مهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورته الجديدة: تنويع في البرمجة وتسليط الضوء على أهم القضايا الإنسانية

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: عاشت تونس خلال الأسبوع المنقضي على وقع فعاليات أعرق المهرجانات السينمائية العربية والأفريقية على الإطلاق، مهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورته الثالثة والثلاثين. حيث أصبح هذا المهرجان العريق على موعد مع جمهوره سنويا بعد أن كان ينتظم كل سنتين بالتناوب مع مهرجان أيام قرطاج المسرحية الذي أصبح بدوره ينتظم سنويا مباشرة بعد انتهاء المحفل السينمائي القرطاجي الفخم.

ويتميز مهرجان أيام قرطاج السينمائية منذ تأسيسه على يد المرحوم الطاهر شريعة، بكونه يعتني بالأساس بما يعرف بـ«سينما الجنوب» ولا تعرض فيه الأفلام التجارية وإنما تلك الهادفة والتي تعالج قضايا إنسانية هامة. وتمنح في هذا المهرجان عدة جوائز أهمها التانيت الذهبي نسبة إلى تانيت آلهة الخير والخصب عند القرطاجيين الذين ذهبت دراسات عديدة أيضا إلى أنهم كانوا موحدين وأن تانيت لم تكن سوى امرأة عابدة شديدة التقوى والورع وصاحبة كرامات وحظيت بالإحترام والتقدير لديهم.
ورغم البهرج الذي طغى على حفل افتتاح المهرجان والذي ساهمت في ألقه مدينة الثقافة الفخمة التي احتضنته، إلا أن انتقادات عديدة طالت هذا الحفل من قبل المهتمين بالسينما في تونس. وتعلقت الانتقادات بالأساس بالأزياء التي ظهر بها بعض ممن مروا بالسجاد الأحمر في هذا المهرجان الراقي والملتزم والذي يجلب اهتمام النخبة ومثقفي البلد وجمهور الشباب الطالبي.
حيث رأى المنتقدون أن هذه الأزياء لا تليق بقرطاج وبفخامة إسمه ويمكن ارتداؤها في مهرجانات تجارية هدفها البهرج ولفت الأنظار والربح المادي والدعاية للمؤسسات التجارية. كما انصب النقد على فقرات الحفل الذي تضمن الكلمة الافتتاحية التي ألقتها وزيرة الثقافة التونسية وتضمن تقديم الأفلام ولجان التحكيم وتخللت الفقرات عروض وكلمات ترحيبية. وقد بدا الحفل باهتا بالنسبة للبعض ولا يتضمن إبداعا وذلك خلافا للدورة الماضية التي أعد فيها الحفل بطريقة جيدة لفتت الأنظار.
كما أن التكريمات للضيوف وجدت انتقادات واسعة باعتبار أن المُكرمين لم ينالوا شرف اعتلاء ركح قاعة الأوبيرا الكبرى بمدينة الثقافة أمام الجمهور والصحافيين. ناهيك عن أن مديرة المهرجان تعاملت بانتقاء مع وسائل الإعلام ورفضت الإدلاء بتصريح لإحدى الإذاعات الحكومية وهو ما أثار الاستهجان والانزعاج من مثل هكذا سلوك بدا غريبا في زمن عادت فيه الإذاعات إلى الواجهة بعد أن أصبحت مصورة ويمكن الولوج إليها ليس فقط من راديو السيارة بل من أجهزة الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي.
لكن البعض رأى أيضا أن تكريم الضيوف بالحصن التاريخي بجزيرة شكلي في بحيرة تونس للاحتفال بمرور مئة عام على انطلاق السينما التونسية وعلى أنغام الموسيقى السيمفونية كان شيئا جميلا وغير مألوف في المهرجانات الأخرى وقد أعجب كثيرا ضيوف تونس من السينمائيين وغيرهم. فهذه الجزيرة الصغيرة المطلة على مدينة تونس تتميز بجمال خلاب وتعاقبت عليها عدة حضارات وقيل أن السينمائي التونسي شمامة شكلي عرض فيها منذ مئة عام فيلمه الأول «زُهرة» ليعقبه بفيلمه الثاني «مجنون القيروان».

تكريمات متعددة

كان الحفل البهيج في شكلي ثريا من حيث المضمون وتضمن تكريم أسماء تركت بصمتها في المدونة السينمائية التونسية من قبل وزيرة الثقافة وبحضور مدير المركز الوطني للسينما والصورة خالد العازق والمديرة العامة لأيام قرطاج السينمائية سونيا الشامخي. وتم التطرق إلى المكتبة السينمائية التونسية الهامة من حيث المحتوى والتي تسهم حسب وزيرة الثقافة في الإنتاجات السينمائية الأفريقية والعربية والمتوسطية والعالمية.
وتم عرض فيلم يوثق للإنتاجات السينمائية التونسية وأهم الأحداث منذ سنة 1922 إلى سنة 2022 على غرار تأسيس مهرجان أيام قرطاج السينمائية على يد الطاهر شريعة. وقام الأوركسترا السيمفوني التونسي بعزف مجموعة من أغاني الأفلام ومن ضمنها أغاني أفلام المخرج الإيطالي فيديريكو فليني الذي اهتم به المهرجان وأفرده بمحور عنوانه «العالم كما يراه فليني».
كما قام قرطاج السينمائي بتكريم الراحلين المخرج جان لوك غودار والممثل جان لويس ترينتينيان، فتم عرض فيلمين لهما وهما اللذان تركا أثرا لسينما هادفة تعتبر مرجعا للكثيرين. وتم أيضا تكريم الممثل التونسي الراحل هشام رستم الذي فارق الحياة هذا العام تاركا أعمالا لا تمحى في ذاكرة السينما التونسية والعالمية وحضر التكريم للحديث عن مناقبه صديقه المخرج التونسي فريد بوغدير، وتم عرض فيلمين شارك فيهما هشام رستم وهما «السيدة» للمخرج التونسي محمد الزرن و«صفائح من ذهب» للمخرج التونسي نوري بوزيد.
وشهد المهرجان عدة ندوات تعنى بالسينما في تونس ودول الجنوب لعل أهمها ندوة بعنوان «هل التراث السينمائي العربي الأفريقي في خطر؟ «وتم فيها تسليط الضوء على كل من القضايا السياسية والتكنولوجية والبنية التحتية والاقتصادية والموارد البشرية التي تواجه الأرشيف السينمائي والسمعي البصري الأفريقي والعربي. كما لفتت الانتباه ندوة بعنوان «احتمالات إنتاج وتوزيع الأفلام العربية والأفريقية اليوم « وكان الغرض من هذه الندوة هو توعية القنوات الموجودة وتقريبهم من محترفي السينما العرب والأفارقة.

حضور فلسطيني لافت

وكانت فلسطين حاضرة في المهرجان من خلال فيلمين أحدهما بعنوان «النساء الفلسطينيات» وهو فيلم قصير عن المرأة الفلسطينية ومعاناتها في محطات تاريخية حديثة وكيف تحدت الظروف واستكملت تعليمها وانخرطت في سوق العمل وفي مقاومة الاحتلال. وتناول الفيلم أيضا ملف الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال خلال عقدي السبعينات والتعذيب والمعاملة القاسية التي تعرضن لها على أيدي السجانات الصهيونيات بالإضافة إلى الإضرابات التي خضنها وولادة بعضهن داخل هذه السجون والمعتقلات.
ومن الأفلام اللافتة في المهرجان فيلم «الثوار» لأميل شيفجي من تنزانيا ويتعرض للحقبة الاستعمارية المريرة التي عاشها التنزانيون والأفارقة عموما ومقاومتهم لهذا الاستعمار في سبيل الاستقلال والانعتاق وبناء الدول. وينتمي هذا الفيلم الطويل إلى أفلام المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ولاقى استحسان المشاهدين من جمهور قرطاج الذي يعشق السينما الأفريقية التي تعالج قضايا القارة وتسلط الضوء على همومها.
ومن الأفلام اللافتة الفيلم الكامروني «هل أرحل» الذي عرض في إطار محور «رؤى متقاطعة» التابع لقسم «رؤى متوسطية» وقد تم عرضه بحضور مخرجته ماري نوال نيبا وسفير الكامرون بتونس دجوبو صموال. ويعالج هذا الفيلم الوثائقي مسألة الهجرة حيث يعود ثلاثة أشخاص إلى بلدهم الأفريقي بعد المرور بتجربة الهجرة القاسية غير النظامية التي عانوا خلالها الويلات فيستغربون كيف ما زال هناك في بلدهم من يفكر في الهجرة.
ومن الأنشطة اللافتة في قرطاج السينمائي أيضا إطلاق المعهد العربي لحقوق الإنسان والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتظاهرة بعنوان «تقاطع شمال جنوب» وقد تم افتتاحها بفيلم «رسالة إلى نيكولا» للمخرجة هارا كامينارا وذلك بحضور مخرجات أفلام التظاهرة ومديرة المهرجان. وقد تعرض الفيلم لمسألة الهجرة ونضالات إنقاذ اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط ولا عجب أن يكون محط أنظار المنظمات الحقوقية التي لا تنشط عادة إلا في المهرجانات الراقية الجادة والهادفة وغير التجارية على غرار قرطاج السينمائي.
وللإشارة فقد حافظ المهرجان هذا العام على عروض سينما الشارع، ولم يكتف بقاعات العرض بدور السينما فكان الإقبال كثيفا واستثنائيا من الجمهور التونسي العاشق للسينما ولمهرجانه الرئيسي المؤسس للمهرجانات العربية والأفريقية. كما حافظ المهرجان على عروضه داخل السجون مثلما جرت العادة حتى تتحول تلك الفضاءات البائسة التعيسة والمليئة بالكآبة إلى معاقل للفرح والأمل والإقبال على الحياة من خلال السينما ومن خلال قرطاج التي كانت على الدوام رمزا لكل ما هو جميل في هذا البلد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية