من يصر على دحرجة «برميل البارود» إلى البلقان؟

حجم الخط
0

يكاد يقترن اسم «البوسنة والهرسك» بجملة مرادفات سلبية، يميل كثيرون إلى حصر البلقان بأكملها في هذا البلد، يختصرون تاريخه في سلسلة من الفظائع التي حلت به في العصر الحديث، وتكرست في العقدين الأخيرين مرادفات، مثل «برميل البارود»، «البلقنة» بما معناه تفكك دولة إلى دويلات، أو «المذبحة»، هذه المصطلحات وغيرها تفضح نظرة قاصرة لهذا البلد، وتضمر نزعة نحو إبقائه في اللاأمن، الذي خيم عليه، في التسعينيات، ويرد أنس كاريتش في كتابه «مقالات بوسنية» على هذه الكليشيهات، فهو يعتقد أنها صيغت من طرف مؤرخين «لم يكونوا يحبون البلقان» وأنهم مؤرخون حبسوا أنفسهم في نظرة تاريخية تقليدية للمنطقة، ولا يودون النظر إلى البلقان، إلا بصفتها «ساحة حافلة بتاريخ دموي».
إن حجر البوسنة والهرسك في حزمة مسميات، صيغت على عجل يُراد منه ألا يخرج البلد، وكل المنطقة المحيطة به، من دائرة التشوية، وتلك المسميات كانت أيضاً ـ بحسب المؤلف ـ تمهيداً نحو تقبل الدماء التي سالت مطلع التسعينيات من القرن الماضي. بحسب أنس كاريتش، فالمؤرخون الغربيون يتخذون مسافة مريحة من الواقع البوسني، ينأون بأنفسهم، ولا يتكلفون مشقة زيارة البلد، وفهم تنوعاته من الداخل، بل يفضلون البقاء على مسافة بعيدة عنه، كي يقذفونه بتلك المسميات والأحكام المسبقة المسيئة له، ألا يخرج من النظريات الدموية التي تخمرت في عقولهم، وألا يرفع رأسه ويصير شبيها بجيرانه الأوروبيين الآخرين. هذه النظرة الدونية للتاريخ البوسني ظلت تتكرر وتستميت، وبات على المؤرخين البوسنيين أن يتكلوا على أنفسهم، لا على غيرهم، قصد كسرها، وكتابة تاريخ مغاير لبلدهم، وذلك ما سعى إليه أنس كاريتش في كتابه «مقالات بوسنية» (نقله إلى العربية: محمد قاطرجي، صبحي وسيم تادفي والمؤلف نفسه).

من شدة المأساة التي وقعت في البوسنة والهرسك قبل أكثر من ربع قرن، تآلف الناس مع الموت، هذا ما دفع ربما أنس كاريتش إلى كتابة فصل بعنوان: «جمال الموت»، لم يعد الموت يخيف أحداً، فقد بات رفيقاً لهم طيلة سنوات.

كان يمكن للتغطية الإعلامية الموسعة التي رافقت حرب البلقان الأخيرة أن تلعب دوراً ـ ولو نسبياً ـ في خلخلة المسلمات التي سكنت الفكر الغربي، وكذا العربي، فالمتلقي العربي أيضاً ضحية ما يصله من الغرب، وأن تساهم تلك التغطيات الإعلامية في تعرية الوجه الحقيقي للبلد، بصفته أرضاً للتنوع الديني والعرقي، لكن كاميرات التلفزيونات، ومعهم حشد من مراسلين صحافيين فضلوا الاهتمام بالصورة الإيزوتيكية لسراييفو وأخواتها، مصرين على تلبيس ما جرى فيها لبس «صراع حضارات»، كان حينها اللعب بالكلمات أخطر من اللعب بالنار، كانت وسائل الإعلام توظف مصطلحات أخرى مثل «الحرب»، كما لو أن ما كان يحصل ليس سوى صراع مسلح، بين طرفين متماثلين يتساويان في القوة، ونادراً ما نسمع أحداً يلتزم بعض الحياد، ويتحدث عن اعتداء على مدنيين عزل، أو عن حصار مميت تعرضت له ساكنة سراييفو، ولحد اليوم لا يزال قاموس الإعلام آنذاك سيداً، لا نزال نسمع مصطلحات الحرب في البلقان، ونتكاسل في التأكد من صحة المصطلح. هذا الخلط المقصود في الكلمات «أفضى إلى أنه لم يكن بالإمكان إنقاذ البوسنة»، يكتب كاريتش، ويضيف: «كان مكتوباً عليها الدمار لأنها، على حد زعمهم، وجدت في الطريق الذي كانت تخطه يد القدر، والذي أطلقوا عليه اسم صراعات الحضارات».
يقدم أنس كاريتش شذرات مركزة من تاريخ البوسنة والهرسك الحديث، يبدو عليه ـ في بعض الأحيان ـ انحياز إلى مسلمي البلد، لكن بدون مبالغة، ويكتب: «في الحقيقة فإن تاريخ البوسنيين الحديث كله عبارة عن استراحات قصيرة بين عمليات التشريد والطرد والإبادة والتطهير». لكن هذا التاريخ المتفجر لم يمنع البوسنيين من التشبث بروح المقاومة، فتاريخهم هو «تاريخ كفاح مستمر من أجل البقاء». لعل هذه النقطة بالذات ما تجعل من البوسنة بلداً استثنائياً في القارة العجوز، لكن له خاصية أخرى تميزه عن الآخرين، بحكم أنه كان دائماً أرضاً للديانات والروحانيات المتعددة. ولعل هذا التعدد هو ما جعل النظر إليه معتماً وغير واضح، ولا يقع العيب على الغرب وحده، بل يذكرنا الكاتب بسوء الفهم العربي، حيث جرت على الألسنة عبارة «مسلمي البوسنة»، وهي عبارة غير بريئة، أن نربط عرقية أو جنسية بديانتها لا بأصلها أو جغرافيتها، لِم لا نقول «بوشناق» وكفى، فإن فصل جزء من شعب ما عن مواطنيه، باسم الدين، كان وسيكون عاملاً في تحريك مياه الخلافات.
كانت البوسنة والهرسك مصدراً لمختلف الإلهامات، يخبرنا كاريتش، فالكاتب الوحيد الذي نال نوبل للأدب في البلقان، وُلد وعاش في البوسنة (إيفو أندريتش)، «أما الباحثون في مجال المقارنة بين الأديان فقد كانوا يصفون البوسنة، بأنها مثل حديقة من حدائق إبراهيم»، مسلمون وكاثوليك ويهود وأرثودوكس تعايشوا في حدودها، قبل أن ينفجر الوضع بدءاً من 1992 وتستحيل «موطناً لمختلف أنواع الشر والتعاسة». وزاد اللعب بالمصطلحات من مأساوية المشهد، فمن الأشياء المهمة التي ينبهنا إليها الكاتب هي تجنب فخ الكليشيهات في تسمية الأشياء، ضرورة عدم النظر إلى بلده من زاوية واحدة، بل من زواياه العديدة، فكثير من المثقفين أيضاً وقعوا في مغالطات، يحضر في سياق كلامنا النمساوي بيتر هاندكه، الحائز نوبل للأدب العام الماضي، الذي أفرط في انحيازه لطرف ضد الآخر في حرب البوسنة والهرسك الأخيرة، بل بلغ به الأمر أن نسب إلى البوسنيين فبركة مجازر وافتعالها، ولكن عند ساعة الحقيقة، عندما وصل إلى الندوة الصحافية التقليدية قبيل تسلم نوبل، في استوكهولم، تراجع عن مسلماته، ابتلع لسانه وصمت، وكي يحفظ ماء الوجه أحجم عن الرد عن كل الأسئلة التي تتعلق بما حصل في البوسنة والهرسك في التسعينيات، كما لو أنه يتبرأ من كتاباته عن المنطقة.
من شدة المأساة التي وقعت في البوسنة والهرسك قبل أكثر من ربع قرن، تآلف الناس مع الموت، هذا ما دفع ربما أنس كاريتش إلى كتابة فصل بعنوان: «جمال الموت»، لم يعد الموت يخيف أحداً، فقد بات رفيقاً لهم طيلة سنوات، لكن أكثر ما يشعرهم بحزن، أن ما جرى في البلقان لم يُفهم في الخارج كما ينبغي، لا يزال المشهد معفراً وتاريخ البلد تحت رحمة مزاج بعض المؤرخين الغربيين، الذين يصرون على ربطه بمرادف «برميل البارود»، ذلك البرميل الذي يصرون على دحرجته إلى البلقان في كل حين.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية