شهدت الساحة الفنية والثقافية مؤخراً موجات من الاحتفالات المصرية العربية المشتركة على أصعدة كثيرة بدأت بعروض سينمائية للأفلام التي وثقت لثورة يوليو وحركة الضُباط الأحرار في 1952 حيث برز احتفال الحزب العربي الناصري بهذه المناسبة والتي قام في إطارها بعرض مجموعة من الأفلام الروائية والوثائقية والتسجيلية التي أنتجت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كفيلم «غروب وشروق» و«رد قلبي» و«الأرض» و«القاهرة 30» و«الباب المفتوح» وهي نوعيات مثلت التوجه العام المؤيد للثورة في حينه.
كما شمل البرنامج السينمائي للاحتفال بثورة يوليو أفلاماً أخرى عكست الرؤية المُضادة للثورة وأنصارها من خلال أفكار إبداعية ناقده ظهرت في أعمال شهيرة أنتجت في مُنتصف السبعينيات مثل فيلم «طائر الليل الحزين» لمحمود مرسي وعادل أدهم ومحمود عبد العزيز وفيلم «حافية على جسر الذهب» لحسين فهمي وميرفت أمين و«اتنين على الطريق» لعادل إمام وشمس البارودي و«الكرنك» لسُعاد حسني ونور الشريف و«إحنا بتوع الأتوبيس» لعبد المنعم مدبولي وسعيد عبد الغني وغيرها من النماذج والعينات المُختلفة.
وقد استهدف القائمون على الاحتفال الفني بذكرى ثورة يوليو توضيح التباين في الآراء التي تناولت الحدث التاريخي من كافة الجوانب وناقشت إيجابياته وسلبياته وفق التصورات السينمائية لأصحابها عبر المراحل المُختلفة.
معرض للفنون التشكيلية
وعلى صعيد آخر أقامت جمعية مُحبي الفنون الجميلة تحت إشراف مُقرر اللجنة الثقافية محمد نوار معرضاً للفنون التشكيلية على مدى ستة أيام ضم عدداً من اللوحات الفنية لبعض الفنانين المُنتمين لمدارس إبداعية مختلفة من بينهم الفنانة نُهى محفوظ، وذلك في محاولة للتعبير عن نشاط الحركة التشكيلية المصرية وثرائها وتنوعها خلال الفترة الحالية.
وقد تزامن الاهتمام بالفن التشكيلي مع تعيين الفنان أحمد فؤاد هنو في منصب وزير الثقافة ليُصبح ثاني فنان تشكيلي يتولى قيادة وزارة الثقافة بعد فاروق حسني الذي لُقب على مدى عشرين عاماً بالوزير الفنان خلال فترة بقائه في السُلطة. كذلك أقام المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة قبل أسبوع على الأقل احتفالية فنية ثقافية كبرى اعتنت بالسينما السودانية وخصت بالعروض والمناقشة عدداً من التجارب المهمة في مجال السينما التسجيلية والوثائقية والروائية القصيرة والتي رصدت ظاهرة العنف والإرهاب في السودان وركزت على رفض المُثقفين والسينمائيين السودانيين لكافة أنواع التهديد المجتمعي والإنساني في تشديد واضح على التمسك بروح التسامح والمنهج السلمي الداعي للاستقرار والبناء والتنمية بدلاً من التشرذم والفرقة ونشر الميول العدائية بين أبناء النسيج الواحد.
وبالطبع كان التحفيز على دعم الشعب الفلسطيني ومناصرته في الحرب الظالمة التي يشنها الكيان الصهيوني يومياً على المدنيين العُزل والأطفال الأبرياء حديثاً دائراً بين الغالبية العُظمى من الحضور الذين أيدوا الحق الفلسطيني في الأرض والوطن والاستقلال.
وقد وجهت الجالية السودانية في مصر بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي الدعوة للمطرب النوبي المعروف كرم مراد لإحياء الحفل فلبى بدورة الدعوة وغنى وسط كوكبة من الجمهور المُختلط، المصري والسوداني أشهر أغانيه «ماريا ـ النيل بيتمشى من توشكا لكلابشا – نعناع الجنينة ـ أحن إلى خبيز أمي ـ القمر بوبا» وهذه الأغنيات تحمل الكثير من معاني ودلالات الود والتآخي بين الشعبين المصري والسوداني، وفي نفس الوقت تُعد هي المُفضلة لدى جمهور كرم مراد الذي تعود منه على الأداء الإنساني الهادف بطابعه البسيط وألحانه المؤثرة.
ويعتبر مراد هو الامتداد الطبيعي للفنان النوبي الراحل حمزة علاء الدين والمطرب الشهير محمد منير، حيث يُمثل الثلاثة لوناً فارقاً في الأغنية المصرية بتضميناتها الفلكلورية والإبداعية وموسيقاها المُميزة للبيئة النوبية بتراثها الفني والثقافي النوعي والمُختلف وجمالياتها الخاصة.
أفلام وثائقية
وعلى المستوى الإعلامي برزت المواد الفيلمية الوثائقية والتسجيلية الخاصة بتكوين الضُباط الأحرار والترتيب لقيام ثورة يوليو فقد تضمنت خريطة قناة النيل الثقافية خلال النصف الثاني من شهر تموز/يوليو صوراً لإنجازات الثورة وأهم قراراتها كقانون الإصلاح الزراعي وبناء السد العالي وتأميم قناة السويس، بالإضافة إلى بعض أغانيها الوطنية الشهيرة التي غناها كل من عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ.
ومن بين هذه الأغنيات، نشيد «صوت الجماهير» و«دقة ساعة العمل الثوري» و«أصبح عندي الآن بندقية» و«وطني الأكبر» و«صورة» و«بالأحضان» و«مصر تتحدث عن نفسها» و«حكاية شعب» ونشيد «الله أكبر» و«ذكريات» إلى آخره، وكلها تُقدم شهادات مهمة حول النهضة الغنائية والموسيقية في زمن الكبار.
ومن جانبها انفردت قناة ماسبيرو زمان أيضاً بإذاعة تسجيلات صوتية نادرة لجمال عبد الناصر وأنور السادات وقت الاستعداد للقيام بالثورة والتأهيل لتغيير وجه الحياة السياسية في مصر.
كما شملت التسجيلات شهادات موثقة لعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وأعضاء تنظيم الضباط الأحرار وبعض الشخصيات البارزة كوزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة وأحمد حمروش وخالد محي الدين وعبد اللطيف البغدادي وجمال الليثي وغيرهم من الذين تحدثوا عن تفاصيل مهمة في هذا الشأن ووقائع كانوا هم أنفسهم شهود عيان عليها وشركاء أصليين فيها.
ولم تخل الشهادات من الحديث عن دور اللواء محمد نجيب المهم في إنجاح الثورة قبل خلافه مع أعضاء مجلس قيادة الثورة وبصفة خاصة جمال عبد الناصر.
هذه المُقتطفات من أهم الأنشطة والأحداث الفنية والإبداعية هي التي جرى رصدها مؤخراً وألقت بظلالها وتأثيرها على الجمهور المصري.