فرصة، فجاءت الفرصة بهذه المساحة وهذا الذكاء للمحاور، الذي أستخرجها بأسئلته، وبوعيه بأهميتها، فكان يتركه يكمل بدون مقاطعة، ولا يسأل خارج الموضوع!
لقد روى المستشار مكي وقائع مهمة عن أحداث عاصرها وهو في منصبه وزيراً للعدل.
فكيف أن الرئيس طلب منه أن يتدخل لدى القاضي الذي أصدر الحكم بحبس الصحافي اسلام عفيفي رئيس تحرير جريدة «الدستور»، بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، وقال إنه لن يستطيع النوم والصحافي المتهم بإهانته في السجن بسببه. وقال الوزير إنه لا يمكنه أن يتدخل في أعمال القضاء، وأن الحل في قرار بقانون يلغي الحبس في جريمة إهانة رئيس الدولة، فصدر القرار في الحال، ليطلق سراح الصحافي عفيفي!
الواقعة الثانية، مرتبطة بحضوره اجتماع بخصوص اقتحام القصر الرئاسي، وكيف أن وزير الداخلية حينذاك اللواء أحمد جمال الدين طلب بتكليف وكيل نيابة ليتابع أداء قوات الأمن، فلما سأله الرئيس عن خطته إذا تم الاقتحام فقال إنها تقوم على إطلاق الرصاص، حماية للقصر، لكن الرئيس رفض ذلك، فلا يزال المسلم في فسحة من أمره ما لم يرتكب دما حراماً.. صدق رسول الله!
أما الواقعة الثالثة، فهي الخاصة بأزمة الإعلان الدستوري، الذي حصن به الرئيس قراراته، وحصن به وجود مجلس الشورى (الغرفة البرلمانية الثانية) وحصن به تشكيل الهيئة التأسيسية التي تضع الدستور، فاجتمع المجلس الأعلى للقضاء الذي رفض الإعلان الدستوري، ومن الاجتماع اتصل وزير العدل، بالرئيس الذي أعلن ترحيبه باستقبالهم في الموعد الذي يقررونه، فذهبوا في الحال، ليستقبلهم الرئيس ويطمئنهم بأنه يستهدف به حماية مؤسسات الدولة، وأنه سيوافق على ما يتفقون عليه بخصوصه، واجتمعوا في مكتب نائب رئيس الجمهورية وكتبوا بياناً ليصدر من الرئاسة ووافق عليه الرئيس!
عدا الواقعة الثالثة، فان الواقعتين الأولى والثانية لا تبدوان جديدتين، فنحن نعلم بقرار الرئيس الخاص بإلغاء عقوبة الحبس في جريمة إهانة رئيس الجمهورية، لكن الجديد هو هذه التفاصيل، كما أن الوزير مكي ذكر واقعة رفض الرئيس فض المظاهرات بالقوة في مقابلة مع قناة «التحرير» قبل الانقلاب العسكري، لكنها شهادة كانت في زمن الفتنة فلم ينتبه لها أحد، لتتخذ الآن هذه الشهادة أهميتها، في أنها تأتي في وقت القلوب فيه مستعدة لسماع ما لم تكن تتقبله من قبل في زمن الحملة الإعلامية لتشويه الرئيس والإساءة إليه، فقد وقف الجميع على أن السيسي ليس هو الخيار الأفضل، وأن ما قاله من عبارات مثل الشعب لم يجد من يحنو عليه، وأنه لن يستطيع أن يرفع الدعم إلا بعد أن يغني الناس، وأنه لم يقم بانقلابه رغبة في الحكم، كل هذا دعاية انتهى تأثيرها!
وإذا كان البعض يرى أنها شهادة تأخرت كثيراً، فظني أن أهميتها في أنها جاء في وقتها تماماً، ولو قيلت قبل ذلك ما وجدت آذانا صاغية، ولتبدد تأثيرها، في اللحظة التي يشكر فيها المذيع الشاهد لضيق الوقت، وضلاً عن أن أكثر المؤيدين للسيسي وقف على حجم الخازوق الذي دق بأسفل مصر، فإن الرئيس مرسي لن يستفيد من هذه الشهادة في الدعوة لعودة الشرعية، بوفاته يرحمه الله، بما يعطي للشهادة قيمة مضافة!
ولم تكن التفاصيل الصغيرة بأقل أهمية من هذه الوقائع الكبيرة، فقد سأل «طه» عن ما نشرته جريدة «اليوم السابع» من أن الرئيس كان يأكل يوميا في القصر الرئاسي، بط بأربعة آلاف جنيها؟ فقال إن الرئيس لم يكن يأكل في الرئاسة أبداً.
وذلك قبل أن يتحدث الوزير السابق، عن الرئيس مرسي بأنه كان حلما، وكانت أيامه مفعمة بالأمل!
ورغم إنها النهاية الموجعة، لكن دروس التاريخ، فيها ما يثبت الفؤاد، فمن كان يظن في لحظة إعدام عدنان مندريس، أنه سيأتي اليوم الذي يُرد اليه فيه اعتباره، وأن تركيا سيحكمها رجل يذهب بعيداً عن مجرد إقرار الآذان باللغة العربية.
سيعود من الجُرح أكثر عافية وطني.
السلطة التي توفق الرؤوس في الحلال:
وها هي مهمة جديدة للسلطة في مصر، بجانب مهامها الكثيرة، وهي مهمة توفيق الرؤوس في الحلال، على العكس من المثل الشائع: «امشي في جنازة ولا تمشي في جوازة»، فقد عاقبت المطربة «أمال ماهر» بسبب طلاقها، من مسؤول هيئة الترفيه السعودية تركي آل الشيخ ومقره المختار جمهورية مصر العربية، حيث نفوذه الذي لا يقاوم، وحيث الدولة بكل أجهزتها تعمل في خدمته وتسهر على راحته!
بعد طلاق المطربة المذكورة من المسؤول السعودي المذكور، قامت قوات الأمن باقتحام شقتها، بدون إعلان عن سبب ذلك، ونعلم كيف تم وقف نموها الفني، فمنعت من المشاركة في الحفلات، وفي الحضور التليفزيوني، فلا استضافة ولا أغنية، وفي عموم القنوات المصرية، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان!
في ذات ليلة، وقبل أن يُنهي عمرو أديب حلقته، تحدث عن «أمال ماهر» وجمال صوتها فأسهب، ولما كانت القناة التي يعمل فيها أديب، يتولى أمرها «تركي آل الشيخ» فهو من تعاقد معه ليصبح أغلى مذيع على الكوكب، ولم نعلم أن هذا اللقاء مقدمة، لما هو آت، وهو أن هناك حفلة لأمال ماهر تحت سفح الهرم، حيث انتقلت القناة السعودية إلى هناك لتنقل الحفل الساهر بدون جمهور؟! وسط حديث عن أن المياه عادت إلى مجاريها، وهذا ليس موضوعنا ولا يجوز أن يكون ما يشغلنا!
الموضوع هو من سمح بإقامة هذا الحفل في هذا المكان؟ وفي وقت يُفرض فيه حظر التجول ليلاً؟ وما هي مناسبة هذا الحفل الساهر؟ ولماذا يقتصر أحياؤه على أمال ماهر وحدها، وما هي الجهة التي وافقت ومنحت التصاريح، وهي ليست جهة واحدة، فلا بد أن تكون جهة عليا، هي من أعطت الأوامر للجهات صاحبة الاختصاص، ومن وزارة السياحة، إلى وزرارة الأثار!
إنها الدولة الساهرة على خدمة المشاعر النبيلة للمسؤول السعودي!
أرض- جو:
• مذبحة قام بها المدير الجديد لقناة «الحرة» بفصله لعدد من العاملين في القناة، والتي بدت في توجهها وبعد الإعلان عن تطويرها، كما لو كانت تمول من الإمارات، ويديرها محمد بن زايد، لا سيما في حرصها، على أن تفرض رؤية دينية مرفوضة يمثلها إبراهيم عيسى، وإسلام البحيري الذي سبق اتهامه بازدراء الأديان، وهي الرؤية الكفيلة بدفع المشاهدين للابتعاد عن أي وسيلة إعلامية، فلحساب من كانت تعمل الإدارة السابقة؟ والتي تأكد فشلها بعد إنفاق ملايين الدولارات على التطوير، لتخسر في هذا برنامجا كان أفضل برنامج فيها وهو الذي كان يقدمه حسين جراد. فكانت كمن لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!
• إذا أرادت «الحرة» أن تنجح في مهمة الوصول للمشاهد العربي، فلا ينبغي الدخول برامج من هذه النوعية، ولكن لديها تجربة هيئة الإذاعة البريطانية، في البداية، ولديها تجربتها هي نفسها أيضاً في سنواتها الأولى، وقد كانت منبوذة، ونجح فريق العمل لاسيما من القاهرة، في أن يكسر هذا الحاجز، بالاقتراب من الناس وقضاياهم وليس في العداء معهم واستفزاز مشاعرهم.
• إنها فعلاً «العربية كوميدي»، والمشهد الأكثر كوميديا، عندما وقف مراسلوها في تونس في عرض الطريق في انتظار قدوم الثورة المضادة، فجاء عشرة أشخاص. وكأنه مشهد في مسرحية لـ «عادل إمام».
صحافي من مصر