تونس ـ «القدس العربي»: يتضمن مهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورته الثالثة والعشرون لهذا العام 82 عملا مسرحيا من 23 بلدا، وتتضمن البرمجة ثمانية أقسام منها المسابقة الرسمية ومسرح العالم ومسرح الطفل ومسرح المدارس وعروض الشارع ومسرح الحرية المقدم من قبل السجناء، وتضاف إلى ذلك الندوات والورشات التكوينية. وتتضمن المسابقة الرسمية 12 مسرحية منها اثنتان تونسيتان هما مسرحية ”ضوء” للطاهر بن عيسى العربي، ومسرحية ”تائهون” لنزار السعيدي وهما اللتان ستتنافسان على جائزة «التانيتط الذهبي إلى جانب المسرحيات العشر الأخرى المدرجة في المسابقة الرسمية.
وانطلقت الدورة يوم الثالث من هذا الشهر تحت شعار «المسرح برشا محبة” أي «المسرح فيه الكثير من المحبة» وتختتم في العاشر من هذا الشهر، حيث ينتظم الحفل الختامي وتوزع جوائز التانيت والجوائز الأخرى. ويبدو أن قرطاج المسرحي سيعود للانتظام كل سنتين بالتداول مع أيام قرطاج السينمائية بقرار غريب تم اتخاذه منذ أسابيع وذلك بعد أن استبشر التونسيون خيرا خلال الأعوام الأخيرة بانتظام المهرجانين سنويا.
وتم افتتاح المهرجان بعرض موسيقي في شارع الحبيب بورقيبة لمجموعة دندري وكذلك بعرض سيرك باباروني بنفس الشارع ليبدأ لاحقا حفل الافتتاح الرسمي بمدينة الثقافة بحضور المسرحيين والإعلاميين والمسؤولين. وقد كان هناك حرص على ما يبدو على تجنب حضور المتطفلين الذين توافدوا على مهرجان أيام قرطاج السينمائية وأساؤوا كثيرا لصورة المهرجان الهادف الذي يعنى بسينما المؤلف. وقد جرت العادة في الماضي وقبل افتتاح مدينة الثقافة أن يتم حفل الافتتاح بفضاء المسرح البلدي ذو الطراز المعماري العتيق والشبيه في هندسته بمسارح أوروبا القديمة. ومن بين المسرحيات المعروضة في اليوم الأول مسرحيتان تونسيتان واحدة بعنوان «أنا الملك» لمعز حمزة والأخرى بعنوان «شوق» لحاتم دربال. والمسرحية الأولى من إنتاج شركة سالمين للإنتاج، والدراماتورجيا هي لرضا ناجي والموسيقى لعبد الله بن ميمون والتمثيل لنور الدين العياري وفاتن الشوايبي وضياء المنصوري وأروى الجندوبي ومعز حمزة، ويدوم العرض 70 دقيقة. أما المسرحية الثانية المعروضة في اليوم الأول فهي كتابة جماعية عن نص لحمدي حمايدي، والدراماتورجيا لحاتم دربال ومعز عاشوري والسينوغرافيا لسيرجيو قازو، أما التمثيل فهو لآمال الفرجي ونادرة التومي ومريم بن حسين وعبد المنعم شويات وحمادي البجاوي ومدة العرض هي 90 دقيقة.
وتصنف المسرحية الأولى ضمن الكوميديا الاجتماعية الساخرة وتتحدث عن بلد قام فيه الأغنياء بسرقة ثروة الفقراء ويتعرض هذا البلد إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية أيضا. والضحية الوحيدة في هذا البلد هو المواطن البسيط المغلوب على أمره والذي لا يمتلك القدرة على تغيير الطغمة الحاكمة من البرجوازية والمافيات المتحالفة معها. هذه المسرحية باختصار تتحدث عن الواقع المعيش في تونس في العشرية الأخيرة وذلك بطريقة ساخرة وهزلية.
أما المسرحية الثانية والتي أنتجها مركز الفنون الركحية والدرامية في بن عروس بالتعاون مع فضاء الحمراء الذي عرضت فيه المسرحية للمرة الأولى في عرض مخصص للصحافيين، فهي تراجيدية حزينة تروي مأساة ابن غائب يعود إلى عائلته بعد فترة طويلة وذلك للقائها وليعلمها أنه مصاب بمرض سيؤدي إلى وفاته. فتنقلب فرحة اللقاء بوالدته وشقيقته وشقيقه وزوجته إلى حزن شديد. فيستحضر الجميع طيلة العرض المسرحي قصص الماضي قبل غياب العائد وذلك بألم وحزن وأسى جراء فراق جديد.
وجاء في الحديث عن المسرحية من قبل المنظمين أن «الشوق» يمثّل آخر فرصة للقاء العائلة الذي يحمل مفاهيم متناقضة: القرب والبعد، اللقاء والفراق، الموت والحياة. العائلة والموت موضوعان أساسيّان يلتقيان طيلة زمن العرض، يتشابكان، ينسجمان، يتضادّان، يتصلان لدفع الشخصيات في متاهة الفقدان والرهبة والخوف والحلم والشوق.
تكريم مسرحيين
وقد تم خلال هذه الدورة من أيام قرطاج المسرحية تكريم عدد من المسرحيين والفنانين التونسيين والأجانب على غرار الممثل والمخرج المسرحي والسينمائي التونسي هشام رستم والممثل المسرحي والسينمائي والتلفزيوني التونسي توفيق البحري بالإضافة إلى الناقد المسرحي التونسي عادل الحباسي والفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش .أما عربيا فقد تم تكريم الممثلة المصرية سهير المرشدي والممثل السوري أيمن زيدان بالنظر إلى ما قدماه من أعمال مسرحية وتلفزيونية لا تحصى ولا تعد أوصلتهما إلى قلوب الجماهير التونسية والعربية من المحيط إلى الخليج.
واختار المنظمون أن يكون السينغال ضف شرف هذه الدورة لاهتمام هذا المهرجان بالمسرح العربي والأفريقي وباعتبار أن السينغال من البلدان الرائدة في القارة السمراء في ميدان المسرح. وفي هذا الإطار تم تكريم الأديب والشاعر السينغالي ورئيس الجمهورية الأسبق ‘ليوبولد سيدار سنغور، الذي كان من بين أصدقاء الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ويشترك معه في عشق المسرح وسائر الفنون، حتى بورقيبة ومن شدة ولعه بالمسرح شيد مسرحا في قصر قرطاج شهد الكثير من العروض.
وتم في هذه الدورة أيضا تنظيم ورشات تدريبية من بينها ورشة النقد السينوغرافي وورشة المسرح المنتدى وغيرها، وأيضا فعاليات فنية احتضنها المعهد العالي للفن المسرحي بتونس ومدينة الثقافة الشاذلي القليبي ودار الثقافة ابن خلدون وتضمنت محاور عديدة على غرار الجسد الكوميدي، والممثل والفضاء، وأيضا روح الكاتب بثقافة الممثّل وهوى السينوغرافيا عبر فكر المخرج الأكاديمي. وقد أشرف على هذه الورش والدورات التدريبية مسرحيون من تونس ولبنان وفرنسا انتفع الحاضرون من خبراتهم في مجال الفن الرابع الذي لديه جمهوره وعشاقه في تونس على غرار السينما.
ومن بين الانتقادات التي طالت هذه الدورة من أيام قرطاج المسرحية هو تزامنها مع مونديال قطر 2022 ورأى المنتقدون أنه كان من الأجدى والأجدر لو تم تنظيم هذه الدورة مباشرة بعد نهائيات كأس العالم. فحضور العروض حسب أصحاب هذا الرأي سيقتصر على فئة من أهل الاختصاص ولن يشمل رجل الشارع العادي الذي يبدو المهرجان مطالبا بالانفتاح عليه واستقطابه عملا بمقولة «أعطني مسرحا أعطيك شعبا عظيما».